-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
في قلب شبكة معقدة ومخططات جهنمية لزعزعة استقرار القارة

الإمارات… حروب المرتزقة و”ذهب الدم” في إفريقيا!

طاهر فطاني
  • 142
  • 0
الإمارات… حروب المرتزقة و”ذهب الدم” في إفريقيا!
ح.م

فجّر تقرير صادر عن معهد الشؤون الدولية والأمن الألماني (SWP) أخطر الاتهامات الموجهة للإمارات منذ سنوات، واضعاً “أبو ظبي” في قلب شبكة معقدة ومخططات جهنمية لزعزعة استقرار إفريقيا عبر المال المسموم والذهب والمرتزقة والميليشيات المسلحة.
التقرير يرسم صورة صادمة لدور إماراتي يتجاوز النفوذ السياسي التقليدي إلى إدارة حروب بالوكالة تمتد من السودان وليبيا إلى الصومال وإثيوبيا، عبر تمويل وتسليح قوى شبه عسكرية، وإنشاء مسارات سرية لنقل السلاح والمقاتلين، واستغلال موانئ وممرات استراتيجية لتحويل القارة إلى ساحة صراع مفتوح. الأخطر في التقرير أنه يتحدث عن تجنيد مرتزقة أجانب، بينهم عناصر متهمة بتدريب أطفال قُصّر على القتال، إلى جانب شبكات تهريب ذهب من مناطق النزاع لتمويل اقتصاد الحرب.
ولا تكتسب خطورة هذا التقرير من محتواه فقط، بل أيضاً من الجهة التي أصدرته، إذ يُعد معهد الشؤون الدولية والأمن الألماني (SWP) أحد أبرز مراكز التفكير المقربة من دوائر القرار في ألمانيا، حيث يقدم استشاراته مباشرة إلى “البوندستاغ ” والحكومة الاتحادية .

السودان… السلاح والذهب
يضع التقرير السودان في قلب المشروع الإماراتي داخل إفريقيا، معتبراً أن أبوظبي تمثل الداعم العسكري والمالي واللوجستي الأبرز لقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو “حميدتي”. ويؤكد أن هذا الدعم لم يتوقف حتى خلال الحرب الإيرانية الأمريكية الإسرائيلية، رغم التهديدات الأمنية التي كانت تواجهها الإمارات نفسها. وحسب التقرير، فإن الحرب السودانية تحولت إلى أكبر كارثة إنسانية في العالم، مع أكثر من 33 مليون شخص بحاجة إلى مساعدات إنسانية، وأكثر من 15 مليون نازح، في وقت تتهم فيه قوات الدعم السريع بارتكاب مجازر جماعية وعمليات قتل ونهب واغتصاب واحتجاز رهائن وتهجير قسري. يركز التقرير بشكل خاص على ما حدث في دارفور، خاصة بمدينة الفاشر، حيث تحدثت بعثة أممية عن أعمال تحمل “سمات الإبادة الجماعية” ضد مجموعات غير عربية مثل المساليت والزغاوة، بعد حصار دام أكثر من عام ونصف انتهى بسيطرة قوات الدعم السريع على المدينة.
ولا يتوقف الأمر عند الدعم السياسي، بل يكشف التقرير عن استمرار الجسر الجوي واللوجستي الإماراتي نحو قوات الدعم السريع، عبر شبكة تمتد من شرق ليبيا إلى تشاد وإثيوبيا، مع اتهامات بخرق حظر السلاح الدولي المفروض على دارفور. كما يتهم التقرير الإمارات بالاستفادة اقتصادياً من الذهب السوداني القادم من مناطق النزاع، عبر شبكات تهريب وتحويلات مالية مرتبطة باقتصاد الحرب.

حفتر وفاغنر والطائرات المسيّرة
في ليبيا، يعيد التقرير جذور التدخل الإماراتي إلى سنة 2014، حين بدأت أبو ظبي دعم قوات خليفة حفتر عسكرياً وسياسياً، قبل أن يتصاعد هذا التدخل خلال الهجوم على العاصمة طرابلس بين 2019 و2020، حيث يعتبر التقرير أن الدعم الإماراتي كان عاملاً حاسماً في تحويل المعركة إلى حرب طويلة الأمد، ساهمت في ترسيخ الوجودين الروسي والتركي داخل ليبيا، كما تحولت مدينة الكفرة جنوب ليبيا إلى محطة رئيسية في شبكة الإمداد نحو السودان، حيث استخدمت كممر لنقل الأسلحة والعتاد إلى قوات الدعم السريع.
كما يكشف عن تعاون وثيق بين الإمارات ومجموعة “فاغنر” الروسية، شمل رحلات نقل لوجستي من الإمارات، واستخدام أنظمة دفاع جوي “بانتسير” جرى تشغيلها بواسطة عناصر من فاغنر، إضافة إلى تنسيق عمليات الطائرات المسيّرة. ويتهم التقرير أبوظبي بتنفيذ ضربات جوية مباشرة ضد حكومة طرابلس المعترف بها دولياً، ما جعلها – حسب معدّي الدراسة – طرفاً مباشراً في الحرب وليس مجرد داعم خارجي.

الصومال… موانئ النفوذ
أما في الصومال، فيؤكد التقرير أن الوجود الإماراتي يعود إلى سنوات مبكرة سبقت موجة التدخلات الحالية، حيث قامت أبوظبي منذ 2010 بتمويل شركة عسكرية خاصة يقودها جنوب إفريقيون لإنشاء قوة الشرطة البحرية في بونتلاند تحت شعار “مكافحة القرصنة”، لكن التقرير يرى أن هذه القوة تحولت تدريجياً إلى ذراع نفوذ إماراتية في المنطقة، خاصة مع استخدام ميناء بوصاصو كقاعدة لنقل الأسلحة والمقاتلين والمرتزقة.
كما تدعم الإمارات – حسب التقرير – قوات الشرطة والجيش في أرض الصومال، في إطار استراتيجية أوسع تهدف إلى السيطرة على الموانئ الحيوية في القرن الإفريقي وعلى طول البحر الأحمر، مشيرا الى غارات جوية نفذتها الإمارات في بونتلاند ضد خلايا تابعة لتنظيم “داعش”، في وقت تؤكد فيه الدراسة أن أبوظبي تستخدم هذه التدخلات لتوسيع حضورها العسكري والأمني في المنطقة.

إثيوبيا… المسيّرات
وفي إثيوبيا، دعمت الإمارات حكومة آبي أحمد خلال حرب تيغراي عبر طائرات مسيرة متطورة ساهمت في وقف تقدم قوات تحرير تيغراي سنة 2021. ويعتبر التقرير أن هذه الحالة تمثل استثناءً نسبياً، لأن أبوظبي دعمت حكومة مركزية معترفاً بها دولياً، لكنها في الوقت نفسه سعت إلى تكريس نفوذها داخل منطقة القرن الإفريقي وتحويل إثيوبيا إلى مركز لوجستي بديل بعد تعقّد خطوط الإمداد الأخرى. كما يكشف التقرير عن إقامة معسكرات وتسهيلات لوجستية مرتبطة بقوات الدعم السريع داخل غرب إثيوبيا، ما يعكس – وفق معدّي الدراسة – الترابط المتزايد بين النزاعات الإفريقية المختلفة عبر الشبكة الإماراتية.

مرتزقة كولومبيا وأطفال دارفور
ومن أخطر النقاط التي يطرحها التقرير، هو الحديث عن إدارة الإمارات لشبكات مرتزقة عابرة للحدود. ففي ليبيا، موّلت أبوظبي مرتزقة سودانيين قاتلوا إلى جانب قوات حفتر، بينما كشفت الوثيقة الألمانية أن شركة أمنية إماراتية تُدعى “غلوبال سيكيوريتي سيرفيسز غروب” قامت بتجنيد ونقل مئات المرتزقة الكولومبيين إلى السودان عبر قاعدة عسكرية داخل الإمارات. وعندما فرضت واشنطن عقوبات على الأطراف المتورطة سنة 2025، أكدت أن هؤلاء المرتزقة شاركوا كمشغلي مدفعية وطائرات مسيرة ومدربين عسكريين، بل إن بعضهم قام بتدريب أطفال قُصّر على القتال ضمن قوات الدعم السريع.

المال المسموم…
ويرى التقرير أن التدخلات الإماراتية لا تحركها فقط الحسابات العسكرية، بل أيضاً المصالح الاقتصادية العميقة.
فمجموعتا “دي بي ورلد” و”موانئ أبوظبي” تديران أو تطوران موانئ وبنى تحتية في عدة دول إفريقية مثل الصومال والسنغال وتنزانيا والموزمبيق وأنغولا ومصر، ضمن استراتيجية تهدف إلى السيطرة على طرق نقل المعادن والطاقة والمواد الخام نحو الأسواق العالمية، مشيرا إلى أن الإمارات تستخدم القروض والاستثمارات كوسيلة لشراء النفوذ السياسي، مستشهداً بوعد أبوظبي للرئيس التشادي إدريس ديبي بقرض بقيمة 1.5 مليار دولار، إضافة إلى تمويلات موجهة لإثيوبيا وكينيا.
لكن الأخطر – حسب التقرير – هو تحول الذهب القادم من مناطق الحرب، خصوصاً السودان، إلى ركيزة أساسية في اقتصاد النفوذ الإماراتي داخل إفريقيا، عبر شبكات تهريب وتجارة مرتبطة بأمراء حرب ووسطاء محليين.

تقويض جهود السلام
ويتهم التقرير الإمارات باتباع سياسة مزدوجة، تقوم على المشاركة في مؤتمرات السلام والمسارات الدبلوماسية، مع مواصلة دعم الأطراف المسلحة على الأرض، كما يستشهد محررو التقرير بمؤتمر برلين حول ليبيا سنة 2020، حيث استمرت رحلات الشحن العسكرية الإماراتية نحو شرق ليبيا حتى يوم انعقاد المؤتمر نفسه، رغم التعهدات الرسمية بوقف التدخل، مؤكدا مشاركة أبوظبي في مبادرات لوقف إطلاق النار في السودان ضمن ما يعرف بـ”الرباعية”، بينما كانت – وفق تقارير استخباراتية أمريكية – تواصل تقديم الدعم لقوات الدعم السريع.
وفي الوقت نفسه، تحاول أبوظبي تقديم نفسها كفاعل إنساني، من خلال الإعلان عن مساعدات مالية بمئات الملايين من الدولارات، رغم أن مساهماتها الفعلية في خطط الأمم المتحدة الإنسانية بقيت محدودة جداً مقارنة بحجم التعهدات المعلنة.

البعد الإيديولوجي
ولا يفصل التقرير التحركات الإماراتية عن صراع النفوذ الإقليمي مع السعودية وإيران، حيث تسعى أبو ظبي إلى ترسيخ نفسها كمركز تجاري ولوجستي يربط إفريقيا بآسيا وأوروبا. كما يبرز التقرير البعد الإيديولوجي في السياسة الإماراتية، خاصة العداء لجماعة الإخوان المسلمين والحركات الإسلامية السياسية، وهو ما يفسر – حسب الدراسة – دعم أبو ظبي لقوى محلية معادية للإسلاميين في عدة دول.
ويشير التقرير أيضاً إلى دور الشبكات الشخصية داخل العائلات الحاكمة، خاصة العلاقات التي تربط شخصيات نافذة مثل منصور بن زايد بقادة عسكريين في ليبيا والسودان، وسط تداخل واضح بين المصالح السياسية والاقتصادية وشبكات الذهب والتهريب.

أوروبا تحت الضغط
وفي خلاصة شديدة اللهجة، يعتبر التقرير أن الإمارات لم تعد شريكاً موثوقاً في جهود إحلال الاستقرار داخل إفريقيا، بل تحولت إلى قوة تعمل على تعميق الحروب وتفكيك الدول وتعزيز اقتصاديات النزاع. كما يوجه انتقادا مباشرا لألمانيا والدول الأوروبية، متهما إياها بالتساهل مع أبو ظبي بسبب المصالح الاقتصادية والأمنية، رغم ما وصفه التقرير بالأدلة المتزايدة على تورط الإمارات في دعم أطراف متهمة بجرائم حرب وعمليات تطهير عرقي وتقويض جهود السلام الدولية.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!