-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

الإرتباك الأمريكي والشيخوخة الأوروبية!

صالح عوض
  • 2610
  • 0
الإرتباك الأمريكي والشيخوخة الأوروبية!

شهدنا في السنوات الأخيرة طائرات فرنسا وبريطانيا تدك مرافق الدولة الليبية وتقتل زعيمها، كما قامت القوات الأمريكية بتدمير مؤسسات العراق وشنقت رئيسه بعد محاكمة هزلية أشرفت عليها، وسلمت البلدين لمن كانت تظن انهما يضمنان تشتيت البلدين.. ولاتزال تهدد مواقع اخرى في بلاد العرب والمسلمين.

ورغم هذا لابد من القول ان الولايات المتحدة الأمريكية واوروبا قد فقدت ذلك الطراز المميز من القيادة التاريخية، الذي كان مسكونا بروح النهضة الأمريكية الجبارة، متحركا على طريقة الفارس الأسطوري، وبثقافة التسيُّد والهيمنة على العالم، ويدفع في سبيل ذلك بكل خيله ورجله وامكاناته، وانتهى الأمر بالولايات المتحدة الأمريكية في السنوات الأخيرة إلى تقديم اردأ النماذج على المستوى السياسي والثقافي والتي ألحقت بالولايات المتحدة خسائر فادحة على الصعيد الأخلاقي والسياسي والاقتصادي.. فمن ترومان وكيندي وايزنهاور إلى العربيد جورج بوش الابن والمخبول ترمب.. انها رحلة نحو الانهيار.
اما أوروبا الاستعمارية فلقد تلقت في النصف الثاني من القرن العشرين ضربات عميقة في القلب منها وفي وجدانها باندلاع حركات التحرير في افريقيا وآسيا وعلى رأسها الثورة الجزائرية التي فككت الاستعمار الغربي.. ورغم محاولاتها امتصاص الصدمة، الا ان الشيخوخة سعت إلى مفاصلها وها هي تتكشف عن عيوب استراتيجية في بنيتها الاقتصادية والاجتماعية ورغم مكابرتها في التزامها بكثير من اجراءات الخدمات في مرافقها العامة، الا ان الخور يضرب عمقها.. إلى درجة تلقيها الإهانة من اردوغان بلا ردة فعل.

أوروبا تعلن دوما ان مشكلاتها الاقتصادية لا يمكن حلها الا على مسرح شمال افريقيا.. ومن هنا تتحرك فرنسا وبريطانيا وايطاليا في ليبيا وسواها تنهب الذهب والبترول والثروات العديدة وتفتح لمنتجاتها أسواقا ضخمة في أماكن التصارع والتناحر التي تشرف هي على تغذيته وتوجيهه واستمراره.

لم تصل الولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوروبية الاستعمارية إلى هذه المرحلة الا بعد عقود من الحروب الواسعة للسيطرة على المعابر الدولية والمواقع الاستراتيجية ومواقع الثروات الأساسية والأسواق الواسعة ووضعت لتحركها اطارا من الشرعية الدولية وانشأت كيانات اقتصادية ومؤسسات سياسية كمنظمة التجارة الدولية وصندوق النقد الدولي والعولمة والاتحاد الأوروبي وسوى ذلك من عناوين كلها تتهاوى اليوم على وقع خسائر اقتصادية تكبدها النظام الدولي في العراق وافغانستان ولايزال ينزف في اكثر من مكان. وما يجري على مستوى مسرح الاتحاد الأوروبي يعني ببساطة ان اوروبا ذاهبة إلى الشيخوخة المستبّدة، وما انهيار اليونان وامكانية انهيار ايطاليا واسبانيا والبرتغال وخروج بريطانيا من الاتحاد الا دليلٌ على المرحلة التي وصلتها العجلة الاقتصادية الأوروبية، والأمر نفسه يمكن ملاحظته في سجلِّ المدفوعات والواردات في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث يشير الفارق إلى انهيار اقتصادي كاد يودي بالنظام الرأسمالي جملة، وكل ما تم من عمليات ترقيع جزئية لن يعفيه من انهيار حتمي لاسيما وقد ابتليت الولايات المتحدة بقيادات مجنونة مسكونة بالحروب الخاسرة والتدخلات العسكرية الخارجية غير الضرورية بلا مصلحة ولا رسالة.
هاجمت امريكا افغانستان بعملية عسكرية واسعة مكلفة للخزينة الأمريكية وبحجج واهية ولم يكن لها فيها مصلحة او هدف حقيقي الا ما اخترعته من حرب صليبية ضد “الارهاب”، هذا بعد ان كبَّدت افغانستان والمتطوعون العرب والمسلمون الاتحاد السوفيتي هزيمته الساحقة التي تسببت في انهياره، وكل شيء في افغانستان التي طردت السوفييت بالتنسيق الأمني الدقيق مع الأمريكان كان يمكن إدارته بتفاهم معهم، ولكن السلوك المتعجرف قاد بوش إلى حملة عسكرية أغرقت جيوش امريكا في متاهات افغانستان، وكسرت شوكتها ولم يتوقف جورج دبليو بوش حتى ألقى بأمريكا في صحراء العرب فكانت كارثة امريكا النوعية في الحرب على العراق بغطاء من تهم واهية واهداف حمقاء.. وحاولت اوروبا ان تعالج ازماتها الاقتصادية المستفحلة وان تجاري البلطجة الأمريكية فكان التدخل الفرنسي والبريطاني في ليبيا من خلال حلف الناتو الذي انزل حمم ناره على الليبيين لتدمير البلد وإغراقه في فوضى تسهِّل عمليات السرقة الواسعة لثروات البلد، ولئن استطاعت الدول الأوروبية إسقاط نظام القذافي فهي ستدفع ثمن ذلك من الهجرات المتوالية اليها ومن ارهاب مسلح يصل إلى مآمنها.
من الواضح ان القيادة الأمريكية تعيش حالة ارتجاج عقلي، فغابت عنها المقولات والأفكار التي تصنع ثقافة في العالم، كما كان لها ذلك خلال قرون، حيث كانت واحة الحرية والقوانين الانسانية، على صعيد مكوناتها الاجتماعية بعد الانتهاء من الحروب الأهلية، وبدأ الجنوح إلى الأفكار المحلية والاحتمائية والعنصرية الاستبدادية، وهنا حصل الاضطراب على صعيد الاستراتيجية خارجيا وداخليا وهي لم تحدد بشكل نهائي اي الخيارين تريد ولا اي الدول تكون على الصعيد الاجتماعي والعدالة في مجالات عدة على رأسها التأمين الصحي، فهل تكتفي بأن تكون دولة عظمى قوية؟ ام انه لابد من علوِّ الإمبراطورية والتسيُّد على العالم كما كان شأن السابقين من زعماء امريكا.. ولكل خيار استحقاقات وسبيل ورؤية واستراتيجية وبرنامج.. وفي ظل فشل الحروب الخارجية من حرب فيتنام الى حرب العراق وما ألحقته بالخزينة.
ومن الواضح ان اوروبا مصممة على عدم الانسحاب من المشهد الدولي لكي تعوض ما لحق بها من خسائر وتفكك في قدرتها الاقتصادية.. فأوروبا تعلن دوما ان مشكلاتها الاقتصادية لا يمكن حلها الا على مسرح شمال افريقيا.. ومن هنا تتحرك فرنسا وبريطانيا وايطاليا في ليبيا وسواها تنهب الذهب والبترول والثروات العديدة وتفتح لمنتجاتها اسواقا ضخمة في اماكن التصارع والتناحر التي تشرف هي على تغذيته وتوجيهه واستمراره.
الأمر الذي لابد من تسجيله ان المزاج الشعبي العام في اوروبا والولايات المتحدة الأمريكية قد اصبح ضد التدخل العسكري، ولقد تشكلت قوى اجتماعية وثقافية تعمل كمصد لثقافة التدخل الخارجي، ومن الواضح انه لأسباب عدة يرون عبثية التدخل العسكري في الدول وعبر القارات..
صحيح ان امريكا وبريطانيا والأوروبيين اخترعوا الكذب لغزو العراق ولكنهم بعد أربع عشرة سنة يكتشفون انهم لم يحققوا شيئا، بل ان الخسارة لحقت بهم على اكثر من صعيد، ولذا يصبح من العبث التفكير في تجديد الحرب في المنطقة وهذا ما يجعل الموقف الأمريكي مضطربا ازاء ما يحصل في العراق وسورية ولبنان.. اضطراب يُفقِد السياسة الأمريكية المبادرة، وفي هذا الفراغ تحرَّك الروس بسلاحهم وجيوشهم، على مساحة من الأرض حساسة وخطيرة، لأنها في مركز الاستراتيجية بمجاورتها للكيان الصهيوني.
لم تستطع الولايات المتحدة تكريس الأمر الواقع بعد سقوط الاتحاد السوفيتي، فها هو الوليد “الاتحاد الروسي” يصبح قطبا نقيضا للولايات المتحدة الأمريكية ومنافسا شرسا ويقودها إلى التنافس الحاد الذي يكلفها مزيدا من الخسائر..
ولكن من الضروري التوجه إلى القول بأن الانهيار المستمر في الامبراطورية الغربية والتي تتخذ من واشنطن عاصمة لها لا يعني بالضرورة ان البشرية تمتلك بديلا يستطيع ان يضبط إيقاع حركة البشرية في نظام ما.. فلا الصين المهووسة اقتصاديا والبائسة اجتماعيا تمثل نموذجا بديلا ولا الروس حيث الديكتاتورية السياسية والانغلاق الأمني للبلد.. فلقد تمتعت الولايات المتحدة الأمريكية في مرحلة ما بصفة لم تحصل من قبل الا في تاريخ العرب المسلمين عندما فتحت الدولة حدودها امام جميع الطاقات والخبرات من شتى دول العالم لتنعم بالتطور والتطوير فتحركت امريكا بخيرة طاقات بني البشر نحو صناعة اعظم نهضة تكنولوجية واعظم اقتصاد عالمي.
البديل الحقيقي هو النقيض الجوهري المنهجي للحضارة الغربية في شقها الفلسفي والقيمي، انه بلا تردد الأمة العربية الإسلامية.. ولأسباب عديدة تلوح في الأفق مبرِّراتٌ منطقية لتحرُّكٍ واسع في الأمة للأخذ بزمام المبادرة التاريخية.. ولعل الحراك الذي يتم على صفيح ساخن في بلاد الشام والعراق يمهِّد لخروج جيل مقاتل مغامر واع مدرك لشروط الانتصار وعلى هذا المحور تشرق الآمال الانسانية بانقضاء حقبة الشر والعنصرية الغربية والاستبداد الاستعماري الامبريالي.. وبزوغ فجر حضارة انسانية تجعل من الأسرة الإنسانية مناط تكليفها وارضية استراتيجيتها وبرامجها ويمنحها القدس وما حوله من مباركة المعاني الروحانية الكافية.. المغالبة شاقة ولكنها حتمية وستسلم الحضارة الغربية رايتها للأمة العربية الإسلامية مرغمة وما ذلك على الله بعزيز.. تولانا الله برحمته.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!