الأنانية والزعامة تقتل ثلاثة مشاريع سياسية في مهدها
بات مسعى “إعادة بناء الإجماع الوطني” الذي أطلقه حزب جبهة القوى الاشتراكية (الأفافاس)، في مهب الريح، تماما كحال مشروع “الدستور التوافقي”، الذي وعد به الرئيس بوتفليقة في خطابه عقب أدائه اليمين الدستورية للعهدة الرابعة، وكذا مشروع الانتقال الديمقراطي.
وجاء البيان الذي أصدرته تنسيقية الانتقال الديمقراطي، بعد لقاء بعض ممثليها بالهيئة الرئاسية لجبهة القوى الاشتراكية، ليرسّم الفشل المسبق لمشروع “إعادة بناء الإجماع الوطني“، الذي يكون قد وصل إلى طريق مسدود، طالما أن الاجماع لا يتحقق بغياب فصيل كبير من فصائل المعارضة التمثيلية.
ويؤكد بيان “الانتقال الديمقراطي” الغياب التام لعامل الثقة بين الطرفين، وهو أحد ابرز العناصر المؤدية إلى نجاح مشاريع من هذا القبيل، بل إن الأمر وصل حد الاتهام الضمني لـ “الأفافاس” بمحاولة القفز على أرضية “الانتقال الديمقراطي“، التي كان حزب “الدا الحسين” أحد المشاركين في إحدى محطاتها، وهي ندوة مزفران.
وكانت جبهة القوى الإشتراكية قد قاطعت اجتماعات تنسيقية الانتقال الديمقراطي، بعد مشاركتها في الندوة التي عقدت بفندق مزفران بزرالدة غرض العاصمة في جوان المنصرم، وبررت هذا الموقف بأنها تفضل اللقاءات الثنائية، إضافة لمبرر آخر يتمثل في انصرافها نحو إنجاح مبادرتها التي كانت تحضر لها في ذلك الوقت، وشرعت في تنفيذها الأسبوع المنصرم.
وتتضح الصورة أكثر، عندما تتهم تنسيقية الانتقال الديمقراطي “الأفافاس” بمحاولة “جر الأحزاب لمربع السلطة، من أجل الوصول إلى أهداف غير معلنة بينه وبين السلطة، وهي التي (السلطة) سبق لها وأن فشلت في ذلك“، يقول الأمين العام لحركة النهضة، محمد دويبي، في اتصال مع “الشروق“.
من استهدفوا بدعوة “الأفافاس” لم يجدوا عناء في تفكيك خلفيات مسعى “إعادة بناء الإجماع الوطني“، واعتبروه يندرج في سياق التوجه الجديد، الذي رسمه الحزب منذ الانتخابات التشريعية الأخيرة، والذي أصبح بموجبه خارج التصنيف التقليدي المعهود عن أقدم حزب معارض في البلاد.
ويشتبه المنتقدون لمبادرة جبهة القوى الاشتراكية، أن يكون الحزب قد انخرط في مسعى السلطة، يقول ذويبي: “منهجية الأفافاس تقوم على جمع الأفكار من الأحزاب السياسية والشخصيات الوطنية، وهذا لا يختلف كثيرا عما قامت به السلطة في مشاورات 2011، وهذه من المؤاخذات التي سجلها بيان التنسيقية عن مبادرة إعادة بناء الإجماع الوطني“.
وكانت الأحزاب والشخصيات المنضوية تحت لواء تنسيقية الانتقال الديمقراطي، تنتظر الفرصة لترد الصاع صاعين لـ “الأفافاس“، وقد جاءتها هذه الفرصة. وقد حاولت “الشروق” الاتصال بقيادة حزب “الدا الحسين“، غير أنهم رفضوا الرد.
رد تنسيقية الانتقال الديمقراطي، جاء ليعزز حالة الانقسام التي يعاني منها المشهد السياسي، فبعد المعطى الجديد، أصبح كل طرف سياسي له مسعاه، لكن لا أحد مستعد للتنازل من أجل الوصول غلى وفاق وطني يلملم الوضع الراهن.
فالسلطة التي طرحت مشروع “الدستور التوافقي“، تأكد عجزها عن تحقيق “التوافق” بمشاورات أحمد أويحيى، وتنسيقية الانتقال الديمقراطي فشلت في استقطاب السلطة والمعارضة التي تدور في فلكها، واكتمل العقد بموت مبادرة “الأفافاس” في مهدها، بإعلان أكبر ائتلاف للمعارضة، عدم تعاطيه معها، والمتهم في كل ذلك، هي الأنانية وحب الزعامة.