الرأي

الإسلاميون الجزائريون ينزلون إلى الأرض للوصول إلى السماء!

محمد لعقاب
  • 3756
  • 0

هناك حدثان بارزان يستوقفان المحللين السياسيين بخصوص الأحزاب الإسلامية في الجزائر من أجل استشراف مستقبل هذا التيار السياسي، يتعلق الأول بقرار كل الأحزاب الإسلامية المشاركة في الانتخابات التشريعية المزمع إجراؤها في 4 ماي 2017، أما الثاني فيتعلق بتوحّد الإسلاميين في قطبين سياسيين وكلاهما عبارة عن عودة للحزب الأول أو الحزب الأم.

إن قرار التحالفات فيما بين الإسلاميين أو قرار العودة إلى العش، ثم قرار المشاركة في الانتخابات يعتبر بمثابة نزول من السماء التي كانوا يحلمون فيها في بداية الربيع العربي إلى الأرض التي يعيشون واقعها بعد فشل الربيع العربي. ومن دون شك فإنهم يؤسّسون لحلم جديد هو الحصول على أكبر عدد ممكن من المقاعد في البرلمان من أجل العودة إلى السماء من خلال المشاركة في الحكومة.

حركة التغيير تعود لبيت الطاعة

إن الوحدة التي حدثت بين حركة مجتمع السلم وحركة التغيير تعتبر بمثابة عودة حركة التغيير إلى بيت الطاعة بعد أن خرجت غاضبة من حزبها الأم، لذلك لم يجد الطرفان أي صعوبة في الإبقاء على حركة مجتمع السلم في انتظار اختفاء حركة التغيير، بمعنى حدث ذوبان لحركة التغيير في حركة مجتمع السلم.

لأن حركة التغيير نشأت قبل 4 سنوات تقريبا على يد قياديين سابقين مرموقين في حركة مجتمع السلم منهم عبد المجيد مناصرة رئيس الحركة الذي شغل منصب وزير في وقت سابق.

وقد تم الاتفاق على أن يخوض الحزبان الانتخابات التشريعية القادمة بقوائم موحدة في كل ولاية، لكي يتمكنا من الحصول على أكبر قدر من الأصوات. ويراهن هذا القطب على الفوز بنحو 40 مقعدا في البرلمان القادم، في تناغم مع التحليلات التي تتوقع أن لا يقلّ نصيبهم عن 20  مقعدا في أسوإ الحالات.

كذلك قرّر هذا القطب العودة إلى المشاركة في الحكومة بعد انسحابه منها عام 2012 تحت تأثير الربيع العربي، حيث كانت حركة مجتمع السلم حينها تتوقع أن يمتد الربيع العربي من تونس ومصر إلى الجزائر ليصلوا إلى الحكم في الجزائر كما وصل إليه الإخوان في تونس ومصر. لكن الإصلاحات التي قادها الرئيس بوتفليقة مثل إلغاء حالة الطوارئ، وتعديل الدستور وعديد القوانين ومنح قروض للشباب لإنشاء مؤسسات مصغرة، وغيرها من التدابير، حالت دون حدوث ربيع عربي في الجزائر، فبقي هذا الحزب في المعارضة وعضوا في هيئة التشاور التي يقودها علي بن فليس، وأبان عن مواقف “شرسة” تجاه النظام، قبل أن يعلن عن رغبته في العودة إلى انتهاج أسلوب المشاركة في الحكومة.

فراخ جاب الله تعود إلى العش

إن التحالف الذي نشأ بين حزب العدالة والتنمية وحزب النهضة وحركة البناء، يمكن اعتباره أيضا بمثابة عودة لأصحاب المبادرة إلى الحزب الأم وهو حركة النهضة الذي عرف أزهى أيامه في التسعينيات، قبل أن يحدث له ما يحدث لفراخ العصافير عندما تبدأ في إتقان الطيران، لتخرج من العشّ الواحد تلو الآخر، حيث انقسمت النهضة لتظهر حركة الإصلاح، التي انقسمت هي أيضا على نفسها ليظهر حزب العدالة والتنمية، كما تفرّخت منها أيضا أحزابٌ أخرى مثل الجزائر الجديدة، وهكذا يمكن القول إن الفراخ بدأت تشعر بالحنين إلى العش الأول.

وكان ممكنا لحركة البناء أن تعود إلى حركة مجتمع السلم على اعتبار قادة البناء من الشخصيات البارزة في حركة مجتمع السلم، قبل أن تنسحب منها لتؤسس البناء، وإن فضلت الالتحاق بمؤسس النهضة عبد الله جاب الله، فهذا لا يغيِّر في الأمر شيئا على اعتبار أن الوعاء الإسلامي واحد وإن اختلفوا في بعض التفاصيل.

ويراهن هذا القطب بدوره على الفوز بنحو 40 مقعدا في الانتخابات التشريعية القادمة، بينما يرى المحللون أن حظوظه يمكن أن تتراوح بين 10 و15 مقعدا بسبب تراجع شعبية النهضة لصالح جبهة العدالة والتنمية قبل أن تضعف شعبيتها وكذلك تواضع شعبية حركة البناء لأنها تغترف من نفس وعاء مجتمع السلم.

وتقوم خطة هذا التحالف على خوض غمار الانتخابات التشريعية بقوائم مشتركة بين الأحزاب الثلاثة، وتقوم الأحزاب بجمع التوقيعات من طرف المواطنين بشكل مشترك من أجل تحريك القواعد النضالية، لأن هذا التحالف يبدو أنه متوفر على 4 من المئة في الانتخابات السابقة.

وبعد الانتخابات التشريعية يمكن تحويل هذا التحالف إلى حزب سياسي، على أن يعتمد كحزب سياسي جديد، أو يتم الاندماج في حزب قديم مثل الحزب الأم وهو حركة النهضة مثلا لتفادي اللجوء إلى عقد مؤتمر ثم انتظار الاعتماد من طرف وزارة الداخلية.

محاولات لتوحيد القطبين الإسلاميين 

في سياق ذي صلة، وبعد نجاح عملية إدماج عدة أحزاب إسلامية في قطبين، ما زالت المحاولات متواصلة لإقناع الآخرين بالالتحاق بهذا القطب أو ذاك.

وبالموازاة مع ذلك، كشف أبو جرة سلطاني في برنامج تلفزيوني بثته قناة جزائرية خاصة، أن هناك محاولات أو رغبة في توحيد القطبين الإسلاميين لخوض الانتخابات التشريعية القادمة بقائمة واحدة، حتى تزيد حظوظهم في الفوز بأكبر عدد ممكن من المقاعد في التشريعيات، ليصبح الأمر واضحا أن الإسلاميين الجزائريين قد يخوضون الانتخابات الرئاسية المقررة عام 2019 بمرشح واحد.

دواعي توحّد الإسلاميين الجزائريين

هناك عدة عوامل ساعدت ودفعت الإسلاميين الجزائريين إلى الوحدة والتحالف أو الاندماج أو العودة إلى العش، منها:

1 – تراجع شعبية التيار الإسلامي في الجزائر، ولم يعد خطابهم يمتلك القدرة على تعبئة الجماهير.

2 – فقدان التيار الإسلامي في الجزائر لشخصية كارزمية مثل راشد الغنوشي في تونس منذ رحيل الشيخ نحناح رحمة الله عليه.

3 – لقد تأكد بشكل نهائي لجميع الإسلاميين أن التفرقة التي أصابت هذا التيار وانقسامه بسبب حب الزعامة إلى عدة أحزاب، هي التي قزمت حجمه السياسي في المجلس الشعبي الوطني، وحتى في المجالس الشعبية البلدية والولائية، وبالنتيجة تقلص حجمه في مجلس الأمة إلى درجة الصفر.

4 – تأكد الإخوان بصفة خاصة وكل التيار الإسلامي بصفة عامة أن الربيع العربي الذي راهنوا عليه لن يحدث في الجزائر لعدة أسباب منها الإصلاحات السياسية التي باشرتها الدولة، ومنها التجربة الدموية القاسية مع الإسلاميين في التسعينيات، لذلك قاموا بمراجعات أدت بهم إلى المشاركة في الانتخابات فضلا عن قرار المشاركة في الحكومة وأخيرا قرار الوحدة بين مختلف الأحزاب الإسلامية.

5 – إن الدستور الجديد لعام 2012 يعطي عدة امتيازات للأحزاب الممثلة في البرلمان منها حق إخطار المجلس الدستوري بمدى دستورية القوانين، ويرغب الإسلاميون الجزائريون في الاستفادة من ذلك وممارسة المعارضة من داخل المؤسسات وليس من خارجها.

6 – كذلك ينص دستور 2012 على تعيين رئيس الوزراء بالتشاور مع الأغلبية البرلمانية، ومعنى ذلك أنه كلما كان للإسلاميين مقاعد أكثر في البرلمان كانت لهم الفرصة أكبر للتفاوض على منصب الوزير الأول وعدد الحقائب الوزارية ونوعيتها.

7 – ينص قانون الانتخابات الجديد في المادة 73 على أن الحزب الذي لا يملك نسبة 4 من المئة من الأصوات في الانتخابات السابقة مطالب بجمع توقيعات المواطنين حتى يسمح له بالترشح في الانتخابات اللاحقة. ولأن عملية جمع التوقيعات صعبة ومعقدة ومكلفة ماديا وغير مضمونة النتائج، فقد باتت المشاركة في الانتخابات الحالية خيارا شبه حتمي.

8 – تأثير حركة النهضة التونسية في الإسلاميين الجزائريين حين تقاسمت الحكم بعد “الثورة” في تونس، وتنازلت عن الترشح لرئاسة الجمهورية لحزب نداء تونس بقيادة الباجي قايد السبسي، ثم تخليها عن العمل الدعوي لصالح العمل السياسي الحزبي وترك العمل الدعوي للمجتمع المدني.

9 – فشل تجارب مقاطعة الانتخابات التي اختبرتها عدة أحزاب غير إسلامية في الجزائر، وإسلامية في غير الجزائر، وتأكد للإسلاميين الجزائريين بأن المقاطعة ليست سياسة ناجحة.

10 – لا يمكن إغفال الدور الذي لعبه أبو جرة سلطاني وهو الرئيس السابق لحركة مجتمع السلم ووزير دولة سابق وتقلد حقائب وزارية عدة مرات لإقناع قيادات حركة مجتمع السلم ومجلس الشورى بضرورة التوحّد والمشاركة في الانتخابات والحكومة أيضا.

11 – هناك احتمال تأثير رئيس اللجنة العليا المستقلة لمراقبة الانتخابات عبد الوهاب دربال وهو شخصية إسلامية مؤسس لحركة النهضة على الإسلاميين وحثهم على الوحدة والمشاركة في الانتخابات ومن ثمة في الحكومة القادمة.

12 – تهديد وزير الداخلية نور الدين بدوي بتغيير قانون الأحزاب بعد الانتخابات التشريعية القادمة، إذ سيتمّ حلّ الأحزاب التي لا تشارك في تنشيط الحياة السياسية، بمعنى الأحزاب التي تقاطع الانتخابات.

13 – تأثير المعطيات الجيوسياسية الإقليمية والدولية، حيث لم يعد الجزائريون يقبلون بممارسات سياسية قد تعيد إنتاج الوضع الليبي أو السوري في الجزائر.

استشراف

بناء على ما سبق، يمكن القول إن الساحة السياسية في الجزائر بدأت تتشكل في أقطاب، حيث لا مستقبل للأحزاب الصغيرة، التي أصبحت مطالبة بالاندماج في أحزاب أخرى أو التحالف مع أحزاب أخرى أو تنتظر الإفلاس.

ومنه يمكن القول إن الإسلاميين في الجزائر سيكون لهم حضورٌ واضح في البرلمان القادم بما لا يقل عن 50– 60 مقعدا، ما يؤهلهم لتقلّد حقائب وزارية في الحكومة القادمة.

كذلك، ومن خلال هذه التحالفات سيكون للإسلاميين أيضا مقاعد معتبرة في المجالس الولائية وفي المجالس البلدية، الأمر الذي يؤهِّلهم للفوز ببعض المقاعد في انتخابات مجلس الأمة.

وهكذا من المتوقع أن يضم البرلمان القادم فسيفساء سياسية، ما يعني بالنسبة للدولة توسيع قاعدة المشاركة في الحكم، وتنشيط العمل السياسي داخل البرلمان أكثر فأكثر، الأمر الذي قد ينعكس إيجابيا على إقبال الشباب على العمل السياسي والقضاء على ظاهرة العزوف الانتخابي مستقبلا.

يمكن القول إن الإسلاميين في الجزائر سيكون لهم حضورٌ واضح في البرلمان القادم بما لا يقل عن 50– 60 مقعدا، ما يؤهلهم لتقلّد حقائب وزارية في الحكومة القادمة. 

مقالات ذات صلة