-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

الأمّة باعت… وغزّة اشترت!

سلطان بركاني
  • 35
  • 0
الأمّة باعت… وغزّة اشترت!

الأمّة المسلمة، منذ بعثة النبيّ –صلّى الله عليه وسلّم- وهي تحارَب، ويُكاد لها، ويمكر بها، ولكنّها كانت تصمد بإيمانها وتنتصر بعقيدتها ويقينها. حتى وإن كبَت في بعض المحطّات، إلا أنّها كانت لا تلبث حتى تقوم وتستعيد عزّها ومجدها.. إلى أن وصلت إلى أواخر القرن التاسع عشر الميلاديّ، حين دبّ الضّعف في أوصالها، واضطرم الشقاق بين أبنائها، وتعاظمت المؤامرات ضدّها، وتداعت عليها الأمم، وكان ما كان وسقطت آخر خلافة جمعت المسلمين أواخر الربع الأوّل من القرن العشرين.. ومن يومها والأمّة تهوي في دركات الهوان، وتكرع من كؤوس الذلّ؛ دينها يحارب ويحاصر في الزّوايا ويحرّف، وأراضيها تنهب، وخيراتها تستغلّ، وأبناؤها يغرّبون ويشغلون بالدّنيا والتفاهات ويُبعدون عن دينهم وقضايا أمّتهم، وحتى بعض المتديّنين منهم يشحنون بالصراعات الطائفية ليكون بأسهم بينهم وليس ضدّ أعدائهم!

وها نحن في هذه السّنوات الأخيرة نرى بأمّ أعيننا كيف فتحت أغلب بلاد المسلمين في الشرق الأوسط أراضيها لتحتضن القواعد الأمريكية الصليبية التي تنطلق منها الطائرات لتضرب المسلمين وتسيل دماءهم وتقطّع أوصالهم! وحتى في جزيرة العرب التي أمر النبيّ –صلّى الله عليه وآله وسلّم- بإخراج المشركين منها، هناك عشرات القواعد الأمريكية التي يعلم الجميع أنّها ليست لحماية المسلمين، إنّما لحماية الكيان الصهيونيّ، ولإطباق الخناق على المسلمين حتى إذا قال أحد منهم: “لا للمشروع الأمريكيّ” أُخرس! والمصيبة الأكبر أنّ بعض المسلمين في جزيرة العرب يجنِّدون جنودهم ويحشدون حشودهم تحت رايات غربية ليقتلوا إخوانهم المسلمين!
وحتى الأرض المقدّسة المباركة، فلسطين، أرض المسجد الأقصى التي بارك الله فيها، وربط القرآنُ بينها وبين مكة برباط وثيق، فقال –جلّ شأنه-: ((سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ))؛ هذه الأرض أسلمها المسلمون لليهود ليدنّسوها ويدنّسوا أقصاها، وينطلقوا منها لتحقيق حلمهم في أرض الميعاد “إسرائيل الكبرى”، التي تشمل فلسطين كلّها ولبنان كلّها والأردن كلّها، وتشمل شرق مصر وشمال السعودية إلى المدينة النبويّة وغرب العراق وغرب سوريا.

ليست المصيبة أن يحلم اليهود الصهاينة بإسرائيل الكبرى، ويسعوا حثيثا لتحقيق حلمهم، لكنّ المصيبة الأعظم أن يوجد بين المسلمين من يعين الصهاينة على تحقيق هذا الحلم.. وكمثال لذلك، فإنّ آثار اليهود التاريخية لا تزال قائمة في المدينة النبويّة وخيبر ونجران وتيماء، إلى يوم النّاس هذا، يزورها اليهود ويلتقطون عندها الصّور ويتوعّدون بأنّهم سيعودون إليها يوما، في الوقت الذي محيت فيه جُلّ الآثار الإسلاميّة!
ولتحقيق حلمهم، فإنّ اليهود يسعون لإسكات كلّ صوت يرفض وجودهم، وإرهاب كلّ من يحاربهم ويقف في طريقهم.. والمصيبة ليست في أن تعلن أغلب الأنظمة الغربية وقوفها مع الكيان الصهيونيّ وعداءها لكلّ من يقاومه ويجاهده، فاليهود والنصارى بعضهم أولياء بعض كما أخبرنا القرآن. ولكنّ المصيبة أن نجد بين المسلمين من يحاصر المجاهدين والمقاومين ويقدّم العون للصهاينة في حربهم، سرا وعلانية، ويسخّر الإعلام والذباب الإلكترونيّ على مواقع التواصل لتشويه المرابطين وتشويه جهادهم، وما تفعله “إمارات” الشرّ خير مثال في هذا الصّدد.. وقد رأينا منذ السابع من أكتوبر 2023م حجم الإرهاب الذي مارسه الصهاينة ضدّ أهلنا في غزّة، لا لشيء إلا لأنّهم أرادوا أن يرفعوا رؤوسهم في وجه الكيان المحتلّ، ولأنّهم يعدّون العدّة ويربون الأبطال في المساجد وحلق القرآن ليخوضوا معركة تحرير الأرض المقدّسة، فكان جزاؤهم عند الكيان الصهيوني وأوليائه من الغرب وبعض العرب أن يبادوا وينكل بهم، حتى لا يفكروا مرة أخرى في أن يرفعوا رؤوسهم!
ولكن هيهات هيهات، فأهل غزة رغم حرب الإبادة التي تستهدفهم، إلا أنّهم لا يزالون مصرّين على بلوغ هدفهم؛ وها هم لا يزالون صامدين إلى يوم الناس هذا، أمام آلة الإجرام الصهيونيةِ التي لم تتوقف رغم العهود والمواثيق واتفاقات الهدنة. لا تزال دماؤهم تروي أرض الرباط الطاهرة، ولا تزال الأمّهات ولا يزال الآباء يبكون فلذات أكبادهم. لا شيء تغيّر في غزّة، وما تغيّر هو الإعلام الذي ما عاد يهتمّ كثيرا بأرض العزّة التي أصبحت على هامش أخباره. وحتى أكثر الناشطين على المواقع تركوا غزّة تنزف بعيدا عن الأضواء.
ولكن رغم القصف والإرهاب، ورغم التشريد والتنكيل، ورغم التجاهل والنسيان، لا يزال أهل غزّة يعلّمون الأمّة معنى العيش لأجل قضية كبيرة مثل قضية فلسطين وقضية المسجد الأقصى. لا يزالون يهتفون في الأمّة بألسنتهم ودمائهم وأشلائهم، لعلّ الأمّة تستفيق وتترك حياة الراحة والدعة والهدوء والمظاهر والمفاخر والمآكل والمراكب التي فيها ذلّها وهوانها، لتعيش حياة الجهاد والجلاد والرباط التي فيها عزّها ومجدها.
قبل أيام، استشهد بين من استشهدوا في غزّة إثر غارة صهيونيّة غادرة، شابّ يُدعى بصير منير البرش، نجل الدكتور المجاهد منير البرش مدير عام وزارة الصحة في غزّة. فكان بين من زاروا الدكتور البرش لتعزيته في ابنه، الشيخ نعيم النجّار الذي فقد أبناءه جميعا في عدوان صهيونيّ. تكلّم الشيخ النجار بعبارات تكتب بمياه العيون، لأنّها تفيض إيمانا وعزّة ويقينا، وترينا كم هم عظماء أهل غزّة ولماذا يحارَبون بكلّ هذه الهمجية. قال الشيخ النجار: “نحن لا نبكيهم (أي: أبناءنا)، بل نبكي وصايانا التي كتبنا فيها أن يدفنونا بأيديكم، لكنهم سبقونا، وكتب الله لنا أن ندفنهم بأيدينا. متعك الله بابنك 30 عاما ونيف، لكنّ الله أبى إلا أن يمتعه بما تبقى له من أجله في الجنة. وأبى الله إلا أن يمتعك بشفاعته، ويُمتع أمه. أشهد أمام الله -عز وجل- أنه كان وليفًا بقلبي، وكنت أسميه الحب ابن الحب. يشهد الله أنه ما كان يطرق بابًا للخير إلا ولج فيه. هذه شهادة ألقى بها الله. كان يملك قلبًا يشابه قلوب الأنبياء، فأتى اللهَ بقلب سليم. كان يحبني ويحبك… فهو ولدي، وفلذة كبدي، وحبيبي. لكنْ، عزاؤنا أنّ هناك ملتقى، وملتقى في حياة أجمل… من كانت منيته بأرضٍ فليس يموت في أرضٍ سواها. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعله شافعًا ومشفعًا. أسأله سبحانه أن يكون الآن جليس الأنبياء والشهداء والصديقين والأولياء. كل الناس يوم القيامة عطشى، إلا ذوي الشهداء يسقون؛ يجد كل منا ولده يحمل له الماء، ويبحث بين الناس: أين أبي؟ أين أمي؟ أين ولدي؟ أين كذا؟ أين كذا؟ نُسقى بإذن الله من أيديهم.. الحمد لله الذي جعل له هذه الخاتمة. نعمَ الخاتمة يا أبا منير، لمثلك تليق. لمثلك جعلت الشهادة… أسأل الله أن يجعل الملتقى على الحوض، وأن يجمعنا بهم في جنات النعيم”.. فيا الله! أيّ إيمان عمر قلوب هؤلاء الأبطال؟ وأيّ يقين حوته صدورهم؟! لا يزال يقينهم بالله وبما عنده قويا رغم كلّ ما عانوه، ورغم خذلان كلّ العالم لهم إلا قليلا منه!

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!