الإسلاميون.. تحالفات انتخابية أم حسابات استراتيجية؟
أيقظ اقتراب موعد الانتخابات التشريعية الرغبة لدى أبناء التيار الإسلامي في البحث عن حلول للخروج من حالة التشرذم التي يعانون منها، وتسببت في تراجع مواقعهم في المشهد السياسي. وكان لافتا في هذا التطور جلوس مؤسس “حركة النهضة التاريخية”، الشيخ عبد الله جاب الله، على طاولة واحدة مع من كانوا وراء إبعاده من قيادة الحركة بطريقة مؤسساتية في عام 1999. المشروع يبدو كما جاء على لسان مهندسيه، أبعد من التحالف على شاكلة “التكتل الأخضر” وهو يلامس اندماج مكونات الحركة التاريخية في كيان واحد، تذوب فيه التسميات وتختفي فيه الزعامات. المشروع لم يصل بعد إلى محطته النهائية، لكنه يسير بخطى ثابتة، كما قيل. فما هي إمكانيات نجاح المشروع؟ ولماذا جاء في هذا الوقت بالذات، وما علاقته باقتراب موعد التشريعيات؟ ولماذا لم يمتد لكبرى الأحزاب الإسلامية، حركة مجتمع السلم؟ هذه الأسئلة وأخرى سيحاول “الملف السياسي” لهذا العدد الخوض فيها.
مخلفات التشرذم تدفع بهم للبحث عن مخارج نجدة
الإسلاميون وحسابات التموقع.. سقطات ترهن مستقبلهم
تتجه حركة النهضة التاريخية (النهضة بطبعتها الحالية، وجبهة العدالة والتنمية التي يرأسها الشيخ عبد الله جاب الله)، للالتئام بعد نحو 17 سنة من الانشقاق والتشرذم، في تجربة تعتبر سابقة إذا عرفت طريقتها للتجسيد. أما كبرى الأحزاب الإسلامية، حركة مجتمع السلم، فتبدو خارج المشروع.
ولم تكن هذه المحاولة هي الأولى، فقد سبقتها محاولة مشابهة في عام 2008، غير أنها توقفت في بدايتها بسبب حسابات الزعامة ومرض النرجسية، اللذان تسببا في الانشقاق الكبير الذي وقع في عام 1999، على خلفية الموقف من دعم العهدة الأولى للرئيس بوتفليقة.
وتكررت المحاولة مرة أخرى في نهاية 2011 وبداية 2012، وتكللت بتحالف ثلاثة أحزاب هي حركة مجتمع السلم وحركة النهضة وحركة الإصلاح الوطني وتخلفت عنه جبهة العدالة والتنمية (حزب جاب الله)، لكن هذا التحالف كان ظرفيا ومرتبطا أساسا بالانتخابات التشريعية التي جرت في عام 2012، وهو ما جعله رهينة، بدليل انفراط عقده وعدم قدرته على الاستمرار.
هاجس من يسعون وراء هذا الاندماج من الإسلاميين، تحركه قراءة مفادها أن النجاح الذي تحقق لنظرائهم في كل من المغرب (حزب العدالة والتنمية)، وتونس (حركة النهضة)، وقبل كل ذلك نجاح تجربة حزب أردوغان في تركيا، لم يكن ليتحقق لولا دخولهم الانتخابات بحزب واحد.
ومن خلال استقراء واقع التيار الإسلامي، يبدو تجسيد هذا الانشغال بعيد المنال، فأبناء هذا التيار الذي خاض أول انتخابات محلية وتشريعية تعددية في عام 1990، تحت راية ثلاثة أحزاب فقط (الجبهة الإسلامية للإنقاذ المحلة، وحركة حماس وحركة النهضة)، يحصون اليوم ما يقارب العشرة أحزاب، وهو معطى يؤشر على صعوبة جمع كل هؤلاء على مشروع سياسي واحد، خلال الانتخابات التشريعية المرتقبة ربيع العام المقبل، في ظل الطموحات والحسابات التي تسيطر على الكثير من إطاراته.
ومما يزيد من صعوبة المهمة، هو عدم تحمس أكبر الأحزاب الإسلامية للمبادرة، فحركة مجتمع السلم سارعت منذ البداية إلى تأكيد عدم انخراطها في التكتل الذي كانت طرفا فيه في 2012، حتى ولو شجعت التحالف على المستوى المحلي، كما قال رئيسها عبد الرزاق مقري، وهي رسالة فهمها من يتقاسم معه المشروع ذاته، بأن “حمس” غير مستعدة للخوض في تجربة مماثلة.
وحتى وإن ذابت جميع الأحزاب المنحدرة من حركة النهضة التاريخية (جبهة العدالة والتنمية، حركة الإصلاح الوطني، جبهة الجزائر الجديدة) وتلك المنحدرة من حركة مجتمع السلم (جبهة التغيير وحركة البناء وتجمع أمل الجزائر “تاج”)، فإن تخلف حزب بحجم “حمس”، سوف لن يعطي للمشروع الوهج المأمول من قبل أبناء هذا التيار، بالنظر لحجم حزب الراحل محفوظ نحناح في المشهد السياسي وخاصة داخل الإسلاميين.
ولم يعد عائق الإسلاميين أمام تموقع أفضل في المشهد السياسي، يتمثل فقط في ظاهرة التشرذم التي لازمتهم منذ الانفتاح السياسي قبل أن تتعقد لاحقا، بل تمتد إلى معوقات وأخطاء أفرزها أداؤهم السياسي، مثل التراكمات التي خلفتها مشاركة حركة مجتمع السلم في الحكومة، والتي امتدت على مدار نحو عقدين من الزمن، وكذا الصراعات التي نشبت بين رموزه.
وقد تسببت العلاقة التي كانت تربط حركة مجتمع السلم بالسلطة قبل 2012، في إسقاط ورقة “نظافة اليد” التي لطالما لعب عليها الإسلاميون في خطابهم السياسي، فقد تبين أن وزراء تقلدوا حقائب وزارية وهم يرتدون عباءة المشروع الإسلامي، لم يختلفوا عن غيرهم من بقية الوزراء المحسوبين على السلطة، بل كانت بعض الأسماء أسوأ منهم، والأمثلة يعرفها الجميع.
ومن شأن هذا المعطى أن يعقد من مأمورية حاملي لواء الدفاع عن المشروع الإسلامي في الاستحقاقات المقبلة حتى ولو دخلوا تحت راية مشروع جديد، لأن عموم الجزائريين، لا يتوفرون على الثقافة والوعي السياسيين اللذان يؤهلانهما للقدرة على التمييز بين الخيارات المعروضة.
الأمين العام لحركة النهضة محمد ذويبي
تحالفنا مفتوح.. وحمس يمكنها الالتحاق متى شاءت

يؤكد الأمين العام لحركة النهضة، محمد ذويبي، في هذا الحوار أن اندماج الحركة مع جبهة العدالة والتنمية عملية مفتوحة، وحركة “حمس” يمكن أن تلتحق بالمشروع إذا توفرت لها الإرادة، كما تحدث عن اتصالات مع أحزاب أخرى على غرار جبهة التغيير وحركة البناء، وشدد على أن التحالف يتعدى الانتخابات، معتبرا الانتخابات التشريعية محطة هامة لتعزيز هذا المشروع.
هل وصل الاندماج بين حركة النهضة وجبهة العدالة والتنمية إلى مرحلته النهائية أم ما يزال على السكة؟
حركة النهضة كانت سباقة للتحالفات السياسية ذات البعد الاستراتيجي، وقمنا بمساع حثيثة في سبيل ذلك، وقناعتنا هي أن العمل السياسي يجب أن يتطور ويتجدد على أساس قاعدتين.
القاعدة الأولى هي تقييم التجربة السابقة منذ التأسيس إلى الانفتاح وإلى ما بعد الانفتاح، أما التجربة الثانية فهي الانطلاق في مرحلة جديدة يكون لها إبداع فكري وسياسي وهيكلي وتنظيمي، من أجل أن تكون التجربة القادمة مميزة تحدد أهداف المرحلة المقبلة وتتجنب إخفاقات الماضي.
ولذلك قمنا بعمل جاد بمنهجية سلمية مع الحرص على النجاح وتجاوز كل العقبات للوصول إلى بناء شامخ. وأشير إلى أن الاندماج الآن هو في بداية الطريق، وقد وضعت أسسه وهو ما يزال يحتاج لجهد وعمل، لكننا مقتنعون بأننا سنصل به إلى النجاح الكامل لتحقيق أهدافه.
برأيكم لماذا نجح الاندماج في 2016 وفشل في 2012 رغم المجهودات التي بذلت؟
تجربة 2012 لم تفشل، بل هي تجربة رائدة أسست لتحالف انتخابي حقق أهدافه على مستوى الكتلة البرلمانية وأهداف التنسيق والعمل أيضا. وأعتقد أن التجربة الناجحة لـ “تكتل الجزائر الخضراء” هي التي أسست وفتحت الباب لمثل هذه المشاريع والتحالفات السياسية.
هناك محاولة أخرى للتحالف والاندماج، فشلت في 2008 وهي بصدد النجاح في 2016 لماذا؟
العمل السياسي تراكمي، ونحن لا نقول إن تجربة 2008 فشلت، بل نعتقد أن النجاح يبنى خطوة خطوة، وكل جهد أو خطوة أو مبادرة في مرحلة ما، ستكون بمثابة ثمرة وأساس لمرحلة قادمة.
لذلك أقول إن أي مبادرة أو خطوة هي رصيد تراكمي يبنى عليه العمل، وخصوصا أن التحالف بيننا هو تحالف سياسي انتخابي يفضي إلى وحدة تنظيمية تعيد الاعتبار للجميع وتجمع الجميع، ولهذا كنا مبادرين في 2008 وفي 2016.
هل يمكن أن نشهد تسمية لكيان جديد، أم أن الأمر يتعلق بمجرد تحالف من أجل الانتخابات التشريعية فقط؟
التحالف والاندماج الذي تكلمنا عنه هو تحالف سياسي ببعد استراتيجي يفضي إلى وحدة تنظيمية يتم تحديدها على أسس متينة. وأؤكد هنا أن التحالف يتعدى الإطار الانتخابي، لكن يجب أن يحقق هذا الاندماج النجاح في مرحلة الانتخابات، وبذلك يكون بمثابة محفز للمراحل القادمة.
هل واجهتم مقاومة داخلية متحفظة على مشروع الاندماج؟
نحن الآن في بداية العمل ولنا من الوسائل لسماع مختلف الآراء وإثراء الموضوع حتى يصل المشروع إلى مبتغاه. وأشير أيضا إلى أن أي عملية سياسية يجب أن لا تكون مغلقة بل يجب أن تكون مفتوحة على كل الآراء، وتوسيع النقاش الذي وفره لنا مجلس الشورى.
برأيكم لماذا تأخرت “حمس” هذه المرة عن مشروع الاندماج؟
“حمس”… العملية لم تغلق إلى الآن وقد تلتحق بالمشروع في أي وقت من الأوقات. وأؤكد على أن تحالفنا ليس ثنائيا فقط بل المشروع مفتوح، ونحن لدينا اتصالات مع أطراف أخرى على غرار حركة البناء وجبهة التغيير، وأيضا كل من له الإرادة لذلك، وأعيد وأؤكد أن التحالف مفتوح.
ونحن في حركة النهضة أكدنا سابقا أن التحالفات تكون موسعة ومتينة من أجل تحقيق الأهداف بعد الانتخابات، والجزائر صارت بحاجة لمشهد سياسي غير الذي نراه اليوم من تضييق، وعائلة سياسية واحدة لا يمكنها تسيير الشأن السياسي الجزائري بتناقضاته وتحدياته.
لخضر بن خلاف الرجل الثاني في حزب جاب الله لـ “الشروق”
الزعامات والأحزاب ستذوب في مشروع الاندماج

يشرح لخضر بن خلاف، القيادي والرجل الثاني في جبهة العدالة والتنمية، التي يرأسها الشيخ عبد الله جاب الله، الأسباب التي شجعت حزبه على الانخراط في مشروع اندماجي مع حركة النهضة، في الوقت الذي تحفظوا قبل خمس سنوات على مشروع مماثل، فيما عرف بـ “تكتل الجزائر الخضراء”. ويؤكد بن خلاف أن هذا التحالف يختلف عن “التكتل الأخضر” في كونه “استراتيجيا” غير مرتبط بالانتخابات التشريعية.
رفضتم تحالفا متشابها في 2012 وقبلتم به في 2016 ما الذي تغير؟
في الحقيقية التحالف الذي عرض علينا في سنة 2012، وعرف حينها بـ “تكتل الجزائر الخضراء” يختلف كثيرا عن التحالف الحالي بين جبهة العدالة والتنمية وحركة النهضة، ورفضنا لذاك التكتل حينها كان لعدة أسباب، من بينها أن الجهة التي كانت ترعى التحالف لم تكن لها الرغبة في أن تكون جبهة العدالة والتنمية ضمن ذلك المشروع، فضلا على كون الجهة المكلفة بالاتصال بالأحزاب السياسية لدعوتها للانضمام في هذا التحالف لم تتصل بجبهة العدالة والتنمية في الوقت المناسب، ولم تخطرها بطبيعة هذا التكتل ولا أهدافه، وهو ما جعل جبهة العدالة والتنمية ترفض الدخول في تحالف غامض بالنسبة لها.
هل يمكن القول إن جاب الله عاد إلى عرينه السابق؟
في البداية يجب أن يعرف الجميع، أن التحالف الذي سيجمع بين جبهة العدالة والتنمية وحركة النهضة ليس وليد اليوم، بل هو عمل قديم بدأ سنة 2008، وتوقف حينها لعدة أسباب، إلا أن المساعي للالتفاف مجددا لم تنته، وكانت أخرها بعد وفاة المرحوم عبد الغفور سعدي، وكانت حينها فرصة بين الإخوان في الحركتين للالتقاء وإعادة فتح الملف والاتفاق على ضرورة أن يكون هذا المسعى جدي، وهذا ما تم بالفعل، لكن ما يجب معرفته هو كون التحالف الاستراتيجي بين النهضة وجبهة العدالة والتنمية ليس له علاقة بالتشريعيات المقبلة، بل هو مشروع قديم ويندرج في إطار تحالف استراتيجي اندماجي جاء تحت تسمية النهضة التاريخية التي تأسست في سنة1974، وبالتالي لا يمكن القول إن جاب الله رجع إلى بيته، وإنما الإخوة والإطارات في الحزب الذين أسسوا معه التنظيمات والأحزاب رجعوا اليوم إلى بعضهم البعض في إطار جديد لمواصلة النضال وتحقيق البرنامج الذي وضعوه مع بعضهم، لذلك فالقضية ليست قضية جاب الله لوحده.
هل يمكن أن يتحول هذا التحالف إلى كيان يذوب فيه كل من حركة النهضة وجبهة العدالة والتنمية؟
بالتأكيد هذا هو المقصد والأساس من طرح فكرة التحالف الاستراتيجي الاندماجي، وهو الوصول لتحقيق التوافق بين الحزبين لمواصلة النضال لتحقيق الأهداف، وبالتالي فالتحالف المعلن عنه، ليس كما يعتبره البعض متعلقا بالتشريعيات والمحليات المقبلة بل هو عمل متواصل، والباب مفتوح أمام الأحزاب الأخرى الراغبة في التحالف الانتخابي كتجربة أولى .
هل هو مفتوح على الأحزاب السياسية الأخرى، وما هي خلفياتها؟
بطبيعية الحال كل الأحزاب السياسية الإسلامية والوطنية مدعوة للالتحاق بهذا المشروع، ولقد تم الاتصال بمجموعة من الأحزاب السياسية على غرار حركة البناء الوطني وجبهة التغيير، ونحن في انتظار موقفهم النهائي، لكن الشيء المؤكد هو أن التحالف مع النهضة قطع أشواطا كبيرة، وهو في مراحله النهائية.
ألا تتخوفون من مشكلة الزعامة والنرجسية التي كثيرا ما أفسدت مشاريع من هذا القبيل؟
نحن نحاول أن نبتعد عن هذا المشكل بقدر المستطاع، وهو ما يتم بالفعل داخل اللجنة المكلفة بتحقيق الاندماج المأمول، فمشكلة الزعامة التي كثيرا ما تسببت في إفشال مشاريع من هذا القبيل، لم تعد مطروحة، لذا نحن نعمل من اجل أن تكون المشاريع المقبلة جادة ولا مجال فيها لزعامات والأنانيات الضيقة التي لا تخدم الحزبين ولا المشروع الذي يدافعان عنه، وفي المؤتمر القادم في جانفي، ستكون فرصة للفصل في جميع الأمور التقنية والتنظيمة، حيث سيتم الاتفاق على اسم الحزب وكذا على القانون الداخلي المنظم والخط السياسي الذي سيتم انتهاجه.