الإستقلال الذي لم يُفرح أحدا
عندما يُصبح الاستقلال أخطر من الاحتلال، وعندما يصبح مصير الملايين من بقايا تسع سنوات من النار أسوأ من مصير مليون قتيل، وعندما يصبح إنزال علم المستعمر موعدا لتنكيس كل الرايات، فمعنى ذلك أننا عشنا أسوأ إستعمار على الإطلاق في التاريخ، دخل بمباركة العالم بأسره وانتهك الأعراض وزرع الأرض بالفتن أمام صمت العالم بأسره، وسيخرج الآن بعد أن حرق الأرض بما فيها أمام تواطؤ العالم بأسره.
- الأمريكيون قرّروا أول أمس أن يغادروا العراق – شكلا – بعد تسع سنوات عجاف أعادت العراق إلى ما قبل الحضارة الآشورية، ونقلت الولايات المتحدة الأمريكية إلى القوة الأولى والوحيدة في العالم التي تسمي الاستعمار الذي تريده هي بالتحرير وتصدير الديمقراطية، وتسمي المقاومة إرهابا، فوزير الدفاع الأمريكي “ليون بانيتا” الذي سافر إلى العراق شكر الجنود الأمريكيين، لأنهم ساعدوا العراقيين في التحرر من “الديكتاتورية” والتمتع بحلاوة “الديمقراطية” دون أن يتحدث عن الثمن الذي قبضته بلاده مقابل هذه “الهدية الإنسانية”، ولا عن الثمن الذي دفعه العراق بانفجار الهدية بين يديه، والرئيس العراقي المالكي الذي سافر إلى الولايات المتحدة الأمريكية في أغرب علاقة بين مستعمِر ومستعمَر طلب النصيحة والخبرة من الذي نسف تاريخ العراق وأشعل فتيل الفتنة وتسبّب في مقتل مليون عراقي وتيتيم وتشريد وإعاقة الملايين، وخرج بعد أن تأكد أن لا مستقبل للعراق، وإذا كان الغربيون هم أصدق الناس مع شعوبهم، فإنهم في المقابل هم أكذب الناس مع بقية الشعوب، فوزير الدفاع الأمريكي من بغداد بعد أن كذب وهو يتحدث عن تحرير العراق ومساعدة شعب كان تحت نير الديكتاتورية، صدق وعده عندما سلّم لكل جندي عائد إلى بلاده قرابة النصف مليون دولار من ريع الغنائم البترولية التي جنتها الولايات المتحدة الأمريكية من رحلتها الطويلة إلى بلاد الرافدين، وإذا كان العرب هم أكذب الناس مع شعوبهم فإنهم أصدق الناس مع بقية الشعوب، فالمالكي من واشنطن بعد أن صدق وهو يتحدث عن صداقته القوية مع أمريكا، وتعهده بأن يبقى وفيا لها، كذب على العراقيين وهو يقول أن مستقبلهم سيكون أحسن من سنوات النظام البعثي البائد. مصيبة العراق ليست في الاستعمار الذي عمّر تسع سنوات تمكّن فيها من تمزيق البلاد وتركه أشبه بالجثة التي لا روح فيها، وإنما في هذا الإنسحاب الذي لا أحد ابتهج به، وستكون نكتة لو فكّر العراقيون في أن يجعلوا الخامس عشر من ديسمبر عيدا وطنيا يحتفلون فيه باستقلالهم، لأن الواقع يؤكد أن ما حدث في العراق ليس استعمارا جديدا بدأ شكلا وتواصل مضمونا إلى أن تجف آبار النفط، وربما تجف معها أرواح العراقيين الذين اكتشفوا ذات شتاء من عام 2003 أنهم أكراد وعرب وشيعة وسُنة فباشروا تقتيل بعضهم البعض في البصرة والموصل وكربلاء وكردستان ونسوا أن الذي ذكّرهم بهاته الأعراق والمذاهب هو مستعمرهم الذي دخل أمام أنظارهم ويوهمهم الآن بالخروج.
في كل استقلال تحققه الشعوب، الذين يُنزلون علم المستعمر هم المجاهدون والمقاومون، إلا في استقلال العراق، فوزير الدفاع الأمريكي هو الذي أنزل علم بلاده، وفي كل استقلال تحققه الشعوب، الذين يرفعون علم البلاد المستقل هم المجاهدون والمقاومون، إلا في العراق فقد رفعه وزير الدفاع الأمريكي، فهل خرجت فعلا الولايات المتحدة من العراق؟