الإهمال الذي أكل بقايا الفتوحات الإسلامية
منذ قرون تعتبر الحمامات التركية، تحفا معمارية فريدة، ناهيك عن كونها فضاء للترفيه والتجمل، وأيضا للنظافة. يشكل الحمام جزءا من الذاكرة الجماعية في العالم العربي الإسلامي ويشارك في هوية الثقافة الحضرية والقروية أيضا.
إنه إرث هندسي وتراث ثقافي حي يجمع الناس معا، وهو يشكل جزءا لا يتجزأ من الجماعات الحضرية، لاعبا دورا أساسيا في الأحياء والمدن على حد سواء، وأنا ألج الحمامات التركية بولاية وهران كنت كلما أنزل الدرج تمر بمخيلتي صور نساء مررن من هنا، لحقب تاريخية متتالية، كيف لا وهي التي تمتد على 3 قرون. حجراتها الدائرية الدافئة التي تتسرب إليها أعمدة النور من فتحات القبة التي تهيمن على المكان، تزيد المكان حميمية ودفءا لتتراكم مشكلة سحبا كثيفة من الضباب تبيح للمستحمات -النساء اللائي يلجن الحمام- نوعا من الحرية أكثر، لتنطلق النسوة بعدها في طقوس الحمام متباهيات، متنقلات بين الغرف المختلفة، فبعد الهواء الساخن والجاف، ينتقل الزبائن إلى حمامات البخار، حيث يتم غسل الجسم بالصابون، وصولا إلى تدليك الرجلين واليدين والبطن والظهر. ويتفق المؤرخون على أن المعماريين الإسلاميين حرصوا على أن تكون هذه الحمامات فضاء جميلا تستريح إليه نفس من يدخلها، إذ جعلوها كثيرة الأضواء، وعذبة المياه، وطيبة الرائحة، وذات سقوف مرتفعة تعين على تلطيف حر أبخرتها. وتحتوي الحمامات التركية التي قام ببنائها “الباي بوشلاغم” على حديقة صغيرة، وحجرة كبيرة تعلوها قبة ترتكز على أعمدة وأقواس، وقاعة ثانية صغيرة صممت في شكل يسمح بالحفاظ على حرارة الحمام، إضافة إلى قاعة مقوسة تتوسط القاعتين. يتألف الحمام من ثلاث حجرات، باردة ودافئة وساخنة، فالباردة تطل على الفناء الخارجي، والدافئة تتوسط بين الباردة والساخنة، وماؤها أقل حرارة من الساخنة، أما الساخنة فهي التي يتم الاستحمام فيها، وتعلوها قبة قليلة الارتفاع ومتعددة الثقوب، يكسوها زجاج ملون، يضفي على الحجرة جوا جماليا مشعا، عبر أشعة الشمس التي تنفذ منه، ومن ثمة تشع في الحجرة عاكسة ألوان الزجاج المختلفة. ويشير المؤرخون أن الوظيفة الرئيسية للقباب المثقوبة بفتحات صغيرة هي توسيع مجال التنفس وتجديد الهواء الضروري، ومنح الحمام بعض الإضاءة.
الموقع الأثري المتربع على مساحة تفوق 800 متر مربع والمحاط بمعالم مصنفة على غرار كنيسة “سان لويس” و”مسجد الجوهرة”، بعد تحرير مدينة وهران من الاحتلال الإسباني سنة 1708م. وقد أستعمل المستعمر الفرنسي هذا المعلم الذي صمد أمام الزلزال الذي ضرب وهران في 1790 كمعسكر ومغسل تابع لمستشفى “بودانس”.
وقد تم مؤخرا بوهران الموافقة على تصنيف المعلم الأثري “الحمامات التركية” المتواجد بحي “سيدي الهواري” العتيق وذلك بالنظر للقيمة المعمارية والتاريخية لهذا الفضاء أعطت اللجنة الوطنية للممتلكات الثقافية موافقتها على تصنيف هذا المعلم الذي يعود تاريخ تشييده إلى العهد العثماني. وسيسمح هذا الإجراء القانوني بالحفاظ على هذه الصرح الأثري الذي يعتبر من المعالم التاريخية الأكثر استقطابا للزوار القادمين من مختلف ولايات الوطن والسياح الأجانب بعاصمة الغرب الجزائري، خاصة وأنه عرف إهمالا كبيرا من طرف السلطات، حتى وقت قريب، ولكن بفضل جهود شباب الحي، وجمعية “صحة سيدي الهواري”، التي وقفت “الشروق العربي” على حجم الجهد الذي تبذله، استطاع المكان أن يستعيد هيبته.
معلوم أن مدينة وهران تزخر بـ34 معلما أثريا وتاريخيا مصنفا ضمن قائمة التراث الثقافي الوطني منها “قصر الباي”، والموقع الروماني “بورتيس مغنيس” و”باب إسبانيا” و”سانتا كروز” والحي العتيق “سيدي الهواري”.