الارتفاع القياسي لأسعار الأورو… فُقاعة مُضاربة ظرفيّة
– هباش لـ”الشروق”: الطلب على السيارات الجديدة والمستعملة ساهم في الضغط
– السوق سيتراجع مع نهاية الشهر بانحسار الشراء وانخفاض حرارة السمسرة
– مير: قرار الحدّ من المتاجرة بالمركبات المستوردة سيقلّص من المضاربة
بلغ سعر صرف الأورو، الأربعاء، في السوق الموازية للعملة الصعبة بساحة بور سعيد بالعاصمة، مستوى غير مسبوق، بعد أن لامس 28 ألفا و800 دينار للشراء و28 ألفا و600 دينار للبيع لكل مائة وحدة من العملة الأوروبية، مع تفاوت بسيط في بقية نقاط بيع العملة عبر الوطن.
هذا الارتفاع القياسي، ورغم أنه الأول من نوعه، غير أن الخبراء يؤكدون أن ما يحدث مجرد “فقاعة مضاربة” سرعان ما ستتراجع مع نهاية الشهر، بمجرد انحسار الطلب وانخفاض حرارة السمسرة.
ويرجع المختصون هذا الارتفاع أساسًا إلى المضاربة المكثفة من طرف تجار السوق الموازية، وإلى الإقبال الكبير على استيراد مركبات أقل من ثلاث سنوات منذ جويلية الماضي من الصين، قبل صدور القرار الجديد الذي يمنع بيع هذه السيارات في غرف العرض ويجعل استيرادها مخصصا للاستعمال الشخصي فقط، خطوة ينتظر حسب البعض، أن تقلّص الطلب على الأورو خلال الأيام المقبلة، وتعيد الأسعار إلى مستويات أكثر استقرارا.
وفي السياق، صرّح الخبير الاقتصادي فارس هباش لـ”الشروق”، أنه في أعقاب الارتفاع القياسي لسعر الأورو في السوق الموازية خلال الساعات الأخيرة – بعد تجاوزه 280 دينار واقترابه من 290 دينار، لأول مرة – بأن ما يحدث “ليس حالة اقتصادية طبيعية ولا نتيجة مباشرة لملف السيارات فقط، بل فقاعة مضاربات غير مبررة”.
وأوضح هباش أن سوق الصرف تعرف ارتفاعات مفتعلة يقودها أصحاب العملة بـ”السكوار”، حيث يسعون إلى رفع أسعار الشراء لرفع أسعار البيع وتحقيق أرباح أكبر، مؤكدا أن هذا السلوك هو المحرك الأساسي للقفزة الحالية، وليس الطلب الحقيقي.
وأضاف المتحدث أن ارتفاع الطلب على السيارات الجديدة والمستعملة أقل من ثلاث سنوات ساهم نسبيا في الضغط على العملة الصعبة، شأنه شأن نشاط الوسطاء، لكن “هذه العوامل لا تبرّر أبدا وصول السعر إلى هذا المستوى الخيالي”.
وأشار الخبير إلى أن الوضع يشبه ما حدث سنة 2008 مع أزمة الرهن العقاري، عندما تشكلت فقاعة نقدية تضخمت بسرعة قبل أن تتراجع، معتبرا أن ما يجري اليوم فقاعة مؤقتة ستتراجع بمجرد تراجع حرارة المضاربة وزوال حالة الذعر لدى المدّخرين.
كما لفت هباش إلى أن بعض الإجراءات المرتبطة بمنصة “المقاول الذاتي” واستلام مبالغ تصل إلى 360 مليون سنتيم شهريا، قد خلقت حركة إضافية في السوق، لكنها أيضا ليست السبب الرئيسي في الانفجار الأخير.
وختم الخبير الاقتصادي تصريحه بالتأكيد على أن “هذا المستوى من الأسعار لن يصمد، ومن المرجّح أن تعرف السوق انخفاضا بنهاية الشهر مع تراجع المضاربة وعودة التوازن النسبي بين العرض والطلب”.
أما عضو لجنة المالية والميزانية بالمجلس الشعبي الوطني، محمد مير، فقد صرح لـ”الشروق”، أن الوقت قد حان لـ”محاصرة سوق العملة الصعبة في السكوار وباقي النقاط السوداء، وضمّها تدريجيًا للسوق الرسمية عبر فتح مكاتب صرف مقنّنة”، مؤكّدًا أن الإطار القانوني موجود، وأن المطلوب حاليا هو التطبيق الفعلي مع تحديد هامش ربح متوسط ومعقول للمتعاملين.
وأوضح مير أن السبب الأول لارتفاع سعر الأورو في السوق السوداء خلال الأسابيع الأخيرة يعود إلى “الإقبال الكبير جدا على استيراد السيارات المستعملة أقل من ثلاث سنوات من الصين، منذ شهر جويلية الماضي، بعد اعتماد الأسعار الجديدة للجمركة”، مشيرا إلى أن هذا الطلب الضخم خلق ضغطا كبيرا على العملة الصعبة في السوق الموازية.
وأضاف أن قرار الحدّ من المتاجرة بالسيارات المستوردة، عبر جعل العملية موجهة للمواطن لاستعماله الشخصي وليس لإعادة البيع في غرف العرض، “سيقلّص بطبيعة الحال من الطلب المضاربي على الأورو، وهو ما سيساهم في تهدئة الأسعار نسبيا خلال المرحلة المقبلة”.
وشدد عضو لجنة المالية على أن معالجة هذا الملف تتطلب مقاربة جادة لاحتواء السوق الموازية وإدماجها في الدورة الرسمية، عبر أدوات تنظيمية واضحة ومكاتب صرف معتمدة تقدم خدمات آمنة للمواطنين.
كما اعتبر أن خطوة قانون المالية 2026، التي تقترح تسوية ودية لبعض المعاملات المالية، “خطوة إيجابية في الاتجاه الصحيح”، لكنه دعا إلى مزيد من الإجراءات التي من شأنها تعزيز الشفافية وتقليص حجم التعاملات خارج الأطر الرسمية.
تيغريسي: حصرية استيراد أقل من 3 سنوات سيقلص الطلب بـ25 بالمائة
من جهته، أوضح الخبير الاقتصادي الهواري تيغريسي في تصريح لـ”الشروق” أن قرار حصر استيراد السيارات أقل من ثلاث سنوات على الأفراد فقط قد يساهم بشكل محدود في تهدئة جزء من الطلب على العملة الصعبة، لكنه لن يكون كافيًا لضبط السوق أو استعادة الثقة.
وقال تيغريسي إن الإجراء الجديد “يعمل على تقليص جزء من الطلب الفردي على اليورو، خصوصًا الطلب المتصل باستيراد السيارات، ما قد يخفّف الضغط على سوق الصرف خلال فترة قصيرة”، لكنه نبّه إلى أن القياس يبقى ظرفيًا ومحدود الأثر، لأن المتعاملين التجاريين والوسطاء “سيبحثون دائمًا عن منافذ للاستمرار في النشاط، سواء عبر استغلال ثغرات قانونية أو عبر الاعتماد على مغتربين أو وكلاء غير مباشرين، ما لم تكن الرقابة صارمة”.
وأبرز المتحدث أن الخلل الأساسي في سوق السيارات “لا يرتبط بالطلب الفردي فقط، بل بغياب الثقة، وحجم القيود، والفوارق الكبيرة بين السعر الرسمي وغير الرسمي للعملة”، معتبرًا أن هذه العوامل “هي التي تولّد فجوة مستمرة لا يمكن لإجراء إداري واحد معالجتها”.
وقدم تيغريسي تقديرًا رقميًا تقريبيًا لتأثير الإجراء، قائلاً إن التطبيق الصارم قد يُخفّض الطلب الشهري على اليورو من طرف الأفراد بنسبة تتراوح بين 10 و25 بالمائة، وفق حجم الطلب الحقيقي على استيراد السيارات، “غير أن هذا الانخفاض لن يكون كافيًا لإغلاق الفجوة السعرية أو إعادة التوازن للسوق، بل قد يوفر فقط فترة تهدئة قصيرة تمتد من شهر إلى ثلاثة أشهر”.