الإناء بما فيه.. “يترشح”
خيارات الجزائر في الخروج من الأزمة كثيرة إن وجدت القليل من يؤمن بها، دعامة ذلك الحوار من أجل الحفاظ على السلم الاجتماعي وتنمية البلاد بما يتلاءم وهويتنا الثفافية، والتعامل مع الأزمة على أنها قارب ينقل الجميع وغرقته لن يفلت أحد منها، فحتى التيتانيك الذي لا يغرق، غرق، والجزائر بحجمها وقدراتها، قادرة على تجاوز الضائقة المالية.. سياسيا، لكن ليس بعقلية التفرُّد بالحكم وفرض حكم الأمر الواقع!
أمام هذا التخوف من المستقبل في عز المخاض الجديد، وجدت نفسي أعيش في المستقبل، مع أنه بدا لي أنه يبدو للكثير من المتشككين أنه في الجزائر، لا مستقبل لأحد! كنت وكنا جميعا مخطئين، فالجزائر لها مستقبل، كما كان لها ماض، حتى ولو لم يكن لها حاضر.. وجدت نفسي أعيش قرنا في المستقبل أي في 2080!
بدا لي الأمر عاديا ولكن غريبا نوعا ما، فالبلاد هي نفسها، لم تتغير بشوارعها وأزقتها وشعبها وشعابها. كنت أنا قد عشت خلال السنوات العشر الماضية في دولة خليجية بعدما هربت من البلاد التي لم تعطني حقي من المكانة.. مهندس تكوّن في المدارس والجامعة الجزائرية، ولم يجد حظا له في التوظيف إلا ضمن سياسة “إشغال الشباب”، ذهبت إلى دولة خليجية وهناك تم اعتمادي بناء على كفاءتي، وأخذت بعد 10 سنوات، الجنسية البحرينية وعدت هذه المرة بحرينيا من أصل جزائري، أي من جزيرة في البحر، إلى عرض بحرين، والبحر على الجزائر كلها، عدت معززا مكرما لأحتل منصب مدير شركة نفط في الجنوب، أجرتي الشهرية تفوق شهرية والٍ قبل مائة سنة. لهذا، بدت لي البلاد تغيرت قليلا لكنها لم تتغير بما فيه الكفاية، كانت تبدو كما لو أن التغيير قد حصل خلال 10 سنوات، مع أن التغيير الذي كنت أعيش، حدث منذ أكثر من 60 سنة: لا فرق بين الأمس واليوم، بين الماضي والحاضر، أقراني لا يزال البعض منهم على “قيد الموت”! الكثير منهم مات وارتاح والقليل منهم من لا يزال في ريعان الكهولة.. نحن الآن إذن في أكتوبر 2080 ميلادية: (والله ماراني عارف كم يعادل هجرية.. لقد نسينا الهجري)! بل نسينا العربية، لأن كل الدوائر والمؤسسات الحكومية وغير الحكومية وحتى العدالة، الوثائق فيها والتعاملات من اليسار إلى اليمين.. الآن، إنهم يعملون على كتابة العربية الدارجة بالفرنسية لتصبح لغة رسمية. السلطة ترى أن نظام أتاتورك العلماني التربوي اللغوي، هو خير سبيل من أجل التطور، والتطور هو أن تتنكر للغتك ولدينك وتلتحق بالغرب!
62 سنة.. والبلاد لا تزال هنا؛ بحُفرها في الشوارع، وبإدارتها المُضرّة بالصحة، وبطباعها التي غلب عليها التطبُّع، وبنمط تعليمها الذي لم يعلم أحدا ولم يتعلَّم منه أحد.. وبسياستها الانتخابية التي تقصي الناخب وتنتخب الإدارة محل المنتخب، الرياضة لا تزال على حالها، المنتخب الوطني لكرة القدم قد تأهل قبل أيام فقط للدور الأول للتصفيات على كأس الشمال الإفريقي بعد أن تغلب على دولة البوليزاريو بصفر مقابل صفر! (التعادل كان يكفينا للتأهل، نحن دائما هكذا متواضعون حتى مع المتواضعين جدا)، ونتوقع أن نلتقي مع موريتانيا حيث سيكون الماتش صعبا جدا ولا أحد يعتقد أننا سنمرّ!
وأفيق والعرق يتصبَّب من جبيني: هذه الحمى وهذا الرشح، جعلني لا أعرف حتى كيف أحلم بالترشح!