الرأي

الاستثمار في‮ ‬القوة الناعمة للشعوب

حبيب راشدين
  • 2466
  • 0

إما أن الشعوب ذكية بالفطرة،‮ ‬قادرة على تصحيح مسارات دولها،‮ ‬وتقويم أخطاء نخبها الحاكمة،‮ ‬حين تمنح فرصة حقيقية للتصحيح عبر الانتخابات،‮ ‬أو أنها على العكس‮ ‬غبيّة،‮ ‬تُساق كما‮ ‬يساق خراف بنورج إلى الهاوية،‮ ‬حالها كحال من‮ ‬يبحث عن حتفه بظلفه،‮ ‬وليس لدى المحللين من خيار ثالث،‮ ‬وهم‮ ‬يتداولون نتائج الانتخابات التشريعية الأخيرة في‮ ‬تركية،‮ ‬التي‮ ‬رافقتها رهانات محلية،‮ ‬إقليمية،‮ ‬ودولية،‮ ‬تتجاوز حدود تجديد مؤسسة الحكم في‮ ‬تركية‮.‬

بضعة شهور كانت كافية ليتدارك الأتراك حالهم،‮ ‬ويصححوا المسار الذي‮ ‬كاد‮ ‬يدخل البلد في‮ ‬أزمة حكم مستدامة،‮ ‬مع تحرشات من القوى العظمى العدوة والصديقة،‮ ‬وبداية تدفّق النزاع الدائر في‮ ‬سورية داخل الأراضي‮ ‬التركية،‮ ‬وتجدد القتال مع الأكراد،‮ ‬وبداية التدخل العسكري‮ ‬الروسي‮ ‬الذي‮ ‬غيّر موازين القوة‮  ‬في‮ ‬النزاع السوري،‮ ‬ولا أحد من المحللين،‮ ‬أو من مؤسسات سبر الآراء كان‮ ‬يتوقع حصول حزب التنمية والعدالة على أكثر من نصف أصوات الناخبين في‮ ‬استحقاق حطم أرقاما قياسية في‮ ‬المشاركة‮.‬

النتيجة التي‮ ‬أسقطت في‮ ‬أيدي‮ ‬كثير من القوى الإقليمية والدولية المنخرطة في‮ ‬الأزمة السورية،‮ ‬لم تكن نتاج حملة انتخابية خارقة،‮ ‬أو ضعف في‮ ‬المعارضة التركية،‮ ‬بل صنعها الناخب التركي‮ ‬الذي‮ ‬يكون قد قرأ بسرعة التطورات الإقليمية المهددة لبلده،‮ ‬ومنها التدخل العسكري‮ ‬الروسي،‮ ‬واستفزازات طيرانه على الحدود الجنوبية،‮ ‬واتساع رقعة التمدد الإيراني‮ ‬في‮ ‬العراق والشام،‮ ‬وظهور مؤشرات كثيرة عن استدامة الأزمة السورية،‮ ‬واحتمال تطوّرها إلى نزاع إقليمي‮ ‬ودولي‮ ‬مفتوح على جميع الاحتمالات‮.‬

بعيدا عن تداعيات هذا الاستحقاق على الأوضاع في‮ ‬تركية وفي‮ ‬الإقليم ـ وهي‮ ‬كثيرة ـ على رأسها خلط أوراق القوى العظمى ومخرجات لقاء فيينا الأخير،‮ ‬وإحراج حلفاء تركية في‮ ‬حلف الناتو،‮ ‬بعد أن حاولوا خذلان تركية كما خذلوا حلفاءهم العرب،‮ ‬وإرباك الروس وحلفائِهم الإيرانيين،‮ ‬بعيدا عن هذه التداعيات،‮ ‬يُفترض أن نقرأ نحن العرب في‮ ‬هذه الانتخابات مكمن القوة الناعمة التي‮ ‬توفرها المسارات الديموقراطية للنخب الحاكمة،‮ ‬لتعديل موازين قوة تكون ممتنعة حتى عن القوة الصلبة إن وجدت،‮ ‬وهي‮ ‬درس للنخب العربية،‮ ‬التي‮ ‬لم تحسن استغلال الفرص التي‮ ‬أتيحت لها لتوظيف قوة الشعوب الناعمة عبر إشراكها في‮ ‬صناعة القرار‮.‬

الدرس الأول‮ ‬يخص الإسلاميين العرب،‮ ‬وقد فشلوا في‮ ‬إنتاج نموذج إسلامي‮ ‬عربي،‮ ‬يحاكي‮ ‬النموذج التركي،‮ ‬كما حصل في‮ ‬الجزائر والسودان،‮ ‬ومصر،‮ ‬والعراق،‮ ‬وحتى في‮ ‬تونس والمغرب،‮ ‬وفيه أيضا درسٌ‮ ‬للقوى السياسية من‮ ‬غير الإسلاميين،‮ ‬التي‮ ‬تعاملت مع الاستحقاقات الانتخابية كبوابة ومنفذ للسلطة،‮ ‬وليس كأداة لتصليب عود الدولة،‮ ‬والاستقواء بالدعم الشعبي‮ ‬في‮ ‬كسب الرهانات،‮ ‬ومواجهة التحديات الداخلية والخارجية‮.‬

ما حققته الانتخابات الأخيرة للدولة التركية قبل الحزب الحاكم،‮ ‬لم‮ ‬يكن بوسع القوة الصلبة،‮ ‬ولا لأي‮ ‬استنفار عسكري‮ ‬واسع،‮ ‬أو برنامج تسلح مكلف،‮ ‬أن‮ ‬يحققه ليعيد تسليح الدولة التركية من جديد بقوة الشعب الناعمة،‮ ‬سواء على المستويات السياسية،‮ ‬الاقتصادية والأمنية الداخلية،‮ ‬أم على مستوى موقع تركية المستقبلي‮ ‬في‮ ‬النزاع السوري،‮ ‬الذي‮ ‬بات ساحة تقرير مجهولة المآلات لمصير دول وشعوب منطقة الشرق الأوسط لعقود قادمة‮.‬

مقالات ذات صلة