الرأي

الاجتهاد المقاصدي السياسي عند الشيخ نحناح

ناصر حمدادوش
  • 307
  • 0

شهد يوم السبت 07 فيفري 2026م مناقشة رسالة دكتوراه، والموسومة بـ”الاجتهاد المقاصدي في العمل السياسي الإسلامي المعاصر..  التجربة السياسية للشيخ محفوظ نحناح أنموذجًا”، وذلك بمعهد المناهج بالجزائر العاصمة)، تخصص التاريخ والفكر الإسلامي، والمسجَّلة بجامعة “أريس” بالولايات المتحدة الأمريكية، وقد تكوَّنت لجنة المناقشة من الأساتذة الدكاترة مراد زعيمي (جامعة عنابة) رئيسًا، وبدر الدين زواقة (جامعة باتنة) مشرفًا ومقرِّرًا، وعصام البشير (نائب رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين– تركيا)، وأحمد بوساق (جامعة الجزائر 1)، وأبوبكر صالح (جامعة غرداية) أعضاءً.

وجرى الوقوف فيها على أهمِّ عناصر الجهاز المفاهيمي لها، وهي:

1- الاجتهاد: والذي يدلِّل على حيوية القيم الإسلامية في سياسة الدنيا بالدين، فهو يجمع بين الدين والدنيا وبين الشريعة والحياة وبين النَّص والواقع، والإشكال لم يعد متعلقًا بشرعيته وضرورته، بل بحدوده وضوابطه ومجالاته، والتحدِّي الذي يواجهنا فيه هو: كيف يبقى هذا الاجتهاد أمينًا على النصوص والأحكام من جهة، وفعَّالاً في مواجهة النوازل والمتغيرات ومعالجة الواقع من جهة أخرى؟ وقد أكَّد الشيخ نحناح على حقيقة شمولية الإسلام، فقال: “إنَّ شمولية الإسلام لا يمكن أنْ تعني الجمود أو الحَرْفية… إنما تعني الاجتهاد والإبداع الفردي والجماعي الدائم، وتعني الابتكار والاقتباس والتجريب المُثْمِر، وتعني السَّعي للتلاؤم والتكيُّف مع واقع الزَّمان والمكان، بما لا يتناقض مع الأصول والكلِّيات..”.

2- المقاصد: إنّ المحاذير في الاجتهاد المقاصدي لا تتوقف عند حدود التأصيل النظري فقط، بل تتجلَّى أكثر في منزلقاته عند التنزيل العملي، فهناك مشكلتان أسياسيتان، وهما: عدم استكمال العُدَّة العلمية والمعرفية في النظر المقاصدي، وإشكالية التوظيف النَّفعي للمقاصد، بما قد يتصادم مع ثوابت الدِّين وأحكامه القطعية.

3- العمل السياسي الإسلامي المعاصر: إذا كان “الاجتهاد المقاصدي” قد تجلَّى في مجالاتٍ فقهيةٍ متعدِّدة، فإنَّ تطبيقه على المجال السِّياسي اكتسب أهمية خاصَّةً بالنظر إلى ما يطرحه العمل السِّياسي من إشكالاتٍ متجدِّدة، تتعلَّق بالفرد والمجتمع والسُّلطة والدولة والأمَّة والحضارة.

4- التجربة السياسية للشيخ نحناح: وتبرز باعتبارها حالةً مثيرةً للاهتمام في الاجتهاد المقاصدي السِّياسي، فقد سَعى إلى التوفيق بين المرجعية الإسلامية وبين مقتضيات الدولة الوطنية والقيم السِّياسية المعاصِرة.

وقد ظهرت أهميةٌ بالغةٌ لتناول هذا الموضوع، في ظلِّ خصوصية بيئتنا السياسية، يقول الشيخ نحناح عن خطر تغييب النظر المقاصدي السياسي: “عندما غُيِّب الإسلام، وهُمِّشت مقاصد شريعة الإسلام، ولم تُدرَّس آياتُ القرآن الكريم، بقي الجهل عامًّا في أمتنا على مستوياتٍ كثيرة، من المستوى السِّياسي والمستوى الديني والمستوى الثقافي، وما إلى ذلك”.

زخم التجربة السياسية للشيخ نحناح:

لا شكَّ بأنَّ الشيخ نحناح قد مرَّ بمحطاتٍ تاريخية أثْرَتْ تجربته السياسية، ابتداءً من انخراطه في “جبهة التحرير الوطني” والثورة التحريرية المباركة، إلى بداية نشاطه الدعوي بمساجد البليدة ابتداءً من سنة 1963م وتأسيسه لجماعة الموحِّدين، إلى التحاقه بالجامعة المركزية بالجزائر وصراع الأفكار والتيارات فيها ابتداءً من سنة 1966م، إلى نضاله السياسي الميداني عبر المسيرات للدفاع عن التعريب ابتداءً من سنة 1970م، ثم الدفاع عن قانون الأسرة، إلى معارضته للثورة الزراعية والميثاق الوطني سنة 1976م واعتقاله لمدة 15 سنة، والمراجعات العميقة التي أحدثها في منهج الإصلاح والتغيير، إلى خروجه من السجن سنة 1981م وبداية انبعاث الصحوة الإسلامية وحرية النشاط الدعوي في الجامعات والمساجد، إلى أستاذيته في كلية أصول الدين بجامعة الجزائر ابتداءً من سنة 1984م في مادتي “التفسير والسيرة النبوية”، إلى أحداث أكتوبر وبداية التعددية على إثر دستور 1989م، وبداية التمظهر القانوني لجماعته باسم: جمعية الإرشاد والإصلاح في نوفمبر 1989م، إلى الإعلانِ عن ظهور حركة المجتمع الإسلامي – حماس، تيمُّنًا بحركة المقاومة الإسلامية- حماس بفلسطين في ديسمبر 1990م، ثم التأسيس الرَّسمي في ماي 1991م، والذي انتُخب رئيسًا لها إلى غاية وفاته سنة 2003م.

وقد شارك في الانتخابات الرئاسية سنة 1995م كأول زعيمٍ إسلاميٍّ ينافس على رئاسة الجمهورية في العالم العربي والإسلامي، وقد تحصَّل رسميًّا على المرتبة الثانية بنحو 03 ملايين صوت، كما شاركت حركته في الحكومات المتعاقبة ابتداءً من سنة 1996م، وقد واجه بعد دخول الجزائر في المأساة الوطنية أخطر التحديات في مسيرته السياسية، وهي تحدي الخطر على الإسلام، وتحدي الخطر على الدولة، وتحدي الخطر على الديمقراطية، فتبنَّى في تجربته السِّياسية منظومةً فكريةً وسياسيةً مبنيةً على الاجتهاد المقاصدي في الموازنة بين المصالح والمفاسد، والنظر في مآلات الخيارات والمواقف.

وقد ألْقَتْ هذه التجربة بظِلالها على حالة الغموض في الرُّؤية الشَّرعية لبعض الاجتهادات السِّياسية والنظر المقاصدي فيها، والتنزيل العملي لها، وهو ما دفعنا لاختيار هذه التجربة للوقوف على مجموعةٍ من المفاهيم النظرية والمواقف العملية في الاجتهاد المقاصدي السِّياسي للشيخ نحناح.

وقد تمثَّلت الإشكالية الرئيسية للدراسة في الأسئلة المركزية: ما هي حقيقة الاجتهادات المقاصدية النظرية والعملية في التجربة السِّياسية لمحفوظ نحناح عليه رحمة الله؟ وإلى أيِّ مدى مثَّلت هذه التجربة أنموذجًا للاجتهاد المقاصدي السِّياسي الإسلامي المعاصِر؟ وما هي حدود نجاحها أو فشلها في التوفيق بين مقاصد الشريعة وبين مقتضيات الواقع السِّياسي الجزائري؟

_ الفكر المقاصدي السياسي عند الشيخ نحناح:

يتحدَّث الشيخ نحناح عن “النظرية السياسية الإسلامية”، ويدعو إلى التوازن فيها بما: “.. يحفظ الحقوق ويحقِّق المصالح، ويضمن الانضباط بالنُّصوص الشرعية أو مقاصد الشريعة”، ويمكن رصد ملامح هذه النظرية السياسية عنده، ومنها: “التمييز بين ما هو مقدَّس ثابت وبين ما هو بشريٌّ نسبيٌّ متغيِّر في الاجتهاد، فهو يوازن بين النصوص والمقاصد، وبين المصالح والمفاسد، وبين الثوابت والمتغيرات، وبين المثالية والواقعية”.

ويرى بأنَّ هذا الاجتهاد المقاصدي السياسي غير منفلتٍ من الضوابط، فيقول: “إنَّ المنهج الدعوي الحقيقي هو الذي يفرز الإسلام السِّياسي الملتزم بالضوابط الشرعية، التي تستهدف المصلحة للإنسان والكون والحياة، وحيثما كانت المصلحة فَثَمَّ شرع الله”، ويؤكد أنَّ ضوابط هذا الاجتهاد هي التي تميُّز الفكر السياسي الإسلامي عن الشيوعية والرأسمالية، فيقول: “والحقيقة أنَّ العمل الإسلامي له ضوابط، غير هذيْن المنزَعيْن (المنزع الشيوعي الأهوج، والمنزع الرأسمالي المتوحِّش)… وأهمُّ هذه الضَّوابط أنه ينطلق وأمامه أمران مهمَّان: المقاصد والمصالح..”.

وقد اقتضت طبيعة هذا البحث اعتماد خطةٍ مشكَّلةٍ من مقدمة، وبابٍ عامٍّ كمدخلٍ مفاهيميٍّ بفصلين، وبابٍ للإطار النظري بأربعة فصول، وبابٍ للإطار التطبيقي بأربعة فصول، وخاتمة.

في المقدمة عرَّفتُ بالموضوع، وأشرت إلى الأهمية والدوافع الأساسية إلى تناوله، وأهداف البحث فيه، وأبرزتُ الإشكالية الرئيسية والأسئلة الفرعية عنها، والمنهج المتبع في معالجتها، وخطة البحث، وكذا الدراسات السَّابقة، والصُّعوبات التي واجهتني فيها، وعرض هيكل البحث.

وقد تناولت في الباب الأول: مفاهيم الاجتهاد المقاصدي السِّياسي المعاصر وتجربة الشيخ نحناح، وقسَّمته إلى فصليْن.

– الفصل الأول: مفهوم الاجتهاد المقاصدي السِّياسي المعاصِر، وقد رجَّحت القول بجواز الاجتهاد النسبي (الاجتهاد في بعض المسائل من دون بعض)، بخلاف القول بالاجتهاد المطلق (الاجتهاد في كلِّ أبواب الفقه ومسائله)، وهو ما يتيح لنا أخذ حالة الشيخ نحناح أنموذجًا، باعتباره أنموذجًا لاجتهادٍ نسبيٍّ في مجال العمل السياسي.

وتناولتُ في الفصل الثاني: الشيخ نحناح والاجتهاد المقاصدي السِّياسي وضوابطه، فعرَّفت به، وتناولت الفكر المقاصدي السِّياسي له، وضوابط الاجتهاد المقاصدي السِّياسي عنده.

وأما الباب الثاني فقد عنونته بـ: تطوُّر الاجتهاد المقاصدي السِّياسي وأصوله النظرية عند الشيخ نحناح، وقد قسمته إلى أربعة فصول، وهي:

– الأول: نشأة الاجتهاد المقاصدي السِّياسي وتطوُّره: فتحدثت عن الاجتهاد المقاصدي السِّياسي في العهد النبوي، والاجتهاد المقاصدي السِّياسي في عهد الصَّحابة، وتطوُّر الاجتهاد المقاصدي السِّياسي قديمًا (الاجتهاد المقاصدي السياسي عند المالكية نموذجًا)، والاجتهاد المقاصدي السِّياسي حديثًا.

– والثاني: مرجعية الفكر المقاصدي السِّياسي عند الشيخ نحناح: فتحدَّثت عن مرجعية القرآن الكريم، ومرجعية المنهج الحركي للسيرة النبوية الشريفة، ومرجعية الحركة الوطنية وجمعية العلماء المسلمين الجزائريين، ومرجعية الفكر الإنساني المعاصر.

– والثالث: منظومة الفكر المقاصدي السِّياسي عند الشيخ نحناح: فتحدثت عن نحناح وفقه الواقع، ونحناح وفقه الأولويات، ونحناح وفقه الموازنات، ونحناح وفقه المآلات.

– والرابع: روافد التجربة السِّياسية المقاصدية للشيخ نحناح: فتحدثت عن مدرسة الإصلاح عند ابن باديس، ومدرسة المنهج الحركي لحسن البنا، ومدرسة المقاصد عند الشاطبي، ومدرسة التاريخ وسُننه عند ابن خلدون، ومدرسة العقل والنقل لابن تيمية.

وأما الباب الثالث فقد عنونته بـ: الاجتهاد المقاصدي السِّياسي في التجربة العملية للشيخ نحناح، وقد قسمت هذا الباب إلى أربعة فصول، وهي:

– الأول: التجربة السِّياسية لنحناح ونقدها: فتحدثت عن الشيخ نحناح وثنائيات التجربة السِّياسية (معادلة السلطة والدولة، معادلة الحكم والحكومة، معادلة الدعوة والسياسة، معادلة الوطنية والأممية، معادلة المشاركة والمعارضة)، ونقد التجربة السِّياسية للشيخ نحناح.

– والثاني: الاجتهاد المقاصدي في منهج الإصلاح والتغيير للشيخ نحناح: فتحدثت عن الإمكان السُّنني للتغيير عند الشيخ نحناح، ومذهب السَّيف والموازنات الشرعية في التاريخ الإسلامي، ومذهب السَّيف والموازنات الشرعية في التاريخ السياسي الجزائري المعاصِر، والاجتهاد المقاصدي في منهج التغيير السِّلمي عند الشيخ نحناح.

– والثالث: الاجتهاد المقاصدي في استدعاء القيم السِّياسية عند الشيخ نحناح: فتحدثت عن الاجتهاد المقاصدي في استدعاء قيمة الديمقراطية، والاجتهاد المقاصدي في استدعاء قيمة الحرِّية، والاجتهاد المقاصدي في استدعاء قيمة المواطنة، والاجتهاد المقاصدي في استدعاء قيمة الأمن والسِّلم، والاجتهاد المقاصدي في استدعاء مقصد حفظ الدولة.

– والرابع: الاجتهاد المقاصدي في المشاركة السِّياسية للشيخ نحناح: فتحدثت عن الاجتهاد المقاصدي في مواجهة العَلمانية، والاجتهاد المقاصدي في مسألة الشَّرعية السِّياسية، والاجتهاد المقاصدي في العمل البرلماني، والاجتهاد المقاصدي في المشاركة في الحكومة، والاجتهاد المقاصدي في حلِّ الأزمة وحقن الدِّماء.

* أكَّد الشيخ نحناح على حقيقة شمولية الإسلام، فقال: “إنَّ شمولية الإسلام لا يمكن أنْ تعني الجمود أو الحَرْفية… إنما تعني الاجتهاد والإبداع الفردي والجماعي الدائم، وتعني الابتكار والاقتباس والتجريب المُثْمِر، وتعني السَّعي للتلاؤم والتكيُّف مع واقع الزَّمان والمكان، بما لا يتناقض مع الأصول والكلِّيات..”.

* واجه الشيخ نحناح بعد دخول الجزائر في المأساة الوطنية أخطر التحديات في مسيرته السياسية، وهي تحدي الخطر على الإسلام، وتحدي الخطر على الدولة، وتحدي الخطر على الديمقراطية، فتبنَّى في تجربته السِّياسية منظومةً فكريةً وسياسيةً مبنيةً على الاجتهاد المقاصدي في الموازنة بين المصالح والمفاسد، والنظر في مآلات الخيارات والمواقف.

* يؤكد الشيخ نحناح رحمه الله أنَّ ضوابط هذا الاجتهاد هي التي تميُّز الفكر السياسي الإسلامي عن الشيوعية والرأسمالية، فيقول: “والحقيقة أنَّ العمل الإسلامي له ضوابط، غير هذيْن المنزَعيْن (المنزع الشيوعي الأهوج، والمنزع الرأسمالي المتوحِّش)… وأهمُّ هذه الضَّوابط أنه ينطلق وأمامه أمران مهمَّان: المقاصد والمصالح..”.

*  هناك جدلٌ كبير حول مفهوم الدولة في الفكر السِّياسي الإسلامي المعاصر، وفي التجربة السِّياسية للحركة الإسلامية المعاصرة، ومنها التجربة السِّياسية للشيخ نحناح، وقد تمَّ الاقتراب بشكلٍ واقعيٍّ من مفهوم الدولة الحديثة، والتحوُّل نحو الدولة الوطنية القُطرية كحقيقةٍ واقعية لا مناص من الاعتراف بها والتعامل معها.

وقد أثبتت هذه الدراسة عدة نتائج، ووضعتنا أمام جملةٍ من الآفاق، ومنها:

1/ أثبتت الدراسة أنه هناك عقلا أصوليّا ومقاصديا للشيخ نحناح لا يخفى على المستقرئ لاجتهاده السِّياسي على مستوى التنظير أو التطبيق، والذي يقوم على دعائم أساسية، وهي التمييز بين الثوابت والمتغيِّرات، والمزاوجة بين فقه الاستنباط وفقه التنزيل، والأخذ بأنواعٍ من الفقه الحي، مثل: فقه المقاصد، وفقه الواقع، وفقه الأولويات، وفقه الموازنات، وفقه المآلات.

2/ من أخطر التحدِّيات التي واجهت الشيخ نحناح في اجتهاده المقاصدي السِّياسي: تحدِّي الأزمة التي مرَّت بها الجزائر في التسعينيات، والتي فرَضَت عليه النَّظر المقاصدي وفق الموازنات الشَّرعية، وضرورات التعامل مع الفتنة بعقلانية، والتي اقتضت اعتباراتٌ مصلحيةٌ شرعيةٌ عنده الحفاظَ على الإنسان والدِّين والدولة، وأنَّ حلَّ تلك الأزمة -في نظره- لن يكون إلا بالإسلام ببُعده المقاصدي السِّياسي، وفق قيم الشَّعب الجزائري.

3/ كانت للشيخ نحناح اجتهاداتٌ مقاصديةٌ سياسية في المشاركة السِّياسية العامَّة مثيرةً للجدل، للخِلاف في تقدير المصلحة والمفسدة فيها، مثل: الموقف من “العنف والإرهاب”، ومسألة مواجهة العَلمانية والعلاقة مع العَلمانيين، ومسألة الشَّرعية السِّياسية للسُّلطة في البلاد رغم التزوير، ومسألة المشاركة في الانتخابات في ظلِّ نظامٍ متحكِّم في النتائج، ومسألة المشاركة في الحكومة في ظلِّ الفساد والاستبداد.

4/ هناك جدلٌ كبير حول مفهوم الدولة في الفكر السِّياسي الإسلامي المعاصر، وفي التجربة السِّياسية للحركة الإسلامية المعاصرة، ومنها التجربة السِّياسية للشيخ نحناح، وقد تمَّ الاقتراب بشكلٍ واقعيٍّ من مفهوم الدولة الحديثة، والتحوُّل نحو الدولة الوطنية القُطرية كحقيقةٍ واقعية لا مناص من الاعتراف بها والتعامل معها.

5/ أخذ الشيخ محفوظ نحناح بفقه المآلات والموازنات في الاجتهاد المقاصدي السِّياسي في التعاطي مع مفهوم الدولة المعاصرة، فعبَّر عن مركزية الدولة في الفكر المقاصدي السِّياسي له، والذي ربط صلاح الشَّعب بالمحافظة عليها، وأنَّ المصلحة الشَّرعية تقتضي وجودها وبقاءَها.

أمَّا الإضافات العلمية، فنذكر منها:

_ أصالة الاجتهاد المقاصدي السِّياسي في الجزائر قديمًا وحديثًا، وهو امتدادٌ طبيعيٌّ لتطوُّر النَّظر المقاصدي السياسي في المذهب المالكي، والذي يمثِّل أحد أركان المرجعية الدِّينية الوطنية في الجزائر.

_ الوجه المقاصدي عن الشيخ نحناح في خياراته ومواقفه وموازناته، وهو ما أثبت حضور النَّظر المقاصدي في الاجتهاد السِّياسي لتلك التجربة السِّياسية الشَّائكة له.

_ أنَّ الشيخ نحناح جمع بين التنظير والتطبيق في العلاقة بين “علم مقاصد الشريعة الإسلامية” و”علم السِّياسة الشَّرعية”، فقد جمع بين “المـُدارسة” و”الممارسة”، والتوفيق بين “رجل الفِكر” و”رجل التنظيم”.

وأمَّا الآفاق المستقبلية للدراسة، فيمكن أنْ نُجْمِلها فيما يلي:

1) ضرورة التمييز في العمل السِّياسي بين الفقه السِّياسي والفكر السِّياسي: لأنَّ النصوص الشرعية متناهية، بينما النوازل والمستجدات والمتغيرات السياسية غير متناهية.

1) حتمية المراجعة والتجديد عند الحركة الإسلامية المعاصرة لحلِّ أزمة القيادة والتنظيم ومقاربات التغيير والتمكين.

3) هناك معضلاتٌ يجب على الحركة الإسلامية المعاصِرة معالجتها، منها: الموازنة بين “فقه المبدأ” و”فقه المنهج”، وأولوية المقاصد والأفكار على الأشخاص والأشكال والوسائل، والتوازن بين الالتزام والمبادرة، وتلازم الكمِّ مع الكيف، ومعالجة فاعلية التكوين الداخلي بالعمل السياسي الخارجي.

4) هناك ملامح ضرورية لنجاح الحركة الإسلامية في المستقبل، ومنها: العُمق الفكري والفاعلية العملية، واستخلاص العبرة التاريخية، والاهتمام بالقوى النوعية الصَّلبة، ومنهج الترفُّق والتدرُّج وعدم الانعزال، وسيادة المؤسَّسية.

5) آفاق ما بعد الحركة الإسلامية الكلاسيكية: بالتأهُّل إلى استحقاقات الدعوة والدولة، والحركة الإسلامية ونظرية المقاصد في عملية التجديد والعمل السياسي، والحركة الإسلامية وضرورات إعادة التشكُّل والانبعاث.

6) تعميق النظر في تحدِّي عبور الفكرة الإسلامية من الصَّحوة على مستوى خطِّ المجتمع إلى النهضة على مستوى خطِّ الدولة، كاستحقاقٍ تاريخيٍّ سُننيٍّ للاستئناف الحضاري للأمة الإسلامية من جديد.

لقد واجه الشيخ نحناح أصعب الاجتهادات المقاصدية، وهي تلك المعادلات الصَّعبة في العمل السِّياسي، وهي: معادلة السُّلطة والدولة، ومعادلة الحُكم والحكومة، ومعادلة الدعوة والسِّياسة، ومعادلة المشاركة والمعارضة، ومعادلة الوطنية والأممية، وهو الذي اختار منهج الوسطية والاعتدال –وفق النظر المقاصدي- في عملية التغيير عبر المشاركة السِّياسية العامَّة، والإصلاح السِّياسي الشَّامل.

مقالات ذات صلة