الاستثمار في القوة الناعمة للشعوب
إما أن الشعوب ذكية بالفطرة، قادرة على تصحيح مسارات دولها، وتقويم أخطاء نخبها الحاكمة، حين تمنح فرصة حقيقية للتصحيح عبر الانتخابات، أو أنها على العكس غبيّة، تُساق كما يساق خراف بنورج إلى الهاوية، حالها كحال من يبحث عن حتفه بظلفه، وليس لدى المحللين من خيار ثالث، وهم يتداولون نتائج الانتخابات التشريعية الأخيرة في تركية، التي رافقتها رهانات محلية، إقليمية، ودولية، تتجاوز حدود تجديد مؤسسة الحكم في تركية.
بضعة شهور كانت كافية ليتدارك الأتراك حالهم، ويصححوا المسار الذي كاد يدخل البلد في أزمة حكم مستدامة، مع تحرشات من القوى العظمى العدوة والصديقة، وبداية تدفّق النزاع الدائر في سورية داخل الأراضي التركية، وتجدد القتال مع الأكراد، وبداية التدخل العسكري الروسي الذي غيّر موازين القوة في النزاع السوري، ولا أحد من المحللين، أو من مؤسسات سبر الآراء كان يتوقع حصول حزب التنمية والعدالة على أكثر من نصف أصوات الناخبين في استحقاق حطم أرقاما قياسية في المشاركة.
النتيجة التي أسقطت في أيدي كثير من القوى الإقليمية والدولية المنخرطة في الأزمة السورية، لم تكن نتاج حملة انتخابية خارقة، أو ضعف في المعارضة التركية، بل صنعها الناخب التركي الذي يكون قد قرأ بسرعة التطورات الإقليمية المهددة لبلده، ومنها التدخل العسكري الروسي، واستفزازات طيرانه على الحدود الجنوبية، واتساع رقعة التمدد الإيراني في العراق والشام، وظهور مؤشرات كثيرة عن استدامة الأزمة السورية، واحتمال تطوّرها إلى نزاع إقليمي ودولي مفتوح على جميع الاحتمالات.
بعيدا عن تداعيات هذا الاستحقاق على الأوضاع في تركية وفي الإقليم ـ وهي كثيرة ـ على رأسها خلط أوراق القوى العظمى ومخرجات لقاء فيينا الأخير، وإحراج حلفاء تركية في حلف الناتو، بعد أن حاولوا خذلان تركية كما خذلوا حلفاءهم العرب، وإرباك الروس وحلفائِهم الإيرانيين، بعيدا عن هذه التداعيات، يُفترض أن نقرأ نحن العرب في هذه الانتخابات مكمن القوة الناعمة التي توفرها المسارات الديموقراطية للنخب الحاكمة، لتعديل موازين قوة تكون ممتنعة حتى عن القوة الصلبة إن وجدت، وهي درس للنخب العربية، التي لم تحسن استغلال الفرص التي أتيحت لها لتوظيف قوة الشعوب الناعمة عبر إشراكها في صناعة القرار.
الدرس الأول يخص الإسلاميين العرب، وقد فشلوا في إنتاج نموذج إسلامي عربي، يحاكي النموذج التركي، كما حصل في الجزائر والسودان، ومصر، والعراق، وحتى في تونس والمغرب، وفيه أيضا درسٌ للقوى السياسية من غير الإسلاميين، التي تعاملت مع الاستحقاقات الانتخابية كبوابة ومنفذ للسلطة، وليس كأداة لتصليب عود الدولة، والاستقواء بالدعم الشعبي في كسب الرهانات، ومواجهة التحديات الداخلية والخارجية.
ما حققته الانتخابات الأخيرة للدولة التركية قبل الحزب الحاكم، لم يكن بوسع القوة الصلبة، ولا لأي استنفار عسكري واسع، أو برنامج تسلح مكلف، أن يحققه ليعيد تسليح الدولة التركية من جديد بقوة الشعب الناعمة، سواء على المستويات السياسية، الاقتصادية والأمنية الداخلية، أم على مستوى موقع تركية المستقبلي في النزاع السوري، الذي بات ساحة تقرير مجهولة المآلات لمصير دول وشعوب منطقة الشرق الأوسط لعقود قادمة.