الإضراب يحدث فتنة بين أصحاب المآزر البيضاء
الممرض عوض الطبيب والمواطن تحوّل إلى مسعِف، وخلاف حاد بين الأطباء حول ضمان الحد الأدنى من الخدمات، أمام حشود المرضى الذين أغلقت في وجوههم أبواب المصالح الطبية التي تزينت بمختلف شعارات ولافتات الإضراب، مما تسبب في جدل كبير واحتقان بين الأطباء والممرضين حول أولوية التدخل في الحالات المستعجلة، وضرورة استقبال المرضى القادمين من ولايات بعيدة والقيام بالتحاليل الضرورية، فمن الأطباء من رفض العمل وأدار ظهره للمرضى بحجة الإضراب، ومنهم من قام بواجبه في إسعاف واستقبال المرضى، مما تسبب في فتنة بين أصحاب المآزر البيضاء حول مدى الالتزام بالإضراب.
ممرض يستقبل المرضى وطبيب يرفض علاجهم، وآخر يتدخل في آخر لحظة بسبب “المعريفة”، هذا ما عاشته أمس، مختلف المصالح الطبية بمستشفى مصطفى باشا، التي شهدت صراعات ومناوشات بين أولياء المرضى وأصحاب المآزر البيضاء بسبب الإضراب الذي تحول إلى معاناة حقيقية لآلاف المرضى الذين قصدوا المستشفى من مناطق بعيدة وفي أجواء مناخية متقلبة، فلم يجدوا من يستقبلهم ويوجههم مما جعل المرضى يشرعون في رحلة للبحث عن “المعريفة” واستعمال الهاتف للاتصال بالأقارب والمعارف من أجل العلاج، ما جعل بعض الأطباء والممرضين ينسحبون من الإضراب لإسعاف المرضى وإجراء التحاليل الطبية الضرورية، وهذا ما لم يعجب بعض المضربين الذين أعابوا على أصدقائهم عدم الالتزام بالإضراب المقرر لثلاثة أيام، ما تسبب في مناوشات بين الأطباء والممرضين، فمنهم من اعتبر صحة المريض أهم من الإضراب، والبعض الآخر فضّل الالتزام بالاحتجاج والتوقف عن العمل مهما كانت الظروف، ويبقى المواطن هو الضحية في ظل الفوضى العارمة التي ميّزت مختلف المستشفيات الكبرى التي افترش فيها المرضى الطرقات بعدما أغلقت أبواب المصالح الطبية في وجوههم، فيما تجمّع الأطباء في جماعات يدردشون ويتبادلون أطراف الحديث حول مدى الاستجابة للإضراب والمصالح المادية التي ستتحقق، وبجوارهم مرضى ينتظرون من يعالجهم.
فضيحة لن ينساها المرضى
ما حدث في مركز “بيار ماري كوري” لعلاج السرطان بمستشفى مصطفى باشا، خلال أيام الإضراب كان فضيحة بكل المقاييس، لأن الأمر تعلق بمرضى حالتهم لا يمكنهما الانتظار، فالمركز الذي يقصده المرضى من جميع ولايات الوطن تزيَّن أمس الأول، بشعارات بيضاء كبيرة علقت في مدخله مكتوب عليها “المركز في إضراب”، وهذا ما اعتبره المرضى طردا غير مباشر لهم من المصلحة التي بدت شبه خاوية بعدما عاد الكثير من المرضى أدراجهم منذ الساعات الأولى من الصباح، ومن المرضى من وجدناهم جالسين أمام المركز في انتظار من يستقبلهم من أطباء وممرضين قرروا الخروج عن الصف لضمان الحد الأدنى من الخدمات، وهذا ما حدث فعلا لبعض الحالات المستعصية التي اُستقبلت في المركز لإجراء الفحوص الضرورية، وهذا ما لم يُعجب بعض الأطباء الذين كانون مصطفين بمآزرهم البيضاء على مدخل المركز يراقبون من يدخل ويخرج.
والجدير بالذكر أن معظم المرضى الذين تم إسعافهم من أصحاب “المعريفة”، وبالنسبة للمرضى البسطاء فقد اضطروا للجلوس لساعات طويلة ثم عادوا أدراجهم، ومن المرضى الذين تحدثنا إليهم امرأة في العقد الخامس من العمر قصدت المركز لإجراء حصة علاج كيميائي بعد سنة من الانتظار فصرحت قائلة: “قالت لي الممرضة نحن في إضراب عودي الأسبوع المقبل، وهذا ما جعلني أغضب كثيرا وأدعو عليها وأصرخ، ما جعل طبيبا يطلب مني الانتظار من أجل القيام بالعلاج الكيميائي وأنا انتظر هنا منذ ثلاثة ساعات، وكشفت أن الكثير من المرضى عادوا إلى بيوتهم بسبب الأمطار”، بينما أكد مريض آخر أنه تشاجر مع طبيب رفض استقباله بحجة الإضراب خاصة وأنه قدم من ولاية بجاية وحالته متدهورة جدا، مما جعله يتصل ببعض معارفه من أجل الوساطة وهو ينتظر الرد”.
مصلحتان تكسران الإضراب
على عكس مصلحة مرضى السرطان التي علقت لافتات الإضراب، وامتنع فيها أغلب الأطباء عن العمل، فتحت مصلحة أمراض القلب أبوابها للمرضى لإجراء تحاليل الدم الدورية واستقبال الحالات المستعجلة، وهذا ما تسبب في خلاف بين الأطباء والممرضين، حيث أكدت لنا إحدى الممرضات أنها تشاجرت مع زميلاتها اللواتي رفضن العمل، وقالت لهن “أنا لا أعترف بالإضراب الذي يقتل المرضى” مما جعلها تتفق مع أحد الأطباء على استقبال المرضى الذين لهم مواعيد طبية مسبقة، خاصة بالنسبة لكبار السن والمصابين بالأمراض المزمنة، وعلى غرار مصلحة الأمراض القلبية استقبلت مصلحة السكري، المرضى لإجراء التحاليل الدورية وهذا بعد إصرار المرضى على رؤية الطبيب لتمكينهم من اقتناء الدواء، ولدى حديثنا مع أحد الأطباء في المصلحة قال “أنا مع الإضراب الذي يحقق مصلحة الطبيب والممرض دون الإضرار بالمريض، ولكن عندما يتعلق الأمر برفض استقبال وعلاج المريض بحجة الإضراب، فهذا الأمر غير مقبول على الاطلاق”، وأكد أنه قرر بالتعاون مع بعض الممرضين استقبال المرضى الذين يملكون مواعيد طبية، وبالنسبة أيضا للذين يعانون من حالات مستعجلة خاصة لمرضى القدم السكرية الذين لا تتطلب حالتهم الانتظار”، وتجدر الإشارة إلى أن الجدل بين الأطباء حول مدى تطبيق الإضراب وضمان الحد الأدنى من الخدمات، مسّ أغلب المصالح الطبية التي شهدت مناوشات كلامية بين الممرضين والأطباء فيما يتعلق بأولوية استقبال المرضى، خاصة أصحاب المواعيد الطبية والحالات المستعجلة.
عندما يتحول المواطن إلى مسعف
مصلحة الاستعجالات هي المصلحة الوحيدة في مستشفى مصطفى باشا، التي لم يحدث فيها جدلٌ بين الأطباء حول ضرورة استقبال المرضى، لأن الأمر يتعلق بحالات تتأرجح بين الحياة والموت، لكن هذه المصلحة في الأيام العادية تعرف فوضى واستقبالا كارثيا للمرضى الذين يضطرون إلى التنقل بين المصلحة القديمة والجديدة لرؤية الطبيب، وأحيانا يتم تحويلُهم إلى مصالح تبعد بأكثر من 100 متر يكون فيها المريض مرغما على قطعها مشيا على الأقدام، يجعل أهل المريض يقومون بدور المسعِف في جلب سرير متحرك ووضع المريض فوقه والتنقل به من مصلحة إلى أخرى، والغريب في الأمر أن يتحول المريض في هذه المصلحة إلى فأر تجارب بين أيدي طلبة الطب، الذين عادة ما يخطئون في التشخيص مما يتسبب في عواقب وخيمة، ومع إضراب الأطباء وجد الطلبة أنفسهم وجها لوجه في استقبال المرضى، ومع غياب أجهزة التخصيص الضرورية في قاعات العلاج يضطر طلبة الطب إلى الاجتهاد في تشخيص حالة المريض، وكأن الأمر متعلق بامتحان تطبيقي يتعلق بحياة الناس.
أطباء يتخلون عن الإضراب
مع الاتهامات المتزايدة للأطباء من طرف جمعيات الأمراض المزمنة، التي هددت باللجوء إلى المحاكم بسبب تخلي الأطباء عن إنسانيتهم وواجبهم في إسعاف وعلاج المرضى، يتزايد عدد الأطباء الذين قرروا الانسحاب من الإضراب بحجّة ضمان الحد الأدنى من الخدمات، هذا ما شهدناه في مختلف المصالح الطبية بمستشفى مصطفى باشا، والتي رفض فيها أطباءٌ علاج المرضى بحجة “التقيّد بالإضراب”، في حين تعاطف آخرون من المرضى وقاموا بواجبهم على أكمل وجه، رغم الانتقادات وتهمة “الخروج عن الصف” التي باتت تلاحق بعض الأطباء الذين تحركت قلوبهم أمام معاناة المرضى، وفي هذا الإطار أكد أحد الأطباء الذين تحدثنا إليهم بمركز علاج السرطان “لا يمكن لأي أحد أن يمنع طبيبا من أداء واجبه، لكن بعض الذهنيات تعتبر أداء الواجب خروجا عن الصف وعدم الامتثال لمطالب النقابة، وهذا ما جعل الكثير من الأطباء يدخلون في الإضراب مرغمين، من أجل تحقيق المصلحة العليا، لكن هناك من الممرضين والأطباء من يملكون ضمائر حيّة جعلت من المريض المصلحة العليا التي لا يمكن أن تتعداها أي مصلحة.