الإبادة الصامتة: حين تُقتلع الأنساب الفلسطينية من جذورها التاريخية
مدينة غزة، حيث تحوّلت الشوارع إلى أطلالٍ تحمل ذاكرةً مُهشّمةً ومرارةً، وتلاشى ضوء الشمس ليحلَّ محله غبارُ القصفِ الخانقِ من الصواريخِ والقنابلِ والمتفجراتِ، وعبقُ الأسى العميقِ الذي يثقلُ الأجواءَ. هنا، لا تُمحى معالم الجغرافيا فحسب، بل تُستأصلُ حكاياتٌ بأكملها من سجلاتِ الوجود. عائلاتٌ بأسرِها تُشطبُ من سجلِّ الحياةِ لتغدو في خانة العدم المطلق، وتُقتلعُ جذورُ وجودها كما تُقتلعُ أشجارُ الزيتونِ المعمرةُ من ترابها المُقدّسِ. هذه ليست مجرد أرقامٍ تُضافُ إلى قائمة الضحايا؛ بل هي بيوتٌ تُهدمُ لتغدو قبورًا جماعيةً لأحلامٍ لم تكتملْ، وذكرياتٌ تُطمسُ كآثارِ أقدامٍ يمحوها الموجُ، وأجيالٌ تُبادُ قبل أن تتفتّحَ براعمُها. كيفَ يمكنُ لهذهِ الفظائعِ أن تُرتكبَ في صمتٍ مطبقٍ، بينما ضميرُ العالمِ لا يزالُ يكتفي بالمشاهدةِ؟
نسيجٌ اجتماعيٌّ يُحاكُ بخيوطِ الصمودِ والنار
المأساةَ الفلسطينيةَ قد تجاوزتْ بكثيرٍ مجردَ إحصاءِ الأرواحِ المفقودةِ، لتصلَ ذروتها في جريمةٍ قانونيةٍ مركبةٍ ومروعةٍ: إنها الاستهدافُ الممنهجُ للنسلِ، من الأصلِ إلى الفرعِ، بسياسةٍ متعمدةٍ تهدفُ إلى محوِ العائلةِ الفلسطينيةِ ككيانٍ حيويٍّ في البنيةِ المجتمعيةِ. هذا السلوكُ الإباديُّ، في ضوءِ نصوصِ القانونِ الدوليِّ وسوابقهِ القضائيةِ الراسخةِ، يُشكلُ نمطًا يتطابقُ تمامًا مع تعريفِ الإبادةِ الجماعيةِ. إنها جريمةٌ لا تهددُ الوجودَ الإنسانيَّ ذاته فحسب، بل تُقوّضُ أساسَهُ.
تُعدّ العائلةُ، في كلِّ الحضاراتِ، الوعاءَ الحافظَ للهويةِ، والضامنَ لاستمراريةِ النسلِ، وحاملَ التواصلِ التاريخيِّ والثقافيِّ. هي الخليةُ الأساسيةُ التي تُشكلُ النسيجَ الاجتماعيَّ، وتحملُ الذاكرةَ الجمعيةَ والتراثَ الثقافيَّ كجذورِ شجرةٍ عتيقةٍ تمتدُّ عبرَ الأجيالِ. إنَّ استهدافها لا يقتصرُ على تدميرِ البنيةِ التحتيةِ المدنيةِ فحسب؛ بل هو تدميرٌ شاملٌ لهذا النسيجِ الاجتماعيِّ من جذورهِ، واقتلاعٌ للهويةِ الثقافيةِ والتاريخيةِ من أعماقها. لقد باتتِ العائلاتُ الفلسطينيةُ في غزةَ هدفًا متكررًا للضرباتِ الإسرائيليةِ المباشرةِ، غالبًا من دون سابقِ إنذارٍ، ومن دون وجودِ ضرورةٍ عسكريةٍ ظاهرةٍ تبرّرُ هذا الحجمَ المروِّعَ من الدمارِ البشريِّ، مما يثيرُ تساؤلاتٍ جوهريةً حولَ مبدأِ التناسبِ في العملياتِ العسكريةِ، وكأنَّ ميزانَ العدالةِ قد تحطّمَ أمامَ فيضانِ دماءِ الضحايا الأبرياءِ. هذا النمطُ الوحشيُّ من الاستهدافِ يُلزمنا بتحليلٍ قانونيٍّ بالغِ الدقةِ لهذه الضرباتِ، في ضوءِ مقتضيات القانون الدولي من معاهدات وسوابق قضائية وآراء فقهية.
جريمة استهدافِ الأنساب
لم تكنْ عائلةٌ واحدةٌ هي من دفعتْ الثمنَ الأقصى في غزةَ، بل توثقُ تقاريرُ المنظماتِ الحقوقيةِ والأممِ المتحدةِ حالاتٍ لعائلاتٍ بأكملها، مثلَ عائلاتِ السموني، الجدلية، الرنتيسي، الكفارنة، والنخال، التي مُسِحتْ تمامًا من سجلِّ الوجودِ بعد استهدافها بشكلٍ شبهِ كاملٍ. هذه الأنماطُ المتكررةُ تُشيرُ بقوةٍ إلى أنَّ المدنيينَ والعائلاتِ ليسوا مجردَ ضحايا عرضيينَ؛ بل هم أهدافٌ ضمنَ إستراتيجيةٍ أوسعَ تُبرزُ بوضوحٍ “القصدَ الخاصَّ”.
وفي شهادةٍ دامغةٍ على هذا القصدِ، وصفَ المفوضُ العامُّ لوكالةِ غوثِ وتشغيلِ اللاجئينَ الفلسطينيينَ (الأونروا)، فيليب لازاريني، قطاعَ غزةَ بأنهُ أصبحَ “مقبرةً للأطفالِ والجائعينَ” تحتَ أنظار العالمِ، مُشيرًا إلى أنَّ إسرائيلَ تقومُ بـ”مخططٍ قاسٍ وميكيافيليٍّ للقتلِ”.
هذا القصدُ لا يقتصرُ على مجردِ نيةِ القتلِ، بل هو نيةٌ مقصودةٌ لتدميرِ جماعةٍ قوميةٍ أو إثنيةٍ، كليًّا أو جزئيًّا، من خلالِ أفعالٍ موجهةٍ بدقةٍ نحو أهمِّ عناصرها الحيويةِ: نسلها واستمراريتها.
إنَّ الأرقامَ الفلكيةَ لمجازرِ الاحتلالِ ضدَّ العائلاتِ الفلسطينيةِ في غزةَ لا تدعُ مجالاً للشكِّ في هذا القصدِ الإباديِّ؛ فوفقًا للبياناتِ الأخيرةِ، تمَّ محوُ 2200 عائلةٍ بالكاملِ من السجلِّ المدنيِّ، استُشهدَ منها 6350 فرد. وهناكَ 5120 عائلةٍ لم يتبقَّ منها إلا فردٌ واحدٌ بعد أن استُشهدَ 9351 فرد من هذهِ العائلاتِ المنكوبةِ. هذه الإحصاءاتُ المروِّعةُ تُترجمُ إلى أكثرَ من 12000 مجزرةٍ ضدَّ الشعبِ الفلسطينيِّ، منها 11926 مجزرةً استهدفتْ العائلاتِ تحديدًا. هذه ليستْ مجردَ أرقامٍ؛ إنها شهادةٌ دامغةٌ على استهدافٍ منهجيٍّ لكيانِ العائلةِ، ومحاولةٍ يائسةٍ لقطعِ دابرِ الوجودِ الفلسطينيِّ.
إنَّ نمطَ هذا الاستهدافِ المتكررِ والمتوزعِ جغرافيًّا وزمنيًّا يدلُّ على وجودِ نيةٍ واضحةٍ لاستهدافِ أفرادِ العائلاتِ كجزءٍ من جماعةٍ وطنيةٍ فلسطينيةٍ أوسعَ، مع تركيزٍ استثنائيٍّ على النسلِ. وهو ما يتفقُ تمامًا مع مفهومِ “القصدِ الخاصِّ” (dolus specialis) الذي يُعدُّ عنصرًا جوهريًا في جريمةِ الإبادةِ الجماعيةِ، بحسبِ المادةِ 2 من اتفاقيةِ الإبادةِ الجماعيةِ لعام 1948.
شهودٌ على فصولِ جريمةِ إبادةِ النسل
إنَّ ما نشهدُهُ اليومَ يلامسُ لبَّ جريمةِ الإبادةِ الجماعيةِ، والتي لا تتطلبُ إبادةَ جماعةٍ بأكملها، بل يكفي أن يكونَ القصدُ تدميرَ جزءٍ جوهريٍّ أو أساسيٍّ منها. ووفقًا للمادةِ الثانيةِ من اتفاقيةِ الإبادةِ الجماعيةِ لعام 1948، تتحققُ الجريمةُ عندما تُرتكبُ أفعالٌ معينةٌ “بقصدِ إهلاكِ جماعةٍ قوميةٍ أو إثنيةٍ أو عرقيةٍ أو دينيةٍ، كليًّا أو جزئيًّا”. ومن أبرزِ هذهِ الأفعالِ، والتي تتجسدُ بوضوحٍ قاسٍ في غزةَ، ما يلي:
- قتلُ أفرادِ الجماعةِ: وهو ما يحدثُ بشكلٍ متكرِّرٍ ومروِّعٍ في غزةَ، ويستهدفُ بشكلٍ خاصٍّ كبارَ السنِّ والأطفالَ والنساءَ، أي الأجيالَ الحاضرةَ والمستقبليةَ، بما يقطعُ شجرةَ النسلِ من جذورها. ومن الأمثلةِ الصارخةِ على ذلكَ، ما تواترَ من قطعٍ متعمدٍ لإمداداتِ الكهرباءِ عن حاضناتِ الأطفالِ الخدّجِ في المستشفياتِ، ليتحولَ الأملُ في حياةِ هؤلاءِ الرضعِ إلى شرارةٍ تنطفئُ في ظلامٍ دامسٍ، ويُعدُّ استهدافًا متعمدًا للنسلِ في أضعفِ حالاتهِ، وهو في صميمِ نيةِ الإبادةِ.
- إلحاقُ أذىً جسديٍّ أو نفسيٍ جسيمٍ بهم: ما يعيشهُ الناجونَ من هولِ فقدانِ عائلاتهم، وتدميرِ بيوتهم، وفقدانِ الأمنِ، كلُّ ذلكَ يُحدثُ ضررًا نفسيًّا لا يزولُ ويُقوّضُ قدرةَ الجماعةِ على التعافي والاستمرارِ.
- إخضاعهم لظروفٍ معيشيةٍ يُقصدُ بها تدميرهم الفعليُّ كليًّا أو جزئيًّا: كالحصارِ الخانقِ، والتجويعِ المتعمدِ، ومنعِ وصولِ المساعداتِ الإنسانيةِ والطبيةِ الضروريةِ، وتدميرِ البنى التحتيةِ الحيويةِ، مما يجعلُ الحياةَ مستحيلةً ويُجبرُ الناجينَ على التفكيرِ في الهجرةِ القسريةِ أو الاستسلامِ التامِّ.
لقد قامتِ المحاكمُ الجنائيةُ الدوليةُ بتفسيرِ هذهِ المادةِ وتأصيلها في العديدِ من السوابقِ القضائيةِ الراسخةِ والموثوقةِ، مؤكدةً على شموليةِ مفهومِ الإبادةِ الجزئيةِ وعلى أنَّ استهدافَ النسلِ هو وسيلةٌ فعّالةٌ لتحقيقِ الإبادةِ الشاملةِ.
هذا التحليلُ يجدُ سندهُ القويَّ في قراراتِ المحاكمِ الدوليةِ السابقةِ التي رسختْ مبادئَ العدالةِ. وعلى رأسها ما جاءَ في قضيةِ الادعاء ضدَّ راديسلاف كرستيتش (Prosecutor v. Radislav Krstić, 2001) أمامَ المحكمةِ الجنائيةِ الدوليةِ ليوغوسلافيا السابقةِ (ICTY)، إذ قضتِ المحكمةُ بأنَّ استهدافَ الرجالِ والفتيانِ من سكانِ سريبرينيتسا المسلمينَ كانَ يهدفُ إلى القضاءِ على القدرةِ الإنجابيةِ للجماعةِ، مما يُعدُّ إبادةً جماعيةً. وفي الفقرةِ 595 من الحكمِ، صرّحَ القضاةُ بأنَّ:
“تدميرُ القسمِ القادرِ على الإنجابِ من الجماعةِ، مع النيةِ المبيتةِ لإفناءِ الجماعةِ ككلٍّ، يُمكنُ أن يُشكّلَ إبادةً جماعيةً.”
وفي السياقِ ذاتهِ، أوضحَ القاضي أنطونيو كاسيزي، أحدُ أبرزِ قضاةِ القانونِ الدوليِّ الجنائيِّ، أنَّ:
“استهدافُ أفرادِ عائلةٍ واحدةٍ ضمنَ جماعةٍ، مع تكرارِ النمطِ الزمنيِّ والجغرافيِّ، قد يكونُ كافيًّا لتشكيلِ دليلٍ على القصدِ الخاصِّ، إذا كانتِ العائلةُ تمثلُ جزءًا معبّرًا عن الجماعةِ أو امتدادها البيولوجيَّ.”
كما تُشيرُ أعمالُ لجنةِ القانونِ الدوليِّ إلى أنَّ استهدافَ النسلِ بشكلٍ مباشرٍ أو غيرِ مباشرٍ يُعدُّ من أكثرِ المؤشراتِ وضوحًا على نيةِ الإبادةِ، لاسيما إذا اقترنَ مع سياقِ عملياتٍ عسكريةٍ تنطوي على اختيارٍ دقيقٍ للأهدافِ.
من جهةٍ فقهيةٍ، يُعزّزُ هذا الفهمَ ما ذكرهُ وليام شاباس، أحدُ أبرزِ فقهاءِ القانونِ الجنائيِّ الدوليِّ، في كتابهِ Genocide in International Law (2009)، إذ أكدَ أنَّه: “عندما يُستهدفُ أفرادُ عائلاتٍ بعينها ضمنَ جماعةٍ ما، وكانَ هذا الاستهدافُ متكررًا وبنمطٍ يُظهرُ التعمُّدَ، فقد تكونُ هذهِ العائلاتُ تُعامَلُ كرموزٍ للهويةِ الجمعيةِ، مما يُعدُّ قرينةً على القصدِ الخاصِّ.”
أما المحكمةُ الجنائيةُ الدوليةُ لرواندا (ICTR)، فقد اعتبرتْ في قضيةِ أكايسو (Akayesu, 1998) أنَّ “الهجماتِ الموجَّهةِ ضدَّ أفرادٍ أو عائلاتٍ بسببِ انتمائهم العرقيِّ أو القوميِّ، مع علمٍ مُسبقٍ بأثرِ ذلكَ على النسلِ، تُعدُّ جريمةَ إبادةٍ جماعيةً حتى لو كانتْ في إطارِ سلوكٍ واسعِ النطاقِ”. هذا يُبرهنُ على أنَّ مجردَ استهدافٍ فرديٍّ أو عائليٍّ يمكنُ أن يُشكلَ جزءًا من نمطٍ إباديٍّ أوسعَ إذا وُجدَ القصدُ.
بالإضافةِ إلى ذلكَ، في قضيةِ سيليبيتشي (Čelebići, 2001)، أكدتِ المحكمةُ الجنائيةُ الدوليةُ ليوغوسلافيا السابقةِ على أنَّ “نيةَ الإبادةِ لا يجبُ أن تكونَ صريحةً، بل يمكنُ استنتاجُها من الظروفِ المحيطةِ، بما في ذلكَ الطبيعةُ الممنهجةُ للهجماتِ، واختيارُ الضحايا، والمناخُ العامُّ للإفلاتِ من العقابِ”. وهذا ما ينطبقُ على تكرارِ استهدافِ العائلاتِ في غزةَ، فضلاً عن التصريحاتِ التحريضيةِ من قبلِ مسؤولينَ إسرائيليينَ.
ما يجري في غزةَ اليومَ من استهدافٍ ممنهجٍ للعائلاتِ ومحوٍ للأنسابِ ليسَ مجردَ فصلٍ جديدٍ في صراعٍ مسلحٍ؛ إنهُ التجلّي الأشدُّ وحشيةً للنكبةِ الفلسطينيةِ المستمرةِ. هذهِ النكبةُ، التي شكّلتْ مأساةً لا نظيرَ لها في التاريخِ الحديثِ، لم تقتصرْ على تهجيرِ شعبٍ بأكملهِ وسرقةِ أرضهِ تحتَ بصرِ العالمِ وسمعه سنة 1948، بل فتحتِ البابَ لمشروعٍ استيطانيٍّ لا يزالُ يُمعنُ في القتلِ والاقتلاعِ حتى يومنا هذا. هي ليستْ ذكرى تُروى، بل جرحٌ مفتوحٌ ينزفُ بلا توقفٍ، تتجسدُ آلامهُ اليومَ في كلِّ عائلةٍ تُبادُ.
وفي قضيةِ ميليتش مركسيتش وآخرونَ (Milić Mrkšić et al., 2007)، أكدتِ المحكمةُ الجنائيةُ الدوليةُ ليوغوسلافيا السابقةِ مجددًا على أهميةِ نمطِ الاستهدافِ الواسعِ والممنهجِ كدليلٍ على نيةِ التدميرِ الجزئيِّ للجماعةِ، خاصةً عندما يستهدفُ مدنيينَ لا يُشكلونَ تهديدًا عسكريًّا مباشرًا.
وبناءً عليهِ، فإنَّ استهدافَ العائلاتِ، وفقًا لهذا النَّسقِ الموثقِ بالأرقامِ والإحصاءاتِ، لا يُمكنُ اعتبارهُ مجردَ أثرٍ جانبيٍّ للعملياتِ الحربيةِ، بل يمثلُ تنفيذًا مقصودًا لخطةٍ تهدفُ إلى إضعافِ البنيةِ الجمعيةِ للشعبِ الفلسطينيِّ، من خلالِ تفكيكِ النسيجِ العائليِّ والنسليِّ. إنَّ هذا التدميرَ للنسلِ، واستئصالَ العائلاتِ من الأصلِ إلى الفرعِ، هو في صميمِ نيةِ الإبادةِ على أساسٍ عرقيٍّ وقوميٍّ، لأنَّهُ يُقوّضُ استمراريةَ وجودِ الجماعةِ وتجددها، ويهدّدُ ذاكرتها وهويتها الجماعيةَ. وهو ما يرتقي -بحسبِ المعاييرِ الدوليةِ والمبادئِ القضائيةِ الراسخةِ- إلى مستوى الإبادةِ الجماعيةِ.
الخاتمة: النكبةُ المستمرةُ ومسؤولية العالم
إنَّ ما يجري في غزةَ اليومَ من استهدافٍ ممنهجٍ للعائلاتِ ومحوٍ للأنسابِ ليسَ مجردَ فصلٍ جديدٍ في صراعٍ مسلحٍ؛ إنهُ التجلّي الأشدُّ وحشيةً للنكبةِ الفلسطينيةِ المستمرةِ. هذهِ النكبةُ، التي شكّلتْ مأساةً لا نظيرَ لها في التاريخِ الحديثِ، لم تقتصرْ على تهجيرِ شعبٍ بأكملهِ وسرقةِ أرضهِ تحتَ بصرِ العالمِ وسمعه سنة 1948، بل فتحتِ البابَ لمشروعٍ استيطانيٍّ لا يزالُ يُمعنُ في القتلِ والاقتلاعِ حتى يومنا هذا. هي ليستْ ذكرى تُروى، بل جرحٌ مفتوحٌ ينزفُ بلا توقفٍ، تتجسدُ آلامهُ اليومَ في كلِّ عائلةٍ تُبادُ.
وإذا كانتِ النكبةُ قد بدأتْ عام 1948، فإنَّ استمرارها حتى اليومَ يُحمّلُ المجتمعَ الدوليَّ مسؤوليةً مضاعفةً: مسؤوليةَ الصمتِ المطبقِ، ومسؤوليةَ التواطؤِ، وربما – في بعضِ الأحيانِ– مسؤوليةَ الشراكةِ في الجريمةِ؛ فكلُّ قنبلةٍ تُسقطُ اليومَ على غزةَ، وكلُّ طفلٍ يُقتلُ، وكلُّ منزلٍ يُهدمُ، ليسَ إلا امتدادًا لتلكَ اللحظةِ التأسيسيةِ للجريمةِ.
إذا كانتِ النكبةُ قد بدأتْ عام 1948، فإنَّ استمرارها حتى اليومَ يُحمّلُ المجتمعَ الدوليَّ مسؤوليةً مضاعفةً: مسؤوليةَ الصمتِ المطبقِ، ومسؤوليةَ التواطؤِ، وربما – في بعضِ الأحيانِ– مسؤوليةَ الشراكةِ في الجريمةِ؛ فكلُّ قنبلةٍ تُسقطُ اليومَ على غزةَ، وكلُّ طفلٍ يُقتلُ، وكلُّ منزلٍ يُهدمُ، ليسَ إلا امتدادًا لتلكَ اللحظةِ التأسيسيةِ للجريمةِ.
إنَّ ما يحدثُ اليومَ لا يمكنُ قراءتهُ خارجَ سياقِ النكبةِ؛ فالتاريخُ لا يبدأُ من الصُّورِ التي تصدمنا على الشاشاتِ، بل من الجذورِ التي تجاهلها العالمُ عقودا. إنها نكبةٌ مستمرةٌ بأشكالٍ متعددةٍ: من الاحتلالِ والتهجيرِ والاستيطانِ، إلى الحصارِ والقتلِ والتجويعِ. إنها جريمةٌ تتجدّدُ كلَّ يومٍ تحتَ أنظارٍ صامتةٍ وضمائرَ خرساءَ.
وفي ظلِّ هذا الإصرارِ الإسرائيليِّ على محوِ الذاكرةِ والهويةِ، يصبحُ الإحياءُ السنويُّ للنكبةِ فعلَ مقاومةٍ بحدِّ ذاتهِ. ليسَ فقط لتذكيرِ العالمِ بما جرى، بل لتحذيرهِ مما يجري الآنَ، ولمنعهِ مما قد يجري غدًا، فالنكبةُ ليستْ حدثًا من الماضي، بل واقعٌ حاضرٌ، يزدادُ توحُّشًا تحتَ عباءةِ العجزِ الدوليِّ.
وها نحنُ نرى اليومَ كيفَ تتكررُ النكبةُ بمجازرها، وتتشكلُ صورها بأبشعَ مما كانتْ عليهِ قبلَ 76 سنة، وكأنَّ التاريخَ يسيرُ في حلقةٍ مفرغةٍ من الألمِ والخذلانِ.
فإلى أيِّ قاعٍ من الصمتِ تهوي الإنسانيةُ؟!
وكمْ روحٍ بريئةٍ يجبُ أن تُسحقَ، وكمْ نسلٍ مقدّسٍ يجبُ أن يُقتلعَ من تربتِهِ الطاهرةِ ؟!
كم.. وكم.. قبلَ أن يتصدّعَ جدارُ اللامبالاةِ في هذا العالمِ ويُزهِرَ العدلُ؟!
أسئلة تمزّقُ حجبَ الظلامِ، وتسائل ضميرَ بشريةٍ تائهةٍ في صحراءِ الخذلانِ.
الأرقامَ الفلكيةَ لمجازرِ الاحتلالِ ضدَّ العائلاتِ الفلسطينيةِ في غزةَ لا تدعُ مجالاً للشكِّ في هذا القصدِ الإباديِّ؛ إذ مُحيت 2200 عائلةٍ بالكاملِ من السجلِّ المدنيِّ، استُشهدَ منها 6350 فرد. وهناكَ 5120 عائلةٍ لم يتبقَّ منها إلا فردٌ واحدٌ بعد أن استُشهدَ 9351 فرد من هذهِ العائلاتِ المنكوبةِ. هذه الإحصاءاتُ المروِّعةُ تُترجمُ إلى أكثرَ من 12000 مجزرةٍ ضدَّ الشعبِ الفلسطينيِّ، منها 11926 مجزرةً استهدفتْ العائلاتِ تحديدًا. إنها شهادةٌ دامغةٌ على استهدافٍ منهجيٍّ لكيانِ العائلةِ، ومحاولةٍ يائسةٍ لقطعِ دابرِ الوجودِ الفلسطينيِّ.