الإمام بيوض في رأي الإمام الإبراهيمي
الإمامان محمد البشير الإبراهيمي وإبراهيم بيوض ممّن منّ الله – عزّ وجل- بهم على الجزائر في تاريخها المعاصر، وقد تعاونا على البر والتقوى فدعوا إلى وحدة الجزائريين، وعملا من أجل هذه الوحدة الدينية والوطنية رغم اختلاف مذهبيهما، فالإمام الإبراهيمي مالكي المذهب والإمام بيوض إباضي المذهب، ولكنهما – لما أوتيا من رشد ودين صحيح وفكر سليم- لم يسمحا لافتراق مذهبيهما أن يحول بين تعاونهما على الخير، وهذه هي نظرة العلماء الفقهاء الذين لا ينظرون إلى قضايا الأمة من عين مذهب واحد، ولكنهم “ينظرون إلى الدنيا من مرآة الإسلام الواسعة لا من عين المذهب الضيقة”. (آثار الإمام ابن باديس ج4 ص60).
لقد كانت جمعية العلماء المسلمين الجزائريين مجسدة لهذا الإسلام الواسع، ولم تتقوقع داخل مذهب واحد مهما اتسع فإنه لا يسع الإسلام كله.. ولهذا حرص مؤسسوها على أن تضم بين أعضائها المالكي والإباضي والحنفي والصوفي والسني.. فكان من أعضائها البارزين من إخواننا الإباضية الإمام إبراهيم بيوض والشيخ إبراهيم أبو اليقظان، والشيخ عبد الرحمن بكلي وغيرهم. وهي على هذه السنة الحميدة إلى يوم الناس هذا، فقد كان العالم الجليل سعيد شريفي – عدون- رحمه الله رئيسا شرفيا للجمعية، وكذلك نجله الفاضل بلحاج شريفي وغيرهما.. وتحرض الجمعية على أن يكون تعاون دائم مستمر بين الجميع.
في يوم 14/4/2000 كنت في مدينة القرارة – ولاية غرداية- مشاركا للإخوة في بعض الأنشطة الدينية، الثقافية، الاجتماعية، وكان معنا الدكتور محمد العساكر- وهو من الإخوة الإباضيين وأستاذ في كلية الحقوق- فأراني نسخة من رسالة بعثها الإمام محمد البشير الإبراهيمي إلى أخيه الإمام إبراهيم بيوض، وهي مؤرخة في القاهرة في يوم 22/8/1955، ومما جاء فيها مخاطبة الإمام الإبراهيمي لأخيه الإمام بيوض بقوله: “إنني أعتبركم من رجالنا الكاملي الأدوات من علم ولسان وقلم، وفكر سديد، وعقل راجح، وأفق واسع، ومعرفة بالزمان وأهله وملابساته، والرجال في وطننا قليل، والقادة المستكملون للشرائط أقل”، وقد وعدني الأستاذ الدكتور العساكر أن يمدّني بنسخة من الرسالة وحالت انشغالاتنا دون ذلك، ولعل الرسالة ما تزال فيما ترك الدكتور – رحمه الله- ذكرت بهذه الرسالة وعلاقة علمائنا -غير المنغلقين- ببعضهم، والدليل على أن الإمام الإبراهيمي كان صادقا في وصفه لأخيه الإمام بيوض هو الشجاعة العلمية والأدبية للإمام بيوض في مسألة صلاة الجمعة، حيث كان الإخوة الإباضيون لا يصلّون الجمعة لاجتهاد فقهي عندهم، ولكنهم بفضل علم الإمام بيوض وفكره السديد، وعقله الراجح وأفقه الواسع ومعرفته بالزمان وملابساته وبفضل الأستاذ مولود قاسم، وزير التعليم الأصلي والشؤون الدينية، أبطلوا فتوى عدم إقامة الجمعة، وهم الآن يصلونها معنا ونصليها معهم، ويؤكد هذا ما قاله لي الشيخ محمد الغزالي عندما سلّمته كتاب “فتاوى الإمام بيوض” فألقى نظرة عجلى في صفحة منه ثم طوى الكتاب وقال لي: “هذا كلام رجل عاقل”. والله على ما أقول شهيد.