الشروق العربي
تعوذ منه صلى الله عليه وسلم في حياته..

الاستدانة،السلف أو “الكريدي” في مجتمعنا ..الحاجة التي توصل الى باب السجن

الشروق أونلاين
  • 13927
  • 4

نتج عن ضعف القدرة الشرائية لدى الكثير من الأشخاص الاعتماد على القرض لسد حاجياتهم اليومية، سواء عن طرق “الكريدي” من المحلات أو”السلف” باللغة العامية، والأمر عادي في ظل هذه الظروف، لكن لما يتحول الأمر إلى رفع شكوى أو الضرب أو حتى القتل من أجل استرجاع هذه الأموال من عند المدين له فالأمر أعظم، نتج عنه عزوف الكثير من الأفراد في محلاتهم أو حتى القرض المباشر لتجنب الوقوع في نزاعات لا تحمد عقباها، تبدأ بطلب الإعانة بطرق يفيض منها الدمع، لكن عند طلب استرجاعها يتحول هذا المدان له إلى شخص آخر، بل فيهم من له الجرأة على ضرب او التخاصم مع من أقرضه هذه الأموال وكأنه يدافع عن حق مشروع.

“شد مد القرض مات”، “ممنوع الكريدي”، “لا تحرجني بالقرض لكي لا أحرجك بالرفض”

   تشدك في الكثير من المحلات هذه العبارات، والتي تعتبر بمثابة رسائل تمرر مباشرة إلى الأفراد دون الكلام إليهم فيما يخص هذا التعامل، أصبح يعتمدها العديد من الباعة من أجل تفادي هذا الطلب الذي صار يخجل الكثير منهم، لكن وبالرغم من هذا مازال الكثير منهم يتجاهل هذه اللائحات ويطلب “الكريدي” من أصحاب هذه المحلات ويكون التسديد  في نهاية كل شهر كما يرى أغلبهم، أو بعد فترة زمنية محددة، غير أن الكثير من الباعة لا يحرجهم الكريدي بقدر ما يزعجهم طلبها من المدان بعد الفترة المتفق عليها، وهو بالأمر العسير على حد قول “سليم” أحد الباعة للمواد الغذائية “ندرك معاناة الكثير من الأفراد، فنحن أبناء هذا المجتمع ونلاحظ القدرة الشرائية، وتعاملنا مع الكثير منهم من أجل سد حاجياتهم، لكن للأسف البعض منهم انتهت معهم الحكاية بالتخاصم، بل بالتهديد وهذا من أجل ماذا؟ من أجل استرداد هذا الدين منه، لذا اعتمدنا هذه اللائحات لتفادي طلب “الكريدي” إلا من رحم ربي، فلا ننكر أن فيه من المشترين من ينصفك بالقول والفعل والحمد لله، لكن القليل منهم فقط. نحن كذلك نشتري هذه السلع بالنقود ولا تعطى لنا مجانا، وهو ما يجهله الكثير من الأشخاص، فلو كان الكثير من الناس أصحاب موعد كما يختاره هم أنفسهم لما وصلنا إلى هذه الحال، فليس هناك مشكل في التعامل معهم بهذه الطريقة ” الكريدي”، لكن للأسف أغلبهم بعد قضاء حاجياته يغيب بعدها لمدة طويلة، بل فيهم من يتناسى أو يجحد هذا الدين، لدا رأينا أن نوقف هذا التعامل الذي يجلب لنا المشاكل مع الزبائن، وأنا شخصيا أرى أن تبقى السلع مكدسة عندي أحسن من بيعها بالكريدي ومن ثم الجري وراء الأشخاص، بل الذهاب إلى منازل إقامتهم وهو أمر مخجل حقاّ.

“كمال” هو الآخر ممن مسهم الضر من جراء هذا التعامل مع الكثير من الزبائن، وضع في الجهة المقابلة للزبائن مباشرة لافتة مكتوب عليها بالبنط العريض “ممنوع الكريدي حتى تسوى وضعية الديون العالقة”، نعم، أصبح من الناس من له دين في محل لمدة أكثر من ثلاث سنوات وهو أمر غريب على حد قول “كمال”، والأغرب من هذا هو عندما تطلب منه تسديد هذا الدين تنتهي معه إلى نزاع يصل إلى حد الضرب أو التعدي وهو أمر لا يتقبله العقل، فكيف لمن يطلب حقه يهان، فتتحول هذه المعاملة من أجر مع الله ومساعدة لمن ضاقت عليه الحالة الاجتماعية وفعل للخير، إلى أمر آخر هو الخصومات أو الذهاب إلى السلطات أو الاحتكام إلى القانون من أجل فض هذا الخلاف في حق مشروع للبائع، لذا قررت أن أرفض رفضا قاطعا كل من يطلب “الكريدي” في محلي حتى ولو كان أقرب الناس إلي وهو الأب والأخ وغيرهما من عائلتي، والله يعلم ما حدث لنا مع الكثير من الزبائن في كل مرة، ولو أخرج لك قائمة جعلتها لتجريد أسماء الذين يدينون لي لاندهشت، فتصور من جراء هذا التعامل مع الزبائن أجد نفسي في الكثير من الأحيان مجبرا على الاقتراض من أشخاص آخرين من أجل إكمال سلعة المحل، لأن أموالي عالقة عند الكثير من الأفراد =، بل منهم من لم أره منذ طويلة، وفيهم من يقترض من عندي وعندما يكون في سعة من الأموال يذهب الى محل آخر أو حتى منطقة أخرى، وهذا حال الكثير من الأشخاص في هذا الحي، الله يهدينا”.

“السلف” وسيلة للتكافل أصبحت توصل إلى المحاكم وحتى القتل

 إذا كان هذا هو حال الكثير من الباعة في العديد من المحلات بمختلف أنواعها سواء المواد الغذائية أو غيرها من السلع، فإن الظاهرة لا تتوقف عند هذا الحد فحسب، فإلى جانب هذا التعامل يوجد شكلا آخر من التعاملات بين الأشخاص وهو “السلف” أو “القرض” المباشر، الذي أرهق الكثير من الناس وأفسد العديد من العلاقات نتيجة للتماطل أو حتى رفض الكثير ممن رد هذا الدين، بالرغم من مرور الآجال المحددة بين الطرفين، وتحدث في الكثير من المرات أن ترى أو تحضر لمناوشات بالعصي و”الهراوات” في الطرقات أو الشوارع نتيجة لهذا الظاهرة وهذا للتأخر أو حتى رفض تسديد هذا الدين الذي طال انتظاره من طرف المدين، وهي الأسباب التي أوصلت إلى هذه النهاية، بل في الكثير من الأحيان نسمع بمن ضرب أو طعن من أجل هذا القرض الذي أصبح وسيلة للكثير من الناس في التحايل على بعضهم البعض، يبدأ دينا وينتهي سرقة أو ابتزازا، خلق له الأفراد عدة أشكال ووسائل للحصول عليه حتى ولو على صحة أبدانهم أو شرفهم، فما قولك ممن يطلب هذه الدراهم من أجل البحث عن الشفاء من مرض مستعص كالسرطان والعلاج ممنه في أوروبا او دول الخليج وهو معافى من كل الأمراض، أو من أجل تجهيز أخته العروسة وهو لا يملك أختا أصلا، أو غيرها من السيناريوهات التي تعبر للكثير منا نقطة ضعف وتعاطف مع الآخرين، لكنها في النهاية هي مجرد فخ لا أكثر ولا أقل، لتجد نفسك في الكثير من الأحيان مجبرا على التدخل العنيف سواء اللفظي أو الجسدي مع شخص ما أقرضته أموالك، أو البحث عن واسطة من أجل استرجاع هذه الأموال بالطرق اللينة، فأغلب الأفراد يريدون بها فتح باب من أبواب الخير، لكنها وضعت في جانب غير آمن ففتحت لهم بابا من أبواب السجن، فقد حدث للكثير من الأشخاص أن حوكموا من أجل الضرب والتعدي لاسترجاع حقهم الذي ضاع عند هؤلاء المبتزين عن طريق “السلف”، وهي من التعاملات التي كان من المفروض أنها تعزز الروابط بين الأشخاص والعائلات، لكنها في الأخير تحولت إلى تعاملات للتفرقة بين أقرب الناس، بل إلى وقوع جرائم من أجلها.

مفتي مسجد الأرقم عبد الحفيظ سنوسي: الأصل في هذا القرض هو الجواز وهو معاملة حسنة بين المسلمين

“تعتبر هذه المعاملة بمثابة تفريج كربة عن المسلم في حالة عسر، ومن فرج عن مسلم كربة من كرب الدنيا فرج عليه الله كربة من كرب الدنيا والآخرة، لذا يجب على المقرض له المعاملة بالمثل عند طلب هذا الدين من المقرض، لأن الأصل في جزاء الإحسان لا يتم إلا بالإحسان، بل أن هذا القرض يعتبر بمثابة صدقة، لذلك فهو يعادل أجر صدقة يصدقها الشخص على شخص آخر، أما عن منع هذا القرض عن الزبون فيتم في حالة معرفة أن هذا الأخير هو خائن للأمانة، لذا يحق للبائع أن يمنعه عنه، وهذا تجنبا لوقوع الخصومات بين الأفراد عند هذا التعامل، كما أن الأصل في هذه المعاملة هو الجواز شرعا ولا حرج فيه، مادام المقصود منها هو الإحسان وفك عسر عن مسلم من طرف أخيه المسلم”.

 

مقالات ذات صلة