الرأي

الاستشراقُ الفنّي

الاستشراقُ هو دراسة أحوال الشعوب الإسلامية دينيا ولغويا وتاريخيا واجتماعيا لمعرفتها معرفة جيّدة تمهيدا لتجريدها من سلاحها المعنوي لتسخيرها واستغلال خيراتها. والاستشراقُ نشأ في الأديرة والكنائس ثم استغلّته الدولُ الغربية، وأصبح تحت إشراف الوزارات والحكومات. ولهذا يُدخل كثيرٌ من علماء المسلمين هذا النوعَ من الدراسات في ما يُسمّى “الحروب الصليبية الليّنة أو الناعمة”؛ أي تلك الحروب التي لا تُستعمل فيها الأسلحة المادية، ويسمّونها “الحروب الصليبية الخشنة”. والاستشراقُ هو إحدى الرِّجلين اللتين يمشي بهما الاستخراب، كما سمّاه الإمام محمد البشير الإبراهيمي، بعد الرِّجل الأولى وهي “التنصير” الذي يسمّونه تلبيسًا على المسلمين “التبشير”.

والاستشراقُ الفنّي هو عنوان كتابٍ صدر في سلسلة “عالم المعرفة” التي تصدر في دولة الكويت، ويحمل رقم 157، وقد صدر في يناير 1992 تحت عنوان: “الاستشراق في الفنّ الرومانسي الفرنسي”، وهو من تأليف د. زينات البيطار.

ذكّرني بهذا الكتابِ تلك الندوةُ التي نظّمها المجلسُ الإسلامي الأعلى في مدينة بجاية عن المجاهِدة، لا المقاوِمة، للا فاطمة نسومر. (يُنظر جريدة الخبر في 4/ 4/ 2026. ص23). والمجلسُ وولاية بجاية مشكوران على هذه الندوة.

إنّ الصورة التي يقدّمها الاستشراقُ عموما، والاستشراقُ الفنّي خصوصا، عن المجاهِدة فاطمة نسومر، تتناقض مع الصورة التي نقدّمها عنها نحن الجزائريين، فهي عندنا امرأةٌ مسلمة متديّنة محتشمة في لباسها، أمّا الصورةُ التي يقدّمها فيها “الاستشراقُ الفني الفرنسي” لغرضٍ خبيث في نفسه، فهي امرأةٌ سافرة عارية الذراعين، شعرها غير مغطى، ولستُ أدري كيف اقترب منها هذا الرسّامُ، وهي تحمل مسدَّسا؟ إذ لو اقترب منها حقيقة لجندلته.. ولو زار المنطقةَ الآن لرأى نساءها في لباسهنّ الشرعي، فما بالك في القرن 19.

ويذكّرني هذا بتلك الصورة التي رسمها الرسامُ الفرنسي دولاكروا عمّا سمّاه: “نساء الجزائر”، زاعما أنّها لنساء جزائريات كاشفات عن سوقهنّ.. ولستُ أدري كيف وصل إلى عُقر بيت جزائري ليرى ذلك المنظر الذي لا يراه حتى أقرباء هؤلاء النسوة.. فلم يبق إلا أن تلك الصورة هي مما أوحاه إليه شيطانُه.

إنّنا نركّز على الاستشراق المكتوب من دون أن ننتبه إلى هذا الاستشراق المتستّر تحت اسم جميل وهو “الفنّ” الذي هو “العفن” ولكن أسقِطت عمدا عينُه.

ومن هذا “العفن” الخادش لحياء الجزائريين والجزائريات ذلك التمثالُ العاري لرجل في أعلى مبنى الاتحاد العام للعمال الجزائريين في ساحة أول ماي، وكذلك الأمر في المسلّة الموجودة في قلب مدينة وهران، وأمام بلديتها، التي يوجد في أعلاها تمثالٌ فرنسيٌّ، وتحته آية قرآنية كريمة، وتحتها صورة المجاهد عبد القادر بن محيي الدين.. وكأنّ “كلمة الله هي العليا” إلا في وهران، وفي حراسة مجلسها الشعبي البلدي، وفي قلبها النابض الذي يمرّ عليه المسؤولون عدة مرات في اليوم الواحد!

مقالات ذات صلة