الرأي

الاحتلال يستنجد بالمرتزقة! 

حسين لقرع
  • 1023
  • 0

تزايدت، في الآونة الأخيرة، التقاريرُ الإعلامية العبرية التي تتحدّث عن مشكلة النقص الحادِّ في عدد جنود جيش الاحتلال، بالتزامن مع تصاعد وتيرة المواجهات مع حزب الله، في جنوب لبنان، وهي المشكلة ذاتُها التي أثارتها وسائلُ إعلام العدوِّ، خلال الأشهر الأخيرة من حرب غزة، ثمّ تلاشى الحديثُ عنها، بعد دخول وقف إطلاق النار مع المقاومة الفلسطينية حيّز التنفيذ، في 10 أكتوبر 2025.

القاسمُ المشترك بين حرب غزة والحرب الدائرة الآن بجنوب لبنان، أنَّ جيش الاحتلال تكبَّد في الجبهتين خسائرَ مادية وبشرية كبيرة، جعلته في كلِّ مرة يتحدّث عن نقص كبير في عدد جنوده، وعن ضرورة سنِّ قانون لإجبار آلاف اليهود المتدينين، المعروفين باسم “الحريديم”، على أداء الخدمة العسكرية، ككل اليهود في فلسطين. في حرب غزة، فقدَ الاحتلالُ الآلاف من جنوده الذين سقطوا بين قتيل وجريح، واعترف مرارًا بوجود نحو 20 ألف جندي مصاب بمستشفيات الكيان، بفعل ضراوة المعارك اليومية مع المقاومة الفلسطينية، طيلة سنتين من الحرب. لكنّ الأرجح، أن يكون عددُ الجنود الجرحى أضعاف هذا الرقم، والأمر ذاتُه ينطبق على عدد القتلى، وإلا لما كان هناك نقصٌ في جيش يُعدُّ عناصرُه النظامية والاحتياطية بمئات الآلاف…

في جنوب لبنان، يتكرّر السيناريو ذاته؛ فجيشُ العدوّ يحتلّ مساحاتٍ مكّنته من إقامة منطقة عازلة بعمق يصل إلى نحو عشرة كيلومترات، وهو يبسط سيطرته على عشرات القرى والبلدات اللبنانية الحدودية، لكنّه، مع ذلك، يتعرَّض لحرب استنزافٍ خطيرة، يشنُّها ضدّه عناصرُ حزب الله بلا هوادة، لاسيما بعد تجدُّد الحرب في 2 مارس إلى اليوم، إذ تبيّن أنّ الحزب قد نجح، خلال هدنة الـ15 شهرًا (27 نوفمبر 2024- 2 مارس 2026) في ترميم قُدراته العسكرية المتضرِّرة بشدّة من حرب إسناد غزة، كما تمكَّن من إدخال سلاح جديد أربك به جيش الاحتلال بشدّة، وهو سلاحُ الطائرات المسيَّرة الانقضاضية، التي تعمل بالألياف البصرية، بدل موجات الراديو التي يمكن التشويشُ عليها إلكترونيًّا. وقد وجّهت هذه المسيَّرات لجنوده ضربات قاصمة منذ 2 مارس إلى اليوم، وتسبَّبت- فضلا عن المواجهات الميدانية- في إصابة أزيد من 1300 جندي صهيوني بجروح متفاوتة، وقتل 30 آخر، وبرغم يقيننا من أنّ العدوَّ يتكتّم على خسائره الحقيقية، إلا أنّه حتى العدد المعلَن عنه من الجنود الجرحى ليس هيِّنا، لأنَّ الكثير منهم إصابته بليغة، ولن يعود إلى الخدمة، وإذا استمرّت هذه الحربُ أشهرا أخرى، فستتضاعف خسائرُ الاحتلال بالتأكيد، ما دام عاجزا عن إيجاد حل عملي لمُسيّرات حزب الله، وسيُجبَر مرة أخرى على الانسحاب مهزوما ذليلا.

ويؤكّد قادةٌ عسكريون بجيش الاحتلال الحاجة المُلحّة إلى تجنيد 12 ألف جندي إضافي، منهم نحو 7500 مقاتل، لكن، في ظلّ استمرار رفض آلاف “الحريديم” الخدمة العسكرية، فقد بدأ بعضُهم يقترح الاستعانة بـ”فيلق أجنبي” يتكون من 12 ألف مرتزق يمكن دمجُهم في الجيش بأجور مغرية، تتراوح ما بين 8 آلاف و10 آلاف دولار شهريًّا.

هذا الإجراءُ قد يسدُّ النقص العددي مؤقتًا في جيش الاحتلال، إذ يمكنه تجنيد آلاف المرتزقة الأجانب بهذه الأجور المغرية، وقد عمل الكثيرُ منهم بأجور أقلّ في جبهات أخرى، مثل السودان وغيرها، لكن، هل يستطيع المرتزقةُ حسم الحروب الصهيونية ضدّ حزب الله والمقاومة الفلسطينية؟ طيلة سنتين من حرب غزة استعان الاحتلالُ بآلاف اليهود المتطوعين، الذين هبّوا عليه من شتى دول العالم، فماذا قدّموا له في الميدان غير المشاركة في المجازر ونهب بيوت الفلسطينيين؟ وهل يحارب هؤلاء بجرأة وإقدام في وقتٍ يعاني فيه جنود الاحتلال من هبوط كبير في المعنويات ورعب من مسيّرات حزب الله؟

العدوُّ الصهيوني في ورطة كبيرة؛ فقد قُتل أو أصيب عشراتُ الآلاف من جنوده في حربي غزة وجنوب لبنان، يضاف إليهم تسريحُ 7241 ضابط وجندي، بسبب إصابتهم باضطرابات نفسية حادّة في السنة الأولى فقط من حرب غزة، بحسب صحيفة “هآرتس”، كما يضاف إليهم الآلافُ، وربّما عشرات الآلاف، من جنود الاحتياط المتهرِّبين من الخدمة، وهي مسألة معروفة… إنّها مؤشراتٌ عديدة عن مدى إنهاك جيش الاحتلال وبداية تآكله وانهياره تدريجيًّا، ولن ينفعه مرتزقةُ العالم أجمع، لأنَّهم يقاتلون من أجل المال ولا مبدأ لهم، ولا قوّتُه النارية الضخمة والدعمُ الأمريكي غير المحدود… المؤمنون بقضاياهم فقط هم الذين يحسمون الحروب لصالحهم بصبرهم وثباتهم وقوَّة عزيمتهم واستعدادهم الكامل للتَّضحية، ولا تحسمها كثرةُ العدد والعدَّة. والله غالبٌ على أمره ولكنّ أكثر الناس لا يعلمون.

مقالات ذات صلة