الأهراء
بمناسبة عيد الفطر، زارني أحد الإخوة من شرق الجزائر لتهنئتي بهذا العيد “المُعْتَدّ”، بلغة الإمام محمد البشير الإبراهيمي، والمعتدّ تشبيه له بالمرأة المتوفى عنها بعلها، أو المطلقة، فتركت التزيّن والتجمّل، وهكذا هي أعياد المسلمين في هذا الزمان “أيام زينة ولكن النفوس حزينة”.
هذا الأخ ناجح في أعماله التجارية، ويؤدي حق السائل والمحروم فيها، ويحمد الرزاق ويشكره، لأنه يعلم ويؤمن أن ما به وغيره من نعمة فمن الله، عزّ وجل.
هذا الأخ، وهو ذو علم، متفائل جداً بمستقبل زاهر للجزائر، لما تختزنه من ثروات، ولما منّ الله -عز وجل- به عليها من خيرات باطنية وظاهرية، خاصة أن الجزائر تخلصت من كثير من أفراد العصابة التي أفسدت البلاد، وأهلكت ضرعها ونسلها..
أشاد الأخ الزائر بحسن السياسة التي ينتهجها المسؤولون، ولهم نظرة بعيدة وحسن استشراف، وضرب عدة أمثلة لما ذهب إليه، ومنه أن الجزائر بعد بضعة أعوام لن تستورد حبوباً من الخارج، وقد تكون مُصدّرة لها، فتحقق مقولة: “مطمورة روما”، ولذلك فهي تُكثر في السنوات الأخيرة من إقامة صوامع الحبوب لتخزين ما يفيض عن الاستهلاك.
عندما ذكر الأخ صوامع الحبوب رجعت بي الذاكرة إلى عام 1964، حيث كنت تلميذاً في السنة الثانية من التعليم المتوسط بثانوية “رمضان عبان” بالحراش بالعاصمة، وكان أستاذنا في مادة الأدب واللغة العربية هو الأستاذ محمد لغليظ بَدري من مدينة تبسة، وقد انتقل إلى رحمة الرحمن الرحيم في سنة 1975. كان هذا الأستاذ ذا بسطة في العلم والجسم، وذا لسان لسن في اللسانين العربي والفرنسي، وقد حبّب إلينا القراءة، حيث كان يفرض على كل تلميذ أن يقرأ كتاباً في كل أسبوع.. وكان شعاره الذي يردده على مسامعنا هو: “إن القارئ الذي لا يقرأ إلا الكتب المنتقاة كالمقْعَد – المريض بالمعدة – الذي لا يأكل إلا الأطعمة المنتقاة”.
كلفني مرة بقراءة كتاب “آلام فرتر” للأديب الألماني الكبير جوته الذي خصه عباس محمود العقاد بكتاب سماه “عبقرية جوته”.. وقد عرّب كتاب “آلام فرتر” الأديب المصري المتميز أحمد حسن الزيات صاحب مجلة “الرسالة”، وهي أرقى مجلة عربية في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي.
قرأت أسطراً قليلة ثم استثقلت الكتاب فنبذته.. وعندما عدنا في بداية الأسبوع سألني عن الكتاب، فأجبت بأنني قرأته وكنت “من الكاذبين”. فقال الأستاذ: إن كنت قرأته، فلا بد أن كلمة غريبة قد استوقفتك وهي مشروحة في هامش الكتاب، فما هي هذه الكلمة؟ قلت في غرور: لم تستوقفني أي كلمة، فقاطعني قائلاً: ما معنى الأهراء؟ أحسست كأنني ابتلعت لساني.. فقال لي: أنت كاذب، وعاقبني عقاباً معنوياً، حيث أمرني أن أنتقل من الصف الأول إلى آخر صف في القسم، ثم عفا عني بعدما اعترفت بذنبي واستغفرت منه.. هذه الكلمة نُقشت في عقلي وقلبي منذ ذلك التاريخ ولا أذكر أنني قرأتها فيما قرأت بعدها هي “الأهراء”، جمع هُرْيٍ وهي صوامع تخزين الحبوب، وهو ما يقوم به مسؤولونا في هذه السنوات القليلة ليحرروا الجزائريين من استيراد هذه الحبوب.