الرأي

الإمامان

الأرشيف
صورة نادرة لأعضاء جمعية العلماء المسلمين الجزائريين

من فضل الله – عز وجل – على الجزائريين أن منّ عليهم في ساعة العسرة – وهي احتلال الفرنسيين للجزائر – بإمامين جليلين، قل نظيرهما في تاريخ الجزائر المعاصر، حيث نذرا أن يعيشا لله – عز وجل- وأن يكونا من جنوده، وللجزائر أن يكونا ابنين بارّين بها، خادمين لها، فوفيا بما عاهدا عليه الله والجزائر، دون منّ أو استكثار.

هذان الإمامان الجليلان هما عبد الحميد ابن باديس، ومحمد البشري الابراهيمي، اللذان وحّد اللهعزوجلفكريهما، وألّف بين قلبيهما، وجمع في الحق سعييهما، وأنطق بالحق لسانيهما، وأجرى بالحق وللحق قلميهما، فكانا روحا حلّ بدنين، عكس قول القائل: “نحن روحان حللنا بدنا“.

ومن رعاية اللهعز وجللهذين الإمامين وإعدادهما لما يسّره لهما قضاؤه أن يلتقيا لأول مرة في أطهر أرض في الأرض، وهي رحاب المسجد النبوي الشريف.

هنا، والله يشهد، والملائكة الكرام يسجلون، أقسم الإمامان ذات يوم من عام 1913 على أن يعملا للإسلام الصحيح النقي الطاهر، وللجزائر الواحدة دينا، وشعبا، وأرضا، ولسانا.. وقد برّا بما عاهدا عليه الله، لم يصرفهما عنه ترغيب مرغب، ولا ترهيب مرهّب، واذا كان من الموت بُدّ فمن العار أن تموت جبانا رعديدا.

عاد الإمام الأول من عامه (1913) إلى أهله، فبدأ يحرك الركود، وينهض الرقود، ويعدّ الجنود، ثم لحق الإمام الثاني بعد سبع، فراحا يجتهدانعلى حذر من فرنسا الطاغية الفاسدة وخدّامها الخائنين لتنفيذ ما تعاهدا عليه.

لقد وقف في طريقهماالأخالقريب والعدو الغريب، فاستعانا على الاثنين بالله، فثبتهما بالقول الثابت وثبت أقدامها وربط على قلبيهما، ونصرهاإذا كان حقا عليه نصر المؤمنينعلى القريب الضال والخائن، وعلى الغريب الصليبي الجائر، بفضل من أعدوه من الشباب الزاحف بالمصاحف. ألم يعترف شارل أندري جوليان في كتابهإفريقيا الشمالية تسير” (ص 133) بأنالعلماء هم الذين أيقظوا الرأي العام من سُباته؟“.

ألم يشهد جان لاكوتير في كتابهخمسة رجال” (ص 28) بـإن مجددي فكرة الوطن الجزائري هم بالأحرى هؤلاء الذين أسسوا جمعية العلماء، أي ابن باديس وأشد أتباعه حماسة كالشيخ الابراهيمي؟ ألم يؤكد المؤرخ الانجليزي ألستير هورن بـأن ما قدّمه العلماء لإثارة إحساس الجزائريين بالوعي الديني والقومي يفوق ما قدّمه غيرهم“. (تاريخ حرب الجزائر. ص 39).

وجاء عهدالاحتقلال، فزعم الذين يبخسون الناس أشياءهم، ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا، أن الإمامين والجمعيةوأبناءها فرّطوا في جنب الوطن، والله يعلم ويشهد، والتاريخ سجل أن الشانئين لكاذبون. من تجرأ على الله، كيف لا يتجرأ على الصالحين من عباده؟

لقد عمد هؤلاء الشانئونممّن نراهم ومن لا جهدهم أن يمحوا حق الإمامين ببطالهم، ونورهما بظلامهم، وفصاحتهما بعجمتهم ورطانتهم؛ ولكن جهلوا قول اللهعز وجل -: “إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودّا، ومن هذا الود هذا الملتقى الدولي الذي عقده أبناء الجمعية، ممن جاءوا من بعد الإمامين، في قصر الثقافة أيام 6 8 ماي الجاري.

فسلام عليكما أيها الإمامان الجليلان يومي ولدتهما، وأيام عملتها، ويومي لقيتهما الله ربكما راضيين مرضيين، ويوم تبعتان، فتفرحان بما عملتُما، ويقول شانئوكما: يا ليتنا اتخذتنا مع الإميامين سبيلا، فيقال لهم: كلا، إنها كلمة أنتم قائلوها، فاخسأوا ولا تتكلمون.

مقالات ذات صلة