آباء يقدّمون أبناءهم قرابين لحل مشاكلهم الاجتماعية
الأولياء يزجون بأكثر من 107 طفل في مغامرات الحرقة خلال 2009
أطفال صغار يزج بهم في معارك يدير رحاها الكبار… أطفال يقدمهم أولياؤهم قرابين ويستعملونهم كأوراق ضغط في سبيل حل مشاكلهم الاجتماعية التي عجزوا عن إيجاد مخرج منها…
-
وبدل تحقيق الغاية التي رسمها آباؤهم في مخيلتهم وجدوا أنفسهم أبطالا رئيسيين في قصص وحوادث مأساوية ذهبوا ضحيتها لا ذنب لهم سوى أن آباءهم لم يعوا ويقدروا حجم الأمانة التي وضعها الله بين أيديهم وسعوا إلى الاحتماء بهم من أجل تحقيق أحلامهم على جثثهم، فخاضوا بهم غمار تجربة قوارب الموت ضمن قوافل الحراقة وقدّموهم في الصفوف الأمامية للاحتجاجات الشعبية وكانوا أول من يرش عليهم البنزين للتهديد بإحراقهم أو تفجيرهم بقارورات الغاز إن تجرأ أحد وتقدم نحوهم.
-
لقد باتت وضعية الطفولة في المدة الأخيرة حرجة للغاية، إن لم يتم تداركها سريعا، فأكثر من 107 طفل حرّاق عبروا البحار في سنة 2009، سواء لوحدهم أو بمعية آبائهم ومنهم رضّع لم تتعد أعمارهم الخمسة أشهر، حسب ما أكده السيد نورالدين بلموهوب، حقوقي ناشط بالرابطة الجزائرية لحقوق الإنسان، وهذا بغض النظر عن الأرواح البشرية البريئة التي توفيت في عرض البحار واقتاتتها الأسماك ولا يعلمها إلا الله.
-
الرقم قفز في أقل من سنة من 68 طفلا حراقا ليصل إلى ما هو عليه الآن، وهو ما ينذر بخطورة الوضع ويستدعي تحركات عاجلة لاحتواء الظاهرة بمعرفة مسبباتها ومحاولة إيجاد حلول على ضوء تلك المعطيات. الأطفال الحراقة هي حالات اعتداء صارخ على الطفولة تضاف إلى أطفال آخرين تعرضوا إلى إصابات وصدمات نفسية عنيفة ضمن احتجاجات عائلية على تنفيذ قرارات طرد من مساكنهم أو تهديم أكواخ قصديرية لبعضهم يعدون بالعشرات آخرهم الصغيرة مروة من الشلف البالغة من العمر 4 سنوات، والتي هدد والداها بالانتحار أمام مكتب رئيس بلدية الشلف احتجاجا على هدم مسكنه القصديري بمنطقة الشرايط دون تعويضه بعد أن رشّا عليها البنزين في محاولة منهم إخضاع السلطات العمومية، فلم يجد ربّ العائلة غير التهديد بالانتحار من أجل إسماع صوته للمسؤولين، لكن المصير المأساوي كان أن توفيت الطفلة متأثرة بحروقها الخطيرة التي طالت جسدها ولم تستطع مقاومتها.
-
هذا ويتصدر الأطفال في مختلف الاحتجاجات الشعبية التي عرفتها الجزائر الصفوف الأمامية في ظاهرة أصبحت تتنامى بشكل أكبر… يخرجون جنبا إلى جنب مع أهاليهم يرددون معهم شعارات التنديد بالحقرة والتهميش ويرفعون مطالبهم وحقوقهم.
-
وحسب السيد نورالدين بلموهوب، فإن إقحام الأطفال في الاحتجاجات الشعبية يرجع بالأساس إلى سعي الآباء والكبار بصفة عامة، إلى الهروب من المتابعات القضائية والأحكام الثقيلة التي تقع عليهم بعدما أثبتته التجربة في التعامل مع الحالات السابقة، على اعتبار أن نظرة القانون وأحكامه بالنسبة للقصّر تختلف عنها بالنسبة للكبار.
-
قد نختلف ربما بشأن الدوافع التي أنتجت هذا الواقع، إلا أننا أبدا لن نستطيع تبريره حتى وإن تعلق ربما بحب الآباء الجمّ لأبنائهم والذي يجعلهم يفضلون المجازفة بأبنائهم والموت إلى جانبهم وعدم تركهم يعانون الأمرّين بعد أن عجزوا عن تغيير أوضاعهم الاجتماعية للأحسن، أو حتى إن تعلق الأمر كذلك برد فعل عن حقرة وتهميش واجهتهم به دولة العزة والكرامة التي لم تستطع توفير لهم أبسط ظروف العيش الكريم.
-
وفي تعليق منه على الوضع، اعتبر السيد نورالدين بلموهوب أن الطفل الجزائري حقه غير محترم ولا يتمتع بحقوقه لا في الوسط العائلي ولا في الوسط المدرسي ولا في المجتمع، واصفا ما يقوم به هؤلاء الآباء المغلوبون على أمرهم “عنفا مفروضا” فرضته طريقة عيش مزرية تتحمل فيها الدولة الجزائرية مسؤولية كل هذه المآسي، فهي غائبة تماما وهذا الغياب الكلّي في عدم توفير الظروف الاجتماعية الملائمة أدى إلى انفلات اجتماعي لم يقوَ على مقاومته الآباء الذين باتوا عاجزين عن سد لقمة عيش أبنائهم أو توفير سقف لهم يحميهم برد الشتاء أو حر الصيف. وعلى العموم ندّد المعني في حديثه بهذا السلوك الذي مهما حاولنا تبريره فلن نستطيع.
-
وطالب المتحدث وزارة التضامن الوطني والوزارات ذات العلاقة بالموضوع أن تلعب دورها، سيما وأن بعض تلك السلوكات هي نتيجة تصريحات غير إنسانية من قبل ممثلي السلطات.
-
وبالمقابل، أضاف المعني “نحن ندين استعمال أي عنف أو سلاح ضد الأطفال الأبرياء، مهما كانت درجة خطورة الموقف، ليس على الطفل أن يدفع فاتورة أخطاء الكبار”، مركزا حديثه على مسألة الحقوق والواجبات “فلو أن كل واحد عرف حقوقه والتزم بواجباته لما وصلنا إلى ما نحن عليه، كما أن بعض الآباء ليسوا أهلا للمسؤولية ولا يستحقون أن يتزوجوا شرعا، فهم يهملون أبناءهم إلى درجة كبيرة”.