الرأي

الإسلام السياسي وأزمة القيادة؟

عدة فلاحي
  • 2200
  • 0
ح. م

تراوحت كتابات النقد الذاتي التي باشرتها بعض الشخصيات التي كانت تشغل مناصب قيادية في تنظيم الإخوان بين الاعتدال والتطرف وبين الموضوعية النسبية والذاتية المغرقة في بعض الجزئيات والتفاصيل، التي تطغى عليها الخلافات الشخصية والحساسيات التي كثيرا ما يضيق بها صدر الذين يجدون مشقة في تحمل عبء الرسالة، فيهدمون المعبد بما فيه من حسنات مثل صاحب “سر المعبد” الدكتور ثروت الخرباوي.

وهناك بعض الشخصيات التي انشقت عن الإخوان ولكنها بقت  وفية لمرجعيتها وعلى ولائها الفكري دون التقيد بالتنظيم مثل الدكتور المحامي مختار نوح الذي عبر عن مشاعره بالقول إنه لا يمكن أن يمحي ويلغي مساره وذكرياته مع الإخوان بجرة قلم، وهي التي شكلت وجدانه وفكره طيلة 30 سنة من العمر الذي كان أغلبه مرحلة الشباب، ولكن ما يريده هو ثورة تصحيحية تعيد لحركة الإخوان مجدها الذي ضاع بعد المرشد عمر التلمساني الذي كان يعطي الأولوية للفكرة قبل التنظيم، بمعنى خدمة الإسلام والوطن وليس السعي للتموقع في مناصب المسؤولية، كما وأن التلمساني رحمه الله كان يعطي الأولوية للكفاءة قبل الثقة، وهذا للأسف الذي تخلت عنه التيارات الإسلامية بما فيها تلك التي تنشط بالجزائر والتي أضحت تضيق ضرعا بأصحاب الأفكار الحرة والتي لا تخضع بسهولة لقاعدة السمع والطاعة التي تجاوزها الزمن وبالخصوص في العمل السياسي القابل للصواب والخطأ.

لقد توجه الأستاذ نوح ومجموعة من الإخوان الذين يتقاسمون معه نفس الرؤية إلى القيادة الحالية للإخوان بعدة رسائل واضحة ومباشرة وهي التنحي من مناصب المسؤولية القيادية وترك الفرصة للأجيال الجديدة، وبالعودة إلى فقه العمل الجماعي المفتوح الذي كان في عهد التلمساني، ويرى الأستاذ نوح بأن القيادة الحالية تمثل (الجماعة القطبية المتطرفة) وهم الذين أدوا بالجماعة إلى الهاوية وبالتالي يجب أن ترحل ولكن موقف القيادي المنشق ونائب المرشد العام السابق الدكتور محب حبيب يذهب أبعد من ذلك في تشخيصه لأزمة الإخوان، وهذا عندما يقول بأن سبب التدهور هو تراجع منظومة القيم الأخلاقية والإسلامية والإنسانية للجماعة، ومن مظاهر ذلك كما قالالكذب والغشومثل هكذا انحرافات مست بمصداقية إخوان مصر كنموذج وكقدوة لدى التنظيمات الإخوانية في العالم وبالخصوص  إخفاق الإخوان في الاحتفاظ بالسلطة بعدما تولى مقاليدها الدكتور محمد مرسي..، وأمام هذه اللحظة التاريخية الصادمة كان لا بد من طرح التساؤلات التي كانت ربما من قبل محرمة وفي مقدمتهاأين الخلل؟ولكن للأسف التفسيرات التي قدمتها قيادة الإخوان كانت كسابقاتها وسوّقت لنظرية المؤامرة ومن أن التحالف العدائي ضد الإخوان وضد الإسلام هو السبب وإن كان ظاهرا لكل متتبع كيف تآمرت السلفية الوهابية بأمر من السعودية ضد الإخوان لدرجة تكفيرهم، فتحول الأخ إلى عدو لحسابات سياسية مبنية على الهيمنة وعلى ضرورة بسط سيادة السلفية على الجميع.

إن اهتمامنا بحاضر ومستقبل الإخوان نابع من أننا تربينا  خلال غياب المرجعية الدينية الوطنية في فترة خلت، على أدبياتها ومنهجها الوسطي المعتدل الذي يعمل على توحيد كلمة الأمة مهما كانت اختلافاتها الفكرية والمذهبية مع إيماننا بأن هذا المنهج ليس مثاليا مثله مثل غيره مادام من وضع البشر، كما وأنه لا يجب الخلط بين المدرسة وبعض الأخطاء التي يرتكبها التنظيم أثناء الممارسة السياسية والتعاطي مع الأحداث والنوازل بشرط عدم إسقاط مبدأ المحاسبة، قلت هذا الاهتمام دفعني لمراجعة مذكرات الدكتور محمد حبيب التي نشرها شهر فبراير من سنة 2015 والتي عرج فيها موضحا أسباب خروجه من الإخوان، ولكن أخطر ما في الأمر هو قوله بأنه تعرض لتهديدات من الإخوان إن هو عمل على نشر هذه المذكرات التي وجدتها في الحقيقة خالية من أي أسرار تستوجب التهديد وإنما هي انطباعات وأفكار لشخصية قضت أكثر من أربعة عقود في تنظيم الإخوان الذي شهد انشقاقات متعددة ولشخصيات ثقيلة مثل الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح الذي سبق وأن نشر مذكراته سنة 2009 بعنوانشاهد على تاريخ الحركة الإسلامية في مصرموضحا بأن الإخوان حسموا مسألة التكفير في وقت مبكر، بخلاف السلفيين الذين يتساهلون في هذا الأمر الخطير وبالخصوص مع مخاليفهم كما ظهر ذلك مثلا من خلال تبرير مراجعهم لعاصفة الحزم المدمرة لليمن واليمنيين، معتبرين هذه الحرب جهادا ضد البغاة

عودة إلى مذكرات محمد حبيب الذي شخص داء الإخوان في القضايا الأخلاقية والإنسانية التي كانت تتعارض وقيم الإسلام وفي الأداء البيروقراطي وسوء التسيير في عهد المرشد مهدي عاكف الذي قال عنه بأنه كان شديد الانفعال  بعيدا عن ثقافة الحوار وكانت قراراته غير مدروسة، ويغلب عليه الصدام لدرجة الاستفزاز الذي  أضر بالجماعة وبرصيدها، وهذا ما نسجله نحن كذلك على القيادات الدينية بالجزائر، وعليه أتوقف عند هذه السلبيات والعلل التي أشار إليها صاحب المذكرات لألخصها في البنود التالية :

أولا: أنه لم يكن بالإمكان مناقشة أو معارضة المرشد العام الذي لم يكن في مستوى القيادة وهذا ما دفع بحبيب للاستقالة من منصبه كنائب للمرشد قبل انشقاقه كلية من التنظيم فيما بعد بتاريخ 13 جويلية 2011.

ثانيا: أن الانتخابات البرلمانية التي فاز فيها الإخوان بـ 88 مقعدا كانت نتيجة صفقة وتفاهمات ولقاءات تمت بين الجماعة والأجهزة الأمنية المكلفة في عهد حسني مبارك، ومن خلال ذلك يبدو أن منطق وحساباتالكوطةعندنا بالجزائر  هو ممارسة توافق عليها الإسلاميون مع النظام وهم بذلك يقبلون بالسكوت على التزوير إذا كان لصالحهم ويحقق لهم بعض المكاسب وبالخصوص حركةحمس“.

ثالثا: أن الإخوان يصرخون ويستغيثون بالأحزاب والقوى السياسية حينما يضيق النظام الحاكم عليهم ويطاردهم ويلاحقهم ولكن إذا أقبلت عليهم الدنيا، أعطوا ظهورهم للجميع، وهذا للأسف سلوك يمارس عندنا كذلك بالجزائر.

رابعا: أنه لما نقل صاحب المذكرات سنة 2009 للمرشد العام السابق مهدي عاكف، التقرير السلبي حول ما وجد عليه حال شعب ومناطق الإخوان بالجمهورية والتي تستدعي التغيير في طريقة التفكير وإدارة الأمور، ومن هذه المسائل: “انعدام الروح، فقدان الهمة، بيروقراطية الأداء، الاستغراق في اللقاءات الإدارية، غياب الابتكار والإبداع، سطحية التفكير،….لم يلفت إليها المرشد ووضعها في الدرج

خامسا: أن قيادة عاكف للإخوان كانت كارثية وانتقال القيادة إلى خلفه بديع لم تكن بالوضوح والشفافية المطلوبة ومن أن التنظيم انحرف عن الخطالبنينسبة إلى الشيخ البنا، وسقط في يد القطبيين وهذه النتيجة هي التي عجلت بسقوط الإخوان.

سادسا: يختم الدكتور حبيب مذكراته بأن الخطيئة الكبرى التي وقعت فيها الجماعة هي أنها لا تعترف بأخطائها، مضيفا بأنه عادة لا تظهر هذه الآفات في فترات الاستضعاف التي تمر بها الجماعة، حيث تظهر قدرا كبيرا من السماحة واللين والرغبة في التعاون مع الآخرين.. والعكس حين تمتلك القوة والسلطة، ولله في خلقه شؤون…”، وهذه مسألة نشارك فيها حبيب لأن أوضاعنا بالجزائر وللأسف يصدق عليها هذا الوصف وكلما ذكرنا ذلك إلا قوبلنا بشتى التهم والقذائف من أناس يدعون الورع والحمية للمشروع الإسلامي الذي يتاجرون به، مستخدمين ضد من يخالفهم الرأي الأسلحة المشروعة وغير المشروعة وبالتأكيد هذا ما دفع بالدكتور حبيب إلى تحذير القارئ بالقولأخي القارئ أرجو ألا تغتر كثيرا بما قد تقع عليه عيناك أحيانا.. لا تغتر بالعيون الدامعة، أو الجفون المسبلة، أو الأكف المرتعشة، أو الأصوات المتهدجة أو الدعوات المتضرعة، فلا يدري أحد كنه ما تحوي القلوب..” نعم التدين أضحى مغشوشا لدرجة أننا أصبحنا ملزمين بالاعتذار لكارل ماركس الذي ظلمناه في تفسيرنا لمقولته الشهيرةالدين أفيون الشعوب“.

مقالات ذات صلة