-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

الإصلاحات التي نريد

بشير مصيطفى
  • 2306
  • 0
الإصلاحات التي نريد

تدحرجت كرة الثلج في صحراء العرب ـ مثلما توقعنا ـ حتى لامست الجزائر عندما أعلن رئيس الجمهورية بمناسبة ذكرى عيد النصر 19 مارس عن إصلاحات جذرية ستطال قطاعات عدة في البلاد.

  • وتساءل المتتبعون للشأن الجزائري عن فحوى تلك الاصلاحات وانقسموا الى فريقين: الأول توقع أن تكون مجرد تلميع لصورة نظام قائم من خلال اجراءات اقتصادية واجتماعية كالتي اتخذت لحد الساعة، وبالتالي لا ترقى الى مستوى الاصلاحات الثورية التي شهدتها كل من تونس ومصر وتشهد تباشيرها كل من اليمن وليبيا وسوريا. وفريق يتوقع تغييرا حقيقيا في فحوى الدستور والسياسات والمؤسسات ولكن بمعالجة تختلف عن الصدمة وتميل الى التدرج.
  • وسرعان ما تلقفت جهات سياسية رسالة الرئيس الأخيرة فإذا بها تنتفض على قناعات سابقة ما انفكت تلوح بها مثل التعديل الجزئي الذي مس الدستور مؤخرا، وربما تستمر تلك الجهات في مزيد من الثورة على قناعاتها الفكرية والايديولوجية كلما أبرق النظام السياسي الفعلي في الجزائر برسائل أخرى في اتجاه التغيير الملموس. فماذا يعني أن تغير الطبقة السياسية من قناعاتها؟ وهل صارت قناعاتها الجديدة تعبيرا عن آمال الطبقة الصامتة؟ وما هي الاصلاحات الجذرية المطلوبة والتي تشكل ساحة إجماع قوي على قناعات أخرى لا رجوع عنها.
  • عثرات الطبقة السياسية
  • فهمت الطبقة السياسة أداءها على مسارين اثنين: الأول، الدعم غير المشروط لجميع مخرجات النظام الفعلي من إصلاحات وسياسات وبرامج وأفكار وقرارات تدعمها في ذلك وسائل صناعة الرأي العام الثقيلة وتعبر عنها المجالس المنتخبة التي وجدت نفسها أمام حتمية المصادقة على جل ما تقترحه الحكومة من قوانين وتدابير. والثاني، الرفض الشامل والكامل لكل ما يصدر عن ذلك النظام من خطابات وخطوات على الأرض حتى وصفت بالمعارضة الراديكالية وحرمت أدوات الترويج لمواقفها من تنظيمات سياسية أو جمعوية. وبين المسارين وقفت طبقة عريضة من الشعب تغازل الصمت، لأنها لم تجد في هذا النوع من الأداء السياسي أي تعبير اجتماعي مقنع. وصدق صمت الطبقة العريضة عندما وجدنا المسار الأول يتراجع عن قناعته بجدوى التغيير الدستوري الأخير في فترة لم تتعد السنتين، أما المسار الثاني فما زال في كل مرة يرمي بعبارات الرفض الشعبي حتى صار نكتة يتندر بها المواطنون ويتفرج عليها واضعو السياسات. واستمر الفراغ السياسي في جانب المعارضة الايجابية ليطال النخبة ذاتها، والتي لم تعد ترى في الممارسة السياسية سوى حلا سياسويا لمكبوتات اجتماعية وتاريخية واستخداما براغماتيا للآلة الحزبية من أجل تحقيق منافع لا تختلف كثيرا عن المنافع التي ما زالت تحققها مجموعات أخرى توصف بالمجموعات الحاكمة أو النافذة. وفي كلتا الحالتين وضمن تجربة التعددية والديمقراطية الفتية في الجزائر خسرت الطبقة السياسية فرصا شعبية كاملة ما دامت تفتقد الى أدوات الانتشار الرئيسة والتي هي: الخطاب المعبر عن الأنا الحقيقي للأمة، البرنامج المتضمن أجوبة مقنعة عن أسئلة الناس والقدوة السياسية التي تمنح القيادة الحزبية تميزا يستقطب قلوب السكان وانتباههم.
  •  حقيقة، فهمت الطبقة المعارضةُ المعارضةَ على غير الفهم الذي تبناه الطرح الموضوعي في الفكر الاسلامي، حيث دلت الأحاديث الى أن جبريل عليه السلام كان يعارض النبي صلى الله عليه وسلم القرآن أي يسمع تلاوته ويتممها إن كانت فيها أخطاء محتملة، فلا هي إذن موافقة بدون شروط ولا هي رفض بدون دواع.
  •  
  • فراغات البناء النخبوي
  • وسرعان ما امتد الفراغ في الدورة السياسية المحركة للرأي العام الى النخبة المثقفة التي تنازلت عن أسباب تنظمها حول أفكار ونظريات محددة لصالح التشتت غير المفهوم، وانقسمت الطبقة المفكرة حول مفردات لا تسمن ولا تغني من جوع مثل: اللغة، التعايش، الاديولوجيا، الالتزام الديني، التراث، الحداثة وما بعد الحداثة، مشروع المجتمع، النص وقراءة النص. وانقسمت النخبة على نفسها الى درجة الغياب ثم التلاشي وسط مجتمع مل من السؤال دون أن يجد الجواب.
  • ورافعت بعض النخبة عن نفسها باتهام السلطة أنها عملت على تفكيكها وباتهام النظام الفعلي أنه عمل على تشتيتها وحرمانها من أدوات تشكيل الرأي وإمكانيات صناعة القرار، وقد يكون لها في ذلك بعض الصواب، لأن أي نظام سياسي مبني على الشرعية التاريخية لا يستوعب قوى نخبوية من خارج تلك الشرعية نفسها بل يعادي أي تكوين نخبوي قد يشكل في المستقبل خطرا على مصالح يرى أنها مصالح مشروعة ومقبولة تاريخيا واجتماعيا. ولكن القابلية للتفكيك والتشتيت تبقى هي الورقة الرابحة والضاغطة في يد نظام سياسي تلك هي طبيعته.
  • وأمام طبقة سياسية فارغة من أي محتوى اجتماعي وطبقة نخبوية مفككة، تجد السلطة السياسية ذاتها في فراغ قاتل عندما يتعلق الأمر بثورة محتملة أو بمطالب ملحة تستدعي سياسات جديدة ورؤى أخرى في معالجة الأزمات. فراغ يقتضي تضامن الجميع: سلطة ومعارضة ونخبة، لصالح حلول جذرية توفر الحريات، تؤمن الحقوق وتحقق الانسجام السياسي المطلوب. وغير ذلك إعطاء فرصة للعلبة السوداء في مشروع الثورة كي تعبر عن نفسها، ولكن ضمن نسيج سياسي غير منسجم ووعي ثوري غير مكتمل التنظيم، مما قد يدفع بالأمور الى المجهول.
  • المطلوب استعجالا
  • تنتعش بذور الثورة كلما تمادت السلط الحاكمة في اللامبالاة أو تباطأت في معالجة أسئلة الشعوب، وكلما كانت الطبقة الصامتة واسعة التجذر في صفوف الفئات النشطة كالشباب مثلا كانت استجابة الشارع سريعة وفعالة عند اندلاع الشرارات الأولى للاحتجاجات واسعة النطاق.
  • صحيح أن للنظام الجزائري ميزات متقدمة نسبيا -عربيا- على سلم الديمقراطية والحريات وتوزيع الثروة، والانفاق على حاجات السكان وتحقيق انجازات كبرى على الأرض لا ينكرها إلا متنطع لا يريد أن يرى، ولكن ما تحقق لحد الآن من انجازات لا يلتقي مع الطموحات المشتركة بين فئات خاصة من المجتمع هي فئة الشباب. الأمر يتعلق بالمشاركة السياسية حيث لا يزال جيل الاستقلال بعيدا عن ممارسة الحكم تحت طائلة الشرعية التاريخية بعد مضي قرابة نصف قرن من تاريخ الاستقلال السياسي للبلاد، وبالمشاركة الاقتصادية حيث ما زالت فئات واسعة من الشعب خارج النسيج الانتاجي وبعيدا عن دوائر تحقيق التراكم الرأسمالي، وبالمصالحة مع الثقافة الوطنية حيث لا يزال الجميع يرى لغته الأم مهمشة في دوائر القرار ولغة المستعمر هي السيدة المفضلة، شعب برمته يتطلع الى توظيف الاسلام ضمن البدائل التنموية المتاحة، خاصة وأن هذا الجميع نفسه يتابع المركز الرأسمالي وهو يقترب من التطبيقات الاسلامية في مجال التمويل وإدارة المشاريع والتداول على الأسهم والأوراق المالية. وفي جانب الممارسة السياسية لا يزال الباب مغلقا أمام إطلاق المبادرات الجمعوية وتشكيل الرأي الحزبي دون قيود.
  • لن تخسر السلطة شيئا إن هي حررت المجال السياسي وأطلقت الحريات المكبوتة وأغنت المشهد الاعلامي وحاربت الفساد بكل فعالية، بل سيتعزز موقعها داخليا وخارجيا لأنها ستصير أمام مشهد سياسي جديد يساعدها على امتصاص الصدمات، وسترى سريعا أنها تشارك في قيادة مجتمع مفعم بالأفكار الايجابية والمبادرات البناءة في اتجاه واحد هو تنمية الموارد المتاحة وتحقيق الانسجام بين السلطة والشعب، انسجام ما زال منذ الاستقلال يبحث عن نفسه كالجوهرة المفقودة في الرواية البريطانية الشهيرة.
أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!