-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
انتهت الحرب وبقي القتل

الاحتلال يواصل جرائمه… ثلاث سنوات من “طوفان الأقصى”

الاحتلال يواصل جرائمه… ثلاث سنوات من “طوفان الأقصى”

كان يفترض أن تنتهي الحرب على غزة قبل عام، وأن يتحول اتفاق وقف إطلاق النار، الذي دخل حيز التنفيذ في أكتوبر 2025، برعاية أمريكية ودولية، إلى بداية لوقف القتل وفتح المعابر وإطلاق مسار الإغاثة وإعادة الإعمار. لكن ما حدث على الأرض سار في الاتجاه المعاكس: توقّف الإعلان عن الحرب، ولم يتوقف الاحتلال عن ممارسة أدواتها.

فعلى مدى عام كامل من اتفاق وقف إطلاق النار، بقي الفلسطينيون في غزة تحت القصف وإطلاق النار والتهجير والحصار، فيما واصلت القوات الإسرائيلية توسيع مناطق انتشارها وفرض قيود على حركة السكان والمساعدات. وتظهر المعطيات الصحية أن نحو 1440 فلسطيني استشهدوا وأصيب أكثر من 5 آلاف آخرين منذ بدء الاتفاق، في حصيلة تؤكد أن الهدنة لم تتحول إلى حماية فعلية للمدنيين. كما وثقت الأمم المتحدة مئات حالات القتل في المناطق القريبة من الانتشار الإسرائيلي، وحذرت من أن توسيع مناطق السيطرة داخل القطاع يفاقم الخطر على المدنيين ويقيد العمل الإنساني.

ولم يعد الأمر يتعلق بحوادث متفرقة يمكن وضعها في خانة «الخروقات»، فقد تحدثت معطيات صادرة عن مكتب الإعلام الحكومي في غزة عن آلاف الانتهاكات الإسرائيلية لاتفاق وقف إطلاق النار، شملت القصف المدفعي والجوي وإطلاق النار المباشر وهدم الممتلكات والتوغلات والاعتقالات. ووفق أرقام نقلتها مصادر إعلامية عن المكتب، تجاوز عدد الانتهاكات 4 آلاف خلال الأشهر الأولى من الاتفاق.

وفي الوقت الذي كان يفترض فيه أن تنسحب مظاهر الحرب تدريجيًا من القطاع، بقيت مظاهرها حاضرة في حياة الغزيين: صواريخ وطائرات مسيّرة، إطلاق نار، مناطق ممنوعة، هدم، نزوح، مستشفيات عاجزة عن استعادة قدرتها، ومعابر لا تعمل بصورة منتظمة. ووثقت الأمم المتحدة استمرار سقوط المدنيين في مناطق قريبة من القوات الإسرائيلية، مؤكدة أن توسيع مناطق السيطرة بعد وقف إطلاق النار زاد المخاطر على السكان وأعاق وصول المساعدات.

الأخطر، أن القتل لم يتراجع مع مرور الوقت، بل شهدت الأسابيع الأخيرة ارتفاعًا في وتيرته. ويقول مدير دائرة المعلومات الصحية في وزارة الصحة بغزة، الدكتور زاهر الوحيدي، إن متوسط الشهداء الذي كان يتراوح في فترات سابقة ما بين ثلاثة وأربعة يوميًا، ارتفع خلال موجات التصعيد الأخيرة إلى 8 و10 شهداء يوميًا، مع تسجيل 1440 شهيد وأكثر من 5 آلاف جريح منذ سريان الاتفاق، بحسب المعطيات التي أدلى بها لـ«الرسالة نت». وتظهر أرقام منشورة مطلع أكتوبر أن الحصيلة بلغت 1439 شهيد و5052 جريح، منذ بدء وقف إطلاق النار.

ولم تسلم العائلات من هذا المسار، فبحسب وزارة الصحة في غزة، أدت الاعتداءات خلال فترة وقف إطلاق النار إلى محو ثلاث عائلات فلسطينية بالكامل من السجل المدني، في مشهد يعيد إنتاج واحدة من أكثر صور الحرب قسوة، رغم أن المجتمع الدولي أعلن قبل عام انتهاء العمليات العسكرية واسعة النطاق.

وبالتوازي مع القتل، تحولت المعابر إلى إحدى أدوات الضغط على القطاع. فقد وثقت الأمم المتحدة حالات إغلاق للمعابر التي يعتمد عليها دخول المساعدات، وحذرت من أن إغلاقها يعطل وصول المواد المنقذة للحياة إلى سكان يعتمدون بصورة كبيرة على الإمدادات الخارجية. وفي جوان 2026، أدى إغلاق كرم أبو سالم ورفح إلى عرقلة تدفق المساعدات، بينما استمرت الغارات والقصف وإطلاق النار في تعريض المدنيين والبنية التحتية للخطر.

وهكذا، لم يكن وقف إطلاق النار بالنسبة إلى غزة نهاية للحرب بقدر ما كان انتقالًا إلى شكل آخر من أشكالها؛ فالاحتلال لم يعد في حاجة إلى إعلان عملية عسكرية شاملة حتى يبقي القطاع تحت النار. يكفي أن تستمر الضربات اليومية، وأن تبقى مناطق واسعة تحت السيطرة العسكرية، وأن تظل المعابر خاضعة للمنع والتقييد، وأن يعيش ملايين الفلسطينيين بين الركام والخيام وتحت تهديد السلاح.

وتكشف الحصيلة التي تراكمت خلال عام أن المشكلة لم تكن في صياغة إعلان سياسي عن وقف الحرب، وإنما في غياب التنفيذ والمحاسبة. فقد أكد مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، فولكر تورك، في أفريل 2026 أن الفلسطينيين في مختلف أنحاء غزة ما زالوا غير آمنين بعد ستة أشهر من إعلان وقف إطلاق النار، وأن استمرار عمليات القتل يعكس نمطًا متواصلًا من تجاهل حياة الفلسطينيين، وسط ما وصفه بالإفلات من العقاب.

وبعد ثلاث سنوات من «طوفان الأقصى»، تبدو المفارقة صارخة: اتفاق دولي قيل إنه جاء لإنهاء الحرب، لكنه لم يمنع الاحتلال من مواصلة القتل؛ وضمانات دولية لم تتحول إلى حماية؛ ومعابر يفترض أن تكون شريانًا للحياة تحولت إلى أداة حصار؛ وانسحاب كان يفترض أن يفتح الطريق أمام التعافي، قابله استمرار التواجد والسيطرة داخل القطاع.

وبذلك، تدخل غزة عامها الرابع من الحرب، وهي لا تزال تدفع ثمنها يوميًا، ليس فقط تحت القصف، وإنما أيضًا في ظل استمرار الحصار وتقييد المساعدات وتعطيل العلاج وإبقاء أجزاء واسعة من القطاع تحت السيطرة العسكرية. أما «وقف إطلاق النار»، الذي كان يفترض أن يكون نهاية المأساة، فقد أثبتت الأشهر التي تلته أن الإعلان عن انتهاء الحرب شيء، وإجبار الاحتلال على إنهائها فعليًا شيء آخر تمامًا.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!