الرأي

الاستثمار في المونديال

سلطان بركاني
  • 948
  • 0

بالتزامن مع انطلاق نهائيات كأس العالم بقطر، تتناقل مواقع التواصل الاجتماعي هذه الأيام أخبارا وصورا ومقاطع عن الإمكانات التي سخّرتها هذه الدولة المسلمة لاستغلال أهمّ حدث رياضي عالمي يشغل ملايير البشر مدة شهر كامل، في التعريف بالإسلام والدّعوة إليه وإظهار سماحته وتماشيه مع القيم التي تنطق بها الفطرة ويذعن لها العقل المتحرّر من نوازع النفس وأهوائها الأرضية.. وهي الإمكانات التي بدأت ثمراتها تظهر في أرض الواقع، وأبهجت المسلمين في العالم كلّه وحرّكت ألسنتهم بالدّعاء خيرا للقائمين على هذا المشروع الحضاريّ الذي يهدف إلى الاستثمار في الرياضة الأكثر شعبية في العالم لخدمة الدّين الأكثر انتشارا في المعمورة.

التحضير لهذا الحدث العالميّ بدأ قبل سنوات، على صعيد هيكلة وعصرنة البنى التحتية والفوقية، ليس ما تعلّق منها فقط بالملاعب التي تقام عليها المباريات، ولكن العصرنة شملت المطارات والطرق ووسائل النقل والفنادق والحدائق والساحات العامّة وحتّى المساجد، وقد قدّرت تكلفة هذه التحضيرات بـ220 مليار دولار، منها حوالي 7 مليارات أنفقت في تهيئة الملاعب.. وهذا -لا شكّ- سيساهم في تصحيح النظرة الغربية التي ترى في العرب شعوبا لا همّ ولا همّة لها إلا ما تعلّق بالأجهزة الهضمية، وأنّ بلدانها تعيش تخلفا كبيرا في بناها التحتية والفوقية.

بالتوازي مع عصرنة وتطوير البنى التحتية والفوقية بما ينافس -بل يفوق- ما وصلت إليه كثير من البلدان الغربية، فقد جرى التحضير -كذلك- للاستثمار في هذا الحدث العالمي بعرض الإسلام لملايين الوافدين من مختلف الجنسيات ومختلف الأديان والثقافات، وقد أشار بعض الدّعاة إلى أنّ التحضيرات في هذا الجانب انطلقت قبل سنتين، حيث بدأ التخطيط لإطلاق مشاريع دعوية موسّعة أثناء المونديال، وشرع الدّعاة والناشطون في العمل الميدانيّ الجادّ 6 أشهر قبل انطلاق الحدث، بتكوين فرق بأكثر لغات العالم انتشارا، تتمركز عند مداخل الملاعب والفنادق وفي الاستراحات، كما جُهزت أكشاك تقدّم كتبا تعريفية بالإسلام بمختلف اللغات، وتحاور كلّ من يبدي فضولا لمعرفة الإسلام.. إضافة إلى نصب لافتات في الفنادق والمطاعم والمقاهي والأسواق تتضمّن آيات قرآنية وأحاديثَ نبوية وأقوالا مأثورة مترجمة، تظهر سماحة الإسلام واهتمامه بالأخلاق وحسن التعامل مع الآخر ومدّ يد العون لكلّ من يحتاجها، وتعرض روابط لمواقع وصفحات تعرّف بالإسلام لمن يرغب في الاطلاع ومعرفة المزيد..

كما تداولت المواقع أخبارا شبه مؤكّدة عن استقدام دعاة عالميين يتقدّمهم الداعية الهندي “ذاكر نايك” صاحب الخبرة الطويلة في دعوة غير المسلمين ومحاورة أتباع الديانات الأخرى، لغرض الدعوة في أوساط الرياضيين والمشجعين.. كلّ هذا فضلا عن تجهيز مصليات وأماكن خاصّة بالوضوء في كلّ الملاعب التي تحتضن مباريات كأس العالم، وقد ذهبت قطر بعيدا عندما بنت مساجد بأشكال معمارية تختلف عمّا هو معهود في بناء المساجد، يخيّل لمن يرى تصاميمها الخارجية أنّها متاحف أو مراكز ثقافية، ومجهّزة بأحدث التقنيات وكلّ ما يريح الزّائرين، والقصد من هذا واضح: استقطاب غير المسلمين وإغراؤهم بالتعرّف على الإسلام.. كما تمّ انتقاء مؤذنين يملكون أصواتا ندية لرفع الأذان في المساجد القريبة من الملاعب والفنادق والأماكن التي يكثر فيها الوافدون.

هذه الحملة الدعوية بدأت تؤتي أكلها بفضل الله، وقد تحدّثت عديد الأوساط الدعوية عن إسلام المئات من الوافدين خلال الأسبوع الذي سبق المونديال، وتحدّثت عن شغف كبير لمسه الناشطون في الميدان لدى الغربيين لمعرفة الإسلام عن قرب بعد انبهارهم بحسن التنظيم والاستقبال وبالإمكانات الهائلة التي رصدتها هذه الدولة المسلمة التي يبدو أنّها أنست من قبلها، وستتعب من بعدها.

كما أفرحت قطر المسلمين في العالم بموقفها الصّارم من الشعارات التي تروّج للشّذوذ والمثلية والسلوكيات التي تتنافى مع قيم المجتمع القطريّ ودينه، وبنجاحها في حفل افتتاح المونديال بعرضٍ يخاطب العقل والمشاعر الإنسانية، بعيدا عن لغة الجسد الهابطة.. وهي المواقف التي يُرجى أنّها قد تركت أثرا في نفوس الوافدين الذين تفهّموا الأمر وأبدوا احترامهم لمن يحترم هويته ويدعو إلى احترامها على أرضه.. وفي المقابل، أثارت حفيظة الحانقين في الغرب وأذنابهم من العلمانيين العرب، هؤلاء الذين لم يجدوا غير العزف على وتر تقييد الحريات والانغلاق على الثقافات العالمية!

لقد أفرحت قطر المسلمين جميعا ورفعت رؤوسهم عاليا، وأثلجت صدور الدعاة إلى الله، وحدَت بعض الدعاة المصرّين على النظر إلى كرة القدم على أنّها لهو باطل إلى إعادة النظر في موقفهم؛ فلهثُ العالم خلف كرة القدم أصبح واقعا فرض نفسه، ويتحتّم التعامل معه بعقل وحكمة، وما عادت تنفع الأحكام الصّارمة التي تحرّم اللعبة، وتحاول صرف الشّاب عنها.. فالحكمة تقتضي السعي للاستثمار في كرة القدم واستغلالها للأخذ بأيدي شباب الأمّة إلى حيث يجب أن يكونوا، إلى ميادين خدمة الإسلام وقضاياه.. المسلمون أولى بالاستثمار في كرة القدم من دعاة المثلية الذين ينفقون الأموال ويضغطون على الأندية الرياضية لتتبنّى شعاراتهم، وقد أصبح ضروريا في حقّ الغيورين على دينهم أن يفكّروا في استمالة نجوم الكرة إلى الإسلام وأخلاقه وتعاليمه، والسعي نحو تكوين نجوم يفتخرون بهويتهم الإسلامية ويرفعون بها رؤوسهم، ولم لا يدعون إليها بفخر واعتزاز.

مونديال قطر، أثبت لنا أنّنا معشر المسلمين، لسنا في حاجة إلى الذوبان في ثقافة الآخر لنظهر أنّنا متعايشون ومتسامحون ومنفتحون؛ فهذا يجعل الآخر يحتقرنا ويُعرض عن الحقّ الذي معنا.. سنحظى بكلّ احترام وتقدير عندما نتمسّك بثوابتنا وندعو الآخرين إلى احترامها ليس فقط على أرضنا إنّما أيضا على أرضهم.. كما أثبت لنا مونديال قطر أنّ كرة القدم ليست وسيلة للترفيه فحسب، بل هي تصلح كذلك لتكون وسيلة لتعريف النّاس برسالة السّماء الخالدة.. قدوتنا محمّد -صلّى الله عليه وآله وسلّم- في الفترة المكية كان يستغلّ مواسم الحجّ للدعوة إلى دين الله الحقّ، على الرّغم من أنّ الكعبة كانت يومها محاطة بمئات الأصنام، وكان الناس يطوفون بالبيت عراة.. كلّ هذا لم يحل بينه وبين الاستثمار في توافد الناس إلى مكّة خلال المواسم ليبلّغ رسالة ربّه سبحانه وتعالى.

مقالات ذات صلة