الاستعداد للسنوات العجاف
دون السقوط في سياسات التخويف والتهويل، لم نكن بحاجة إلى أزمة تراجع أسعار النفط لنكتشف حاجة البلد إلى البحث في خيارات بديلة تسمح للبلد بمواجهة السنوات العجاف القادمة في عالم قد دخل بلا رجعة في مواجهات مفتوحة للعلاقات الدولية وإعادة تقسيم النفوذ، معاركها مفتوحة لن تسلم منها سوى الشعوب التي حسمت صراعاتها الداخلية بالتوافق وبحماية جبهاتها الداخلية من العبث بها، بتوزيع الأعباء بقدر من العدل والإنصاف.
أظهر استطلاع رأي عالمي أن الشعوب الأسيوية هي أكثر الشعوب شعورا بالسعادة، تليها الشعوب الإفريقية، فيما تصدرت الشعوب الأوروبية قائمة الشعوب التي تشعر بالخوف والقلق مما هو في طي الغيب، مع استثناءات في الطرفين لم يتوقف عندها الاستطلاع كثيرا، حيث لا يعقل أن يكون شعب بنغلاديش أو الباكستانيين سعداء، أو يكون الصينيون الويغور المسلمون المضطهدون سياسيا واقتصاديا من بين السعداء، أو يكون عرب آسيا المقطعة أوصالهم في سورية والعراق واليمن أسعد من الأوروبيين، كما لا يعقل أن تكون شعوب شمال أوروبا قلقة وهي تتصدر قائمة الدول الأكثر غناء واستقرارا.
لكن الاستطلاع يقدم مؤشرا على التغيير الحاصل في العقدين الماضيين في مسار انتقال مواطن صناعة الثروة من الغرب نحو الشرق، يكون مصحوبا بالضرورة بانتقال القيادة والريادة، والتسليم أخيرا بعالم محكوم بتعدد الأقطاب، لأن نهاية التفرد الأمريكي بقيادة العالم لا تعني انهيار النفوذ الأمريكي وما وصف به من غطرسة، كما لا يعني انتقال قطب صناعة الثروة إلى العملاقين الأسيويين: الصين والهند، بداية لهيمنتهما على العلاقات الدولية، أو تفرد الصين بالقرار الدولي كما كان الحال مع الولايات المتحدة.
معارك التسليم والاستلام بدأت منذ انهيار مشروع القرن الأمريكي، الذي كان يفترض أن يعلن مع احتلال بغداد، ولا يتوقف إلا عند اجتياح موسكو كما حاول من قبل نابليون وهيتلر، فقد شهدت سنة 2014 معركتين فاصلتين حسمت الأولى في جزيرة القرم لصالح الدب الروسي، وتتواصل بشرق أوكرينيا، وتميل الثانية في سورية إلى صالح محور الشرق، حتى مع تصنيع موطن جديد لحرب استنزاف ممتدة في الزمن على امتداد الفرات.
غير أن المعارك الساخنة الأخطر هي التي تجري على الساحة الاقتصادية، مع انطلاق مناورات كبرى اتخذت من السوق النفطية ساحة لها، وهي ليست مرتبطة لا باختلال يكون قد حصل بين العرض والطلب، ولا حتى بتراجع الاقتصاد العالمي. فحتى جوان الماضي كانت أسعار النفط ثابتة فوق المائة دولار، ولم يؤثر تراجع الاقتصاد العالمي منذ بداية الأزمة سنة 2008 على مستويات الأسعار، لكن القرار السياسي كان قد اتخذ غداة ضم الدب الروسي لجزيرة القرم، وقطع خطوط التواصل بين النيتو والروس، وانخراط الأوروبيين في مواجهة اقتصادية وسياسية مفتوحة مع روسيا بالوكالة عن الولايات المتحدة، وضد مصالح الشعوب الأوروبية نفسها.
قرار استعمال سلاح النفط لتركيع الدب الروسي لاقى هوى خليجيا، وتقاطع مع حسابات سعودية قديمة، تخشى من قيام بدائل طاقوية للنفط، ومنها النفط والغاز الصخريين اللذين حولا الولايات المتحدة إلى أول منتج للنفط في العالم، وكانت تقارير جادة تنبئ بتحول الولايات المتحدة إلى أول مصدر له في العالم، بعد تجميد قرار التصدير الذي كان مفروضا على المنتجين الأمريكان وقد حصل منذ يومين، ولأجل ذلك كان يفترض على بقية البلدان النفطية أن تتوقع مبكرا انهيار أسعار النفط، الذي سوف يتواصل خلال سنة 2015 حتى بعد انتفاء الغرض السياسي الأمريكي منه.
معركة النفط لن تتوقف عند العبث بالأسعار، بل سوف تتواصل بضراوة على مستوى السيطرة على منابعه خاصة في إفريقيا وتحديدا دول شمال إفريقيا والساحل وغرب إفريقيا، فالقتال في مالي لن يتوقف حتى مع التطور الحاصل في المفاوضات برعاية الجزائر، وسوف يسعر الاقتتال في ليبيا ليس بين الأفرقاء الليبيين، بل بين القوى العالمية المتقاتلة على النفط الليبي، وقد لا تسلم الجزائر من هذا التكالب العالمي على السيطرة على منابع النفط والغاز، خاصة إذا ما تأكدت المعلومات الأولية عن وجود احتياطات نفطية ضخمة في شمال مالي.
لأجل ذلك لا ينبغي أن تتوقف مخاوفنا عند تداعيات استمرار تراجع أسعار النفط على حياتنا اليومية مع أهميتها، لأن الحكومة تمتلك أكثر من خيار لمواجهة تراجع المداخل الجبائية النفطية دون اللجوء إلى سياسة تقشفية خاطئة، برفع الدعم أو تجميد الأجور، ويكفيها أن تراجع بسرعة خارطة التجارة الخارجية، بوضع حد لهذا الاستيراد الجنوني منفلت العقال في السيارات والعتاد الكهرو منزلي، والمصنعات الإلكترونية مثل الهواتف النقالة، ومواد استهلاكية هي من الكماليات، ومعها ترشيد سوق الأدوية.
وعلى مستوى النفقات الحكومية يمكن للحكومة أن تبدأ بتقليص كثير من نفقاتها الثانوية، بتجميد كثير من الملتقيات والمؤتمرات والمهرجانات المكلفة في الداخل والخارج، وإعادة النظر في عدد تمثيلياتنا الدبلوماسية والقنصلية في الخارج، وفرض رقابة صارمة على الإنفاق المحلي الذي يلتهم سنويا أموالا طائلة في إعادة ترصيف نفس الطرق والأرصفة، وأعمال التزيين التي أوجدت أسواقا مصطنعة للمال الفاسد.
الأجراء الآخر الذي قد يعفي البلد من اللجوء إلى تحميل الفقراء الفاتورة، يكون بوضع حد لنظام القروض الميسرة الذي خلق طائفة طفيلية من المستهلكين، دون أن يساهم في خلق الثروة والوظائف، كما هي حال برنامج الآنساج، أو يقرن على الأقل بدفتر شروط ملزم بتوفير الوظائف الدائمة.
غير أن هذه الإجراءات التي تعفينا من الذهاب إلى قرارات مدمرة، تراجع منظومة الدعم أو مجانية التعليم والصحة، تحتاج إلى توفير مناخ سياسي آخر، يساعد الحكومة على الاستعانة بالرأي العام على مواجهة قوى الفساد، التي لن تقبل أبدا ببرنامج كهذا يوزع أعباء الأزمة، ويجفف كثيرا من مناجم الريع والثراء السريع، والتي سوف تتحرك لتفجير أزمات في التموين وإمداد السوق قصد تركيع الحكومة، وقد تذهب حد تصنيع قلاقل اجتماعية واستنساخ بعض الوصفات التي جربت في الربيع العربي.
لأجل ذلك ليس من الممكن الوثوق بأي إجراء حكومي لمواجهة الأزمة بحزم، ما لم نلمس نية صادقة عند أصحاب القرار من أركان السلطة للانفتاح السريع على بقية مكونات المجتمع بما في ذلك المعارضة مع ضعفها، ودعوتها إلى المشاركة في تغطية هذا البرنامج الاستعجالي، مع فتح قنوات جادة لحوار أوسع وأشمل حول إصلاح الدولة، وإعدادها لمواجهة تحديات وتهديدات قادمة، لن نقوى على مواجهتها إلا بجبهة داخلية متضامنة، تكون قد حسمت خلافاتها التقليدية، سواء على مستوى اقتسام السلطة، أم على مستوى توزيع الثروة بقدر من العدل والإنصاف، لأن المجتمع الجزائري لا يعاني من الفقر مثل كثير من شعوب العالم الثالث، بقدر ما يثير حفيظته ما يراه من فساد وهدر للمال العام على يد نخب تعمل بطرق العصابات خارج القانون والأعراف.