الرأي

الإندفاع نحو القدس يعني بداية الصراع

صالح عوض
  • 4085
  • 0

مع كل التقدير لكل قطرة دم سالت في معاركنا الكثيرة، ومع كل احترام لأفكارنا السابقة التي انضوت تحت بيارقها طلائع الشباب الفدائيين وانبعثت منها ثقافة مرحلة.. مع كل ذلك يبدو أنها لم تكن أكثر من بروفات لصراع قادم بيننا والكيان الصهيوني المزود بالإرادة الغربية والمدد الغربي..

نحن والعدوّ نتدافع الآن نحو القدس وهنا تكمن لحظة الذروة في الصراع، ولئن انبثقت معركة القدس في عدة مراحل سابقة لاسيما مع الزعيم الراحل ياسر عرفات الذي أطلق انتفاضة الأقصى هاتفا “للقدس زاحفين شهداء بالملايين” وأسس بذلك لمناخ يتدفق بمعطيات التدافع الذي ليس من السهل التنبؤ بنهايات قريبة له.

 القدس أم “اورشليم”.. الأقصى أم “الهيكل” هنا تكمن المعركة الرمز، المعركة المتشبعة بالمشاعر والأحلام والعنوان.. فكما أنه لا وجود لدولة إسرائيل من دون اورشليم ولا قيمة لاورشليم من دون الهيكل كما يحلو لكثير من قادة المشروع الصهيوني القول والتأكيد على معزوفة الدولة اليهودية.. فالأمر نفسه على الجبهة المضادة إذ لا معنى لفلسطين من دون القدس ولا معنى للقدس من دون الأقصى، ولكن هنا المسألة ليست موقفا سياسيا ولا خطبة لمتطرف ديني إنما هي نداء الخلود في ضمير كل فلسطيني بغض النظر عن دينه أو مدى تدينه أو مذهبه.. هنا ترتفع العناوين واضحة من دون لف أو دوران.. ولكن هنا على الفلسطينيين أن يقرؤوا جملتهم مرة ثانية وثالثة ورابعة على العالمين حتى تؤدي فعلها في الوعي الإنساني: هل هم فعلا مستعدون للمواجهة إلى آخر نفس وأن يقدموا في سبيل كرامة الأقصى دمهم بغزارة وعلى مدى طويل وباستمرار؟ وفي المقابل إلى أي مدى تستطيع الثكنة العسكرية الصهيونية والمشعوذون من المستوطنين البقاء في الشوارع في مدينة القدس وفي باحات المسجد الأقصى فيما هم يرون عجز حكومتهم عن إعلان قيام الهيكل على أنقاض الأقصى؟

هكذا تتكشف المعادلة على طرفيها: طرف ممتلئ باليقين ولكنه يفتقد لمؤسسة تدير معركته كما ينبغي لحسم جولات الصراع في أقصر وقت، وطرف آخر مهزوز مرتبك وقلِق ويحوِّل جبنه إلى فائض بطش لكنه بقيادة تعمل على الاستفادة من الخراب على المستوى العربي الرسمي والانحياز الدولي الأعمى.

 هنا تبدأ المعادلة في الانكشاف عن خلل جوهري؛ ففي حين يجمع الفلسطينيون على أنهم في جاهزية كاملة للتضحية حتى آخر نفس من أجل انتزاع كرامة القدس والأقصى وهاهم يتحركون بلا قيادة ولا مؤسسات رسمية ولا إمكانات ولا دعم إسلامي وعربي، يتحركون في الشوارع وعلى أبواب بيت المقدس في قرار نهائي بعدم التخلي عن القدس وعن كرامة الأقصى ويبدؤون في تشكيل أنفسهم على وقع آليات المواجهات اليومية وتنصاغ مشاعرهم وأفكارهم وواقعهم على ضوء المعركة المحتدمة فتتولد ثقافة إنسانية من التعاون والتماسك المجتمعي قل نظيرها.. وفي الجبهة المضادة -جبهة العدو-الاضطراب والتناقض والارتباك بين قيادات فاقدة للحس التاريخي تستند إلى عتو اللحظة وطغيانها وحساباتها المختلة والمهددة بالانهيار في لحظات دراماتيكية.. فالمواجهة لديهم قرارٌ وليست قناعة وأيضا هي قرار مضطرب تسمع حوله الرأي والرأي المخالف والاحتمالات المرعبة التي تتهدد مستقبل الكيان بل وتطرح من جديد الأسئلة الوجودية القديمة، حيث تصبح حالة التأهب والاستنفار الوضعية الأكثر بروزا لحياة الكيان الصهيوني.. وهكذا تتكشف المعادلة على طرفيها: طرف ممتلئ باليقين ولكنه يفتقد لمؤسسة تدير معركته كما ينبغي لحسم جولات الصراع في أقصر وقت، وطرف آخر مهزوز مرتبك وقلِق ويحوِّل جبنه إلى فائض بطش لكنه بقيادة تعمل على الاستفادة من الخراب على المستوى العربي الرسمي والانحياز الدولي الأعمى.

المعركة بين الأقصى و”الهيكل” هي معركة واسعة تمتد في الجغرافيا والتاريخ والمزاج الدولي، فكما أن تحدي الأقصى وأزمته يتفاعل في وجدان أمة عربية وإسلامية وينغِّص ضميرها ووجدانها ويجد تخريجاته في أشكال عدة تتطرف أحيانا وتتقوقع أحيانا أخرى وتتحول إلى قوى منظمة ورؤى حضارية في الصراع كذلك.. فهو كذلك يشد الوتر العصبي المركزي في وجدان الأمة التي لن تقبل بأن تصبح خرافة عنصرية مهدِّدة لأحد أهم رموزها الحضارية والدينية..

ولكن أيضا تمتد المعركة في مفاصل وضعنا العربي الرسمي تنفث فيه السموم لتشلَّ حركته وتجذبه إلى مربعات الوهن والضعف ومحاربة الذات وانتشار الخلايا السرطانية تفتك بكل عناصر المناعة الذاتية.. وهكذا تتجلى تحديات الأقصى في كل الواقع العربي بل لعلها المسؤول المباشر عن كل الأوضاع في الوطن العربي بإيجابيها وسلبيها بشكل أو بآخر.. والمسألة هنا تظهر على كل عناصرها الحقيقية التي تشكل واقع العرب بقليل من تحليل وهذا ما يجعل حال القدس هو صورة مصغرة لما عليه حال الأمة وهو يكشف بالدقة عن مكامن الضعف والقوة وبواطن العزيمة والتردي في الأمة.

والمعركة تمتد كذلك على المسرح الدولي، حيث تنشط القوى الصهيونية والموالية لها في اختراق الأوضاع السياسية والأمنية والاقتصادية الدولية لكي تكون الظهير القوي في حماية الوهم ببناء هيكل يعلن قيام دولة يهودية على أرض فلسطين.

أجل إن التدافع نحو القدس بين الفلسطينيين ومن خلفهم العرب والمسلمون وأحرار وشرفاء العالم في مواجهة القيادة الصهيونية العنصرية والمؤسسة الصهيونية ورأس المال العالمي النجس وقوى الشر الدولية التي تلعب بمقدرات الشعوب وتحطم أمنها واستقرارها.. ومن هنا تصبح معركة القدس لا تنتهي بإلغاء إجراءات تعسفية فرضها العدو. إنما بإلغاء المعادلة الشريرة كلها بنفي أحد طرفيها طرف الوهم والجريمة والعنصرية الذي كان سببا مباشرا أو سببا مُرافقا لكل آفات الوضع العربي الذي يمكن إجماله بمصطلح التخلف والعبثية.

و من أهم ما جاءت به هبَّة الأقصى الحالية أنها تقرِّبنا إلى الاصطفاف الطبيعي في المعركة بعنوانها الواضح القوي.. ويمكن هنا التأكيد أن العدو لا يمتلك شجاعة -رغم أن الظروف الحالية نموذجية بالنسبة إليه- لكي يُحدث تغييرات جوهرية على الأرض بالنسبة لرمز الشعب الفلسطيني الكبير المسجد الأقصى.. وفي هذا انكسارٌ معنوي كبير في الروح الصهيونية يمثل ضمانات هزيمته أمام شعب أعزل يمارس نضاله المستميت بجوعه أحيانا وبدمه أحيانا أخرى وبصلواته على أسفلت الشوارع بلا قيادة ولا إدارة علمية للمعركة.. 

إنَّ استمرار اندفاع الشعب الفلسطيني المقدسي في المواجهة سيحفز قوى المقاومة في المنطقة في سورية ولبنان والعراق واليمن وينمي الوعي والانتباه والغيرة في كل بلاد العرب والإسلام، وكل الإرهاصات تتجلى اليوم لميلاد حالة ثورية كبيرة في المنطقة ستجرف حالات التردِّي والتخلف جانبا.. ولنكتشف كم هي المشاريع الحالية تدور حول مصلحة شخصية أو حزبية أو فئوية وهي تحكم على نفسها جميعا بالتلاشي في معركة اندفاع الشعب إلى القدس.

مقالات ذات صلة