مختصون يدعون إلى إعادة الاعتبار للعلوم الإنسانية في الجزائر ويؤكدون:
الاحتجاجات كشفت عن إفلاس النخبة وسقوط أسطورة الحل السحري للعلوم الدقيقة
كشفت الاحتجاجات الأخيرة في الجزائر عن وجود فراغ مريع في الساحة الثقافية ولدى النخبة التي أفلست وفشلت في استقطاب الشارع، حيث وقف المثقفون موقف الغائب أو الصامت وفي أحسن الأحوال موقف المتفرج الذي لا يكاد يفهم ما يدور حوله، فيما اكتفت النخبة السياسية من الأحزاب والشخصيات الوطنية بتبني خطاب الشارع وتحميل بعضها البعض مسؤولية ما يحدث…
-
وظهر للعيان بؤس هذه الطبقة التي ما تزال تخاطب الشارع بنفس محتوى خطاب التسعينيات، مما يكشف أنها لم تغير خطابها ولم تطور أدواتها التي تجاوزها الشارع بسنوات ومراحل، وهو ما يعطى دلالة واضحة أن خطاب النخبة سواء كانت سياسية أو مثقفة أفلس ولم يعد يقنع أحدا.. ببساطة لأنه لم ينتج أدواته طوال سنوات الأزمة وبعدها، حيث تحول فيها كل من المثقف والسياسي إلى مجرد باحثين عن مكانة تحت شمس النظام.
-
مشكل غياب التأطير النخبوي في الجزائر يعود في جزء منه إلى التجاهل الذي تمارسه الجامعة الجزائرية والنظام التعليمي عموما تجاه العلوم الإنسانية بوصفها علوما تبيع الكلام ولا تنتج، أو علوم من الدرجة الثانية، حيث انخرطت الجزائر على غرار العديد من الدول العربية ودول العالم الثالث على امتداد سنوات في تكريس الاهتمام بما يعرف بالعلوم الدقيقة مثل الطب والصيدلة أو تلك العلوم التي كان يعول عليها لبناء المصانع واستيراد مظاهر الحضارة، بينما تم وعلى امتداد سنوات أيضا إهمال بناء الإنسان الذي هو الحجر الأساسي لأي بناء حضاري.
-
يعود الإهمال الذي مارسته الجزائر لعقود للعلوم الإنسانية، حسب الباحث ناصر جابي، إلى أن صاحب القرار في الجزائر يقرر بنفسه ووحده ولا يعمد إلى الاعتماد على ما تنتجه الجامعة أو المختصون، لذا جعلت من هذه العلوم كما يرى جابي مجرد ديكور تعليمي تقوم من خلاله الجامعة بوظيفة التلقين والتعليم في هذه المجالات بدل دور الباحث ومسائلة الواقع حيث لم يحدث في الجزائر مثلا أن انخرطت مراكز وفرق البحث مع الأحداث والظواهر التي ينجها المجتمع ومختلف التحولات التي ينتجها مثلا، يقول جابي لم تستقطب ظاهرة الانتخابات ولا الانتحار ولا الحرڤة أنظار الباحثين.
-
وفي سياق متصل، يستبعد جابي أن تكون الجامعة بوضعها الحالي قادرة على التعبير عن احتياجات الواقع الجزائري وسط المشاكل والأزمات الوظيفية، التي تتخبط فيها الجامعة كمنظومة بأساتذتها وطلبتها، لذا يرى الباحث في الحركات العمالية ناصر جابي أنه من الأهمية بما كان أن نعيد اليوم النظر في مكانة العلوم الإنسانية بوصفها حقلا لإنتاج الفكر والرموز واقتراح الحلول لمختلف التغييرات الاجتماعية التي تعرفها الجزائر.
-
ويربط الدكتور عمر أزراج بين دور الجامعة والمشروع الحداثي في البلاد، حيث يتساءل عن أسباب غياب “مشروع متكامل وواضح المعالم لدى الدولة الجزائرية لبناء الإنسان الجديد” ويقر بأن العلوم الإنسانية هي جوهر تشكيل وبناء الإنسان، والجامعة حسب قول أحد المفكرين “تتولى إنتاج المعرفة وتوزيعها وتكوين المواطنين”، ويعتبر أزراج أن فشل الجزائر في استخدام العلوم الإنسانية يعود لعدم تأسيسها على “مشروع وطني تكاملي وتوافقي فكرا، ومنهجا وعقيدة ومحتوى ثقافيا. كما أنه غير مبني على تخطيط وأتطير لهما طبيعة حداثية.” إضافة إلى تقوقع الجامعة وعدم انفتاحها على التجارب الناجحة خاصة في آسيا والغرب، زيادة على افتقار البلاد إلى مشروع حداثتي للتنمية في جميع المجالات، واعتبر مثلا أزراج أن تدريس التاريخ بالشكل الذي يتم به الآن في الجامعات لا يجعله يؤدي دوره كمكون للوعي الاجتماعي يعمل على تشكيل هذه البنيات داخل مسار ابتكار الهوية الجديدة.
-
من جهة أخرى قال أزراج إن علم الاجتماع في الجزائر تقليدي لا يربط عضويا نفسه بمهمة المبادرة ببناء تصورات ونماذج أولية للتنمية في كل المجالات التي تشكل رهانات التقدم الاجتماعي.
-
وهو أيضا يعتمد على إخضاع الواقع للنظريات الجاهزة المستوردة غالبا بدون فهم للظروف الاجتماعية التي شكلتها.
-
أما الباحث والكاتب إبراهيم صحراوي، فيرى أن مسألة إهمال العلوم الإنسانية أعمق وتعود إلى عدم الحسم في المشروع الثقافي الجزائري وإيجاد الإجابة للسؤال التالي: “أية ثقافة للجزائريين” حيث يشير إبراهيم صحراوي إلى إهمال الثقافة وجعلها في مرتبة ادنى من الثورة الصناعة والزراعية في العهد الاشتراكي حيث اقُتصِر فيها على بناء الهياكل دون بناء العقل والفِكر مما أثَّر على المنظومة الفكرية الثقافية للجزائريين وانعكس أكثر ما انعكس على المنظومة التربوية بكل مراحلها. إذ يتم توجيه الطلبة النجباء إلى الفروع العلمية بينما يوجه الطلبة الفاشلون دراسيا او أصحاب المعدلات الضعيفة إلى التخصصات الإنسانية، زيادة على تراجع المثقفين عموما والمفكِّرين الجامعيين منهم بصورة أخص إلى آخر الصفّ في اهتمامات السلطة وانغلاق منابر التعبير أمامهم وانعدام قنوات الاتصال مع الجماهير العريضة وغياب الحوافز، إضافة إلى الودّ المفقود بين السلطة وشرائح واسعة من المثقَّفين، كلّ هذا أدَّى إلى تجريدهم من وظيفتهم الأساس: إنتاج القِيَم والوعي والرأي، ونقلها إلى فئات أخرى (الرياضيون ولجان المساندة) آخر اهتماماتها الثقافة.
-
وذكر المتحدث بوهم التصنيع الذي انتهجته الجزائر عقب انقلاب الرئيس الراحل هواري بومدين فانهارت المؤسسات لأن بناء الذهنيات قبل بناء الجدران، ولم يغفل الدكتور صحراوي دور صراع أجنحة السلطة واختلاف رؤاها وضبابيتها، ومزايداتها الإيديولوجية بعضها على بعض من فجر الاستقلال إلى يومنا، مع الفوقية في اتخاذ القرارات وعدم إشراك القاعدة في تقرير الإصلاحات الكبرى مثلما هو الحال في إصلاحات المنظومة التربوية بكل مستوياتها أو فتح نقاشات صورية لا تأخذ بالاقتراحات، وهم التصنيع الذي انخرطت فيه البلاد لم يحقق لنا الشيء الكثير في مجال العلوم الدقيقة حتى أن الجزائر ما زالت في المراتب الدنيا مقارنة بجيرانها العرب في مجال الاشتراك في الانترنت واستعمال التكنولوجيات الحديثة، حيث لم يتجاوز عدد المشتركين في الانترنت 4 ملايين شخص من بين 40 مليونا، وهذا حسب إحصاءات الشبكة العالمية أي 12 في المئة فقط من السكان، فيما لم يتجاوز عدد المشتركين في الفايس بوك حسب نفس الشبكة مليون شخص .