الإدارة الالكترونية.. اقتصاد للملايير ومحاربة للرشوة والبيروقراطية
أضحى موضوع عصرنة الإدارة وتجسيد مشروع الإدارة الالكترونية يشكل أولوية لدى الحكومة، لاسيما في ظل الظروف الاقتصادية الخاصة التي تمر بها البلاد نتيجة انهيار أسعار البترول، وما ترتب عنها من اتخاذ قرارات تهدف إلى ترشيد النفقات ووقف التبذير، فمن شأن هذا المشروع أن يجنب خزينة الدولة الملايير التي تصرفها في طباعة الوثائق ووضع حد لحالات التزوير والرشوة والمحسوبية التي كانت سببا مباشرا في تعطيل كل المبادرات ومحاولات النهوض الاقتصادي.
كان الوزير الأول عبد المالك سلال قد شددّ في العديد من المناسبات على وزرائه بضرورة ترشيد النفقات وتقليص المصاريف إلى أدنى المستويات، في ظل الظروف التي يمر بها الاقتصاد الوطني، ما دفع العديد من الوزارات إلى مسارعة الزمن لتجسيد بنود التعليمات كل حسب دائرة اختصاصاته، حيث سارعت وزارة الداخلية إلى استكمال إجراءات مشروع الإدارة الالكترونية مثلما كشف عنه الوزير نور الدين بدوي، من خلال استحداث مركز البيانات لوزارة الداخلية والجماعات المحلية الذي سيسمح بتخزين كافة البيانات والبرمجيات المعلوماتية الخاصة بالخدمات الإلكترونية التي تقدمها المصالح التابعة للقطاع لفائدة المواطنين أو قطاعات النشاطات الأخرى في إطار التعاملات البينية، وهذا بهدف قطع خطوات مقابل رقمنة الإدارة وتقليص الميزانية الخاصة باستخراج مختلف الوثائق..
… بطاقات رقمية لمتابعة المشاريع وفضح التزوير ووقف تبذير المال العام
بعد نجاح تجربة تعميم استخراج وثائق الحالة المدنية بجميع أنحاء الوطن، ثم الترخيص لإيداع ملفات جواز السفر البيومتري الكترونيا عبر موقع خاص، وكذا إيداعها بالبلديات بدل الدوائر، قررت الوزارة استحداث بطاقيات رقمية لمختلف الملفات بما فيها المتعلقة بمتابعة البرامج التنموية لتذليل العراقيل التي تعترضها، ما يسمح بإحداث نقلة نوعية في عصرنة الإدارة ويرفع مردودية أداء العمل الإداري، وهو ما بدأ يتجسد في ظل السيولة التي باتت تطبع استخراج مختلف الوثائق على غرار جواز السفر البيومتري وشهادات الميلاد، ناهيك عن بطاقية التعريف البيومترية التي ستسمح بالحصول على عدة امتيازات سينعكس إيجابا على ترقية الاقتصاد بأقل التكاليف وأكثر نجاعة.
من جهتها وضعت مديرية التشغيل لولاية الجزائر بالتنسيق مع الأمانة العامة بنك معلومات تحت تصرف الدوائر الإدارية 13 بالعاصمة، يسمح لموظفيها بالولوج إلى بطاقيات صناديق الضمان الاجتماعي والصندوق الوطني للسكن، في إطار عمل التحقيقات الاجتماعية التي تباشرها مصالح الشؤون الاجتماعية، لتوزيع الإعانات المالية على الفقراء أو تحديد قوائم السكن الاجتماعي أو غيرها فيما يضمن تحقيق الشفافية والسرعة في إعداد مختلف القوائم من خلال كشف الراتب الحقيقي لطالب السكن بالاعتماد على رابط الضمان الاجتماعي، في ظل ارتفاع عدد محاولات التوزير، وهو ما ساهم في توزيع مختلف الإعانات بمختلف بلديات الولاية في أجالها من دون تسجيل احتجاجات عارمة، وفي هذا الصدد يقول أحد أعوان الإدارة لـ“الشروق” إن الإجراء هذا سمح بإسقاط العشرات من المتحايلين الذين كانوا يستفيدون من إعانات مالية و“يحلبون” أموال طائلة مخصصة للفقراء بسبب تزوير الوثائق، كما سمحت بمعرفة الوضعية العامة للحالات الاجتماعية وإعداد دقيق عن الوضعيات الاجتماعية، وأضاف:”في سياق التحقيقات الاجتماعية لإعداد قوائم السكن تمكنا من إسقاط شخص متحايل حاول الحصول على سكن بأحد الأحياء، رغم أنه لا يقطن به بدليل اكتشاف أنه يقطن بحي أخر مثلما كشفته بطاقية الضمان الاجتماعي.”
وكالة “عدل” بدورها أقصت العشرات من أصحاب الملفات الذين أودعوا وثائق مزورة على غرار الإقامة وحتى الدخل الفردي، بعدما استنجدت في تحقيقاتها برابط الضمان الاجتماعي الذي أعطى كافة المعطيات الخاصة بالمكتتبين يقول أحد العمال المكلفين بالتحقيق “لقد اكتشفنا عدة حالات يتم فيها إيداع شهادات كشف الراتب، وحين اطلاعنا على رقم الضمان الاجتماعي لم نجد لهم آثرا، ما دل على أن الأشخاص عبارة عن تجار ويمارسون أعمال حرة“، ويضيف أن حالة أخرى أودعت ملفات اتضح بعد الاطلاع على رابط الضمان الاجتماعي أن أجره الشهري لا يستوفي الشرط الذي وضعته الوكالة المتمثل في 24 ألف دينار، عكس ما هو مدوّن في الوثيقة التي قدمها، هذا وقد أحصت الوزارة عقب تحيين الملفات تسجيل 16800 شخص زوّروا وثائق الإقامة وشهادات العمل وكشف الراتب للحصول على سكنات عدل.
… ملء استمارة الكترونية لإنشاء مؤسسة مصغرة في أسبوع فقط
وكذا قرار وزارة التجارة الذي يسمح بالتسجيل الالكتروني للحصول على سجل تجاري بالنسبة للشركات، آجال إعدادها ما قلص إلى جانب تصديه محاولات التزوير التي طالت مستخرج السجل التجاري الورقي، فضلا عن مساهمتها في تطهير البطاقية الوطنية للسجل، والذي ساهم بدوره في تسهيل مهام أعوان الرقابة على مستوى مختلف الأسواق، واعتبر متعاملون اقتصاديون تحدثت إليهم “الشروق“، أن إدخال التكنولوجيات الحديثة كالأنترنت في المجال التجاري سمح لهم بتجاوز كل المراحل التي كانت تشكل عائقا أمام نشاطهم، بفعل تقليص المدة الزمنية لحيازة السجل التي تسمح لهم بممارسة النشاط، وأبرز توجه الوكالة الوطنية لدعم تشغيل الشباب إلى عصرنة معالجة ملفات وطلبات تأسيس مؤسسات مصغرة من خلال الاعتماد على التسجيل الالكتروني، واعتماد الاستمارة الواحدة وإرسالها الكترونيا، في تقليص آجال استحداث هذا النوع من المؤسسات إلى أسبوع عكس كما كان سابقا حيث ينتظر الشباب البطال أشهرا لإيداع الملف كاملا قبل الحصول علـى الموافقة، وهو ما سمح بفتح مناصب شغل –حسب مدير وكالة أونساج– وما يترتب عنه من أثار إيجابية على الاقتصاد الوطني، من خلال تجنيب خزينة الدولة الملايير بسبب الوثائق من جهة، وكذا سرعة معالجة الملفات التي تسمح بانطلاق عمل المؤسسات التي سيكون لها انعكاس إيجابي على الصعيد الاقتصادي للوطن على المستوى القريب في ظل إرادة الدولة في الخروج من تبعية البترول وتنويع موارد الاقتصاد حسب مسؤولي الوكالة.
خبراء“للشروق“: الإدارة الالكترونية ستجنب الخزينة الملايير وتقضي على التزوير والرشوة
يرى الخبير الاقتصادي فارس مسدور في تصريح لـ“الشروق” أن تجسيد مشروع الإدارة الالكترونية من شأنه أن يقضي نهائيا على المعوقات البيروقراطية التي تحول دون تحقيق النهوض الاقتصادي ويحرر مبادرات المستثمرين التي تنعكس إيجابا على الواقع العام، في ظل ضرورة التوجه إلى مرحلة الخروج من تبعية البترول، كما يضع حدا لمختلف الآفات التي أنهكت الاقتصاد الوطني كالرشوة والمحسوبية وارتفاع مؤشر الفساد، رغم ما تحمل من سلبيات بسبب محاولات الاختراق والقرصنة التي تتطلبها برامج تأمينية رفيعة.
من جهته قال الخبير في المعلوماتية يونس قرار في تصريح للشروق إن استعمال تكنولوجيات الإعلام والاتصال أحدث ثورة في جميع المجالات، كون تعميمه على الإدارة قلص بعض المشاكل البيروقراطية التي عكرت صفو حياة المواطنين، مؤكدا أن تعميمها في مختلف المصالح الإدارية سينهي مشاكل عناء استخراج الوثائق بمختلف أنواعها كما يضح حدا لآفات الرشوة والمحسوبية والتزوير، وأضاف أنه من الناحية الاقتصادية سيجنب خزينة الدولة ملايير الدينارات من جراء طبع مختلف الوثائق، معطيا مثالا أنه خلال الدخول المدرسي مثلا لو يتم استخراج 50 ألف وثيقة فقط فإنه ينبغي تخصيص 50 مليون سنتيم، داعيا إلى تعميم هذه المبادرات على جميع القطاعات سواء الصحية أوالثقافية.