الإعلام الديني وحبل المشنقة!
خلال المؤتمر العالمي الثاني لمكافحة الإرهاب المنعقد سنة 2014 بالمدينة المنورة، قدم السيد عبد المنعم بن سليمان المشوح، رئيس “حملة السكينة”، وهو موقع إلكتروني يهتم برصد ظاهرة التكفير والغلوّ ويحاول علاجها بعد معرفة أسبابها ودوافعها ويطرح البدائل المتمثلة في قيم الوسطية والاعتدال والتسامح… ورقة أوضح فيها الجهود التي قام بها “موقع السكينة” لتحقيق الأمن الفكري والديني، والحوارات والنقاشات التي أجراها مع المغرّر بهم، والنتائج الإيجابية التي توصل إليها، وبالخصوص حينما تراجع العديد من المتطرفين عن أفكارهم وقناعاتهم السابقة.
وأوصى رئيس المركز في ختام ورقته بضرورة الالتفات إلى الإرهاب الالكتروني، وكيفية وواجب محاربته وذلك بتكوين إطارات وكوادر يكون باستطاعتها التعامل مع هذه الوسيلة الخطيرة العابرة للحدود والعصيّة على المراقبة، وهذه الظاهرة الخطيرة والحساسة (الجهاد الإعلامي) سبق وأن نبّهتُ إليها منذ أربع سنوات خلت، حيث تطرقتُ إليها حينما كنت مستشارا إعلاميا بوزارة الشؤون الدينية، وكتبت بشأنها مقالا بعنوان “الإرهابيون الجدُد“، وهو قراءة لكتاب الباحث الأمني الفرنسي فرنسوا ڤيدار الذي حذر من ميلاد جيل جديد من الإرهابيين الذين أجادوا وأتقنوا تكنولوجيا الإعلام للترويج لأفكارهم والتجنيد لها وهم جلوس وراء الكمبيوتر، عابرون كل الحدود.
ومن باب المسؤولية الأمنية، طرحت هذا الملف للنقاش بالوزارة حتى يُعطى للخلية حقها من الرعاية القانونية والتشريعية والمادية والبشرية.. ولكن لم يكن الاستشعار بالخطر القادم الذي نعيشه اليوم بالشكل الذي يحرّك من بيدهم زمام الأمور. واليوم، وبعد تضييع الكثير من الوقت والجهد، يطالبون، خلال أشغال الملتقى الدولي للإعلام الديني المنعقد الأسبوع الماضي بمستغانم، الصحفيين بالتجنّد لمواجهة القنوات المذهبية والعقائدية!
مرت سنة من عمر النقاشات والتوصيات التي شهد أشغالها مؤتمر مكافحة الإرهاب، كما كانت قبله وبعده عدة مؤتمرات دولية وإقليمية وحتى وطنية، والسؤال: ماذا تحقق في الميدان من تلك التوصيات واللقاءات والاجتماعات وظاهرة الإرهاب والتطرف في تصاعد مستمر، وقد جاءت (داعش) كتتويج لهذه الظاهرة السرطانية، مما دفع وبكل صراحة الباحث السعودي وصاحب كتاب “خطورة الإرهاب ومسؤولية الفكر” السيد سليمان بن محمد العمري إلى الاعتراف بالقول “المؤسسات الدينية عاجزة عن مواجهة الإرهاب لجهلها باستخدام أسلحته الجديدة“؟ ومادام الأمر كذلك، ما هي أهمية هذه المؤتمرات والأبحاث والدراسات؟ وهل عندما يشدّد المؤتمر في بيانه على ضرورة مراجعة البرامج والمناهج التربوية والتعليمية والخطاب الديني بما يحقق المنهج الوسطي والاعتدال، وعلى حل النزاعات في المجتمعات الإسلامية بالطرق والأساليب السلمية وفق كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، يمكن لنا الخروج بكل بساطة من الأزمة المعقدة التي نتخبط فيها؟ وما مدى استعداد الدول المشارِكة في المؤتمر بما فيها الجزائر الالتزام بهذه التوصيات وهناك من هو في مؤسساتنا من ينظر للإعلام على أنه مجرد عجلة احتياطية تستخدم للنجدة وفقط، كما قلتُ للوزير السابق غلام الله في جلسة عمل كانت مخصصة للحديث حول ملفات القطاع المختلفة وكيفية تحسين أدائها لمواجهة التحديات؟
إذا أخذنا بتعريف الأستاذ محمد الهماش للأمن الفكري على أنه “هو شعور الدولة والمواطنين باستقرار القيم والمعارف والمصالح محل الحماية بالمجتمع، ووحدة السلوك الفردي والجماعي في تطبيقها والتصدي لكل من يعبث بها..”، فإننا بذلك يمكن القول بأن بعض مؤسسات الدولة أضحت مهددة من أصحابها ورجالها الذين من المفترض عليهم حمايتها من الفساد والمفسدين ومن سوء التسيير والعبث، وبالتالي لا يمكن تحقيق الأمن الاستراتيجي بكل تفرعاته ما لم تعالج المشكلة من أساسها وتطبيق قاعدة “الرجل المناسب في المكان المناسب” بكل صرامة وشفافية مع مراعاة الكفاءة قبل منطق الولاء، وإلا وقعنا في الفوضى التي يحاول الأجنبي استغلالها لصالحه كما حدث في بلاد الشام والعراق التي غابت فيها مظاهر الدولة، وتحوّلت إلى ساحة تجارب ومنطقة صالحة للاستثمار الرخيص.
وفي ظل هذا المشهد الدرامي، لا يمكن لنا إلا الاعتراف بحق أن العالم الغربي قد استطاع، حتى يخفض من تكلفة خسائره، أن يحوّل مفهوم صراع الحضارات أو الديانات أو الثقافات إلى حرب طائفية مذهبية داخل المجموعة الإسلامية الواحدة وبذلك حقق إستراتيجية التآكل الحضاري والديني بين المسلمين في إطار مذهبي سني – شيعي، أو على مستوى الجماعات المتطرفة فيما بينها سني– سني، بالخصوص والتي تشبّعت بثقافة التكفير والقتل، وهذا يعكس بحق مدى الأمية الدينية التي نعاني منها، فتحول الدين للأسف من فضاء للسكينة إلى فتنة يقتتل الناس باسمها، وبذلك تتحقق مقولة نابليون: “إذا رأيت عدوّك يحارب نفسه فدعه ينتحر“، وهذا الذي يحدث في أمتنا التي تغلّبَ عليها وساد من جعلوا القرآن حبلا يهوي بنا وبهم إلى قاع البئر، بل حبلا للمشنقة بدل حبل يصعد بنا إلى السماء، وهذا ما حذر منه علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، حيث قال حكمة بليغة “القرآن كالحبل قد يهوي بك إلى قاع البئر وقد يصعد بك إلى السماء“، فهل نحن في مستوى التحدي وقادرون، بل وعازمون على صناعة إعلام يصعد بنا إلى السماء؟