الاعتراف بالدولة الفلسطينية في البدء كان إعلان الجزائر في 1988
هناك في الوقت الراهن مطبعون و مغردون كثيرون ممن يسيرون في ركاب إسرائيل ، أو ممن انسلخوا من وطنيتهم و قوميتهم العربية ماضون في عدائهم للجزائر و في التهوين من جهودها الدبلوماسية تجاه القضية الفلسطينية ، و هؤلاء على خطى أسلافهم قبل زهاء سبعة و ثلاثين سنة الذين وصفوا إعلان الجزائر في الخامس عشر من نوفمبر 1988 حول قيام الدولة الفلسطينية بأنه ضرب من الخيال الذي يناقض الواقع و يسبح ضد التيار بالنظر إلى المرحلة الحرجة التي كانت تمر بها القضية الفلسطينية في أواخر الثمانينات و تمادي الكيان الصهيوني في عنجهيته و غطرسته في فرض سياسة الأمر الواقع بعد أعمال إجرامية ارتكبها هذا الكيان في حق الفلسطينيين من صبرا و شاتيلا إلى جرائم الإبادة الجماعية التي ارتكبها المقبور أرييل شارون حماية- كما يزعم – لأمن إسرائيل و لوجودها و لحدودها التوراتية و التاريخية .
جاء إعلان الجزائر عن قيام الدولة الفلسطينية في وقت لم يكن فيه كثيرون حتى بعض المؤيدين للقضية الفلسطينية متحمسين لهذه القضية ناهيك عن استعدادهم لنصرتها ، و في وقت نفض فيه بعض القوميين العرب أيدييهم من هذه القضية بعد أن فقدوا الأمل في الوصول إلى حل في ظل ازياد سطوة الكيان و افتقاد المجموعة العربية للبوصلة و ازدياد الشرخ العربي.
و جاء إعلان الجزائر عن قيام الدولة الفلسطينية في ظروف دولية أقل ما يقال عنها أنها لا تساعد على أي موقف داعم للقضية الفلسطينية و لا حتى عن حديث عنها في ظل إحكام الكيان الصهيوني قبضته على أجزاء كبيرة من فلسطين و عجز المجتمع الدولي عن ردع إسرائيل أو حتى تمرير رسالة تنديد عبر الأمم المتحدة أو عبر مجلس الأمن. لعلمهم بأن الفيتو الأمريكي سيجهض كل قرار دولي لإدانة إسرائيل فضلا عن التفكير في فرض عقوبات عليها.
و جاء إعلان الجزائر عن قيام الدولة الفلسطينية في وقت كان فيه الصراع بين الفصائل الفلسطينية على أشده بين من يتبنى خيار المقاومة و بين من يتبنى خيار المفاوضات ، و بين من يفاوض على كل فلسطين و بين من يفاوض على أجزاء منها ، و بين من يتشبث بالقدس شرقية و غربية عاصمة لفلسطين ، و بين من يدعو إلى إقامة الدولة الفلسطينية على حدود 67 و عاصمتها القدس الشرقية. لم يكن من السهل تجاوز هذه الظروف الحرجة و لكن الدبلوماسية الجزائرية تعاملت مع كل هذه الاختلافات و المفارقات بحكمة عالية و نجحت في إعلان قيام الدولة الفلسطينية بقصر الأمم في الخامس عشر من نوفمبر 1988 و الذي تلاه الرئيس ياسر عرفات باسم المجلس الوطني الفلسطيني.
إن موقف الجزائر الثابت من القضية الفلسطينية لم يتأثر بتغير السلطات و الحكومات ، فهو موقف دولة تمسكت به الجزائر و عبرت عنه بكل صراحة و شجاعة من أول عهدها إلى عهد الرئيس عبد المجيد تبون الذي رعى مؤتمر الجزائر للمصالحة الوطتية بين الفصائل الفلسطينية في الثالث عشر من أكتوبر 2022، و أهم ما جاء في الإعلان الذي توجت به جلسات هذا المؤتمر: التأكيد على أهمية الوحدة الوطنية كأساس للصمود والتصدي ومقاومة الاحتلال لتحقيق الأهداف المشروعة للشعب الفلسطيني واعتماد لغة الحوار والتشاور لحل الخلافات على الساحة الفلسطينية، بهدف انضمام الكل الوطني إلى منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني. إن الوحدة الفلسطينية عامل أساسي و ضروري لإنهاء الاحتلال لأن الاخنلال الداخلي يمهد للاحتلال الخارجي و في حالة القضية الفلسطينية فإن الاختلال الداخلي يصب في مصلحة الكيان الصهيوني و يشتت الصف الفلسطيني ، و لهذه الأسباب جاء التأكيد و التشديد في إعلان الجزائر على أن الوحدة الوطنية هي صمام الأمان أمام مناورات الكيان الصهيوني و تماديه في طمس معالم الجغرافيا و الديمغرافيا الفلسطينية.
لا يمكن لأحد أن ينكر جهود الجزائر في دعم القضية الفلسطينية و لا يمكن لأحد أيضا أن ينكر بأن إعلان الجزائر حول قيام الدولة الفلسطينية في 1988 و إعلان الوحدة الوطنية بين الفصائل الفلسطينية في 2022 و جهود دبلوماسية أخرى مكثفة قد شكلت نقطة البداية و حجر الأساس لموجة الاعتراف الدولي المتزايد بالدولة الفلسطينية في إطار تبني المجتمع الدولي لمقترح “حل الدولتين “.
لم تصمت الجزائر أمام جرائم الاحتلال الصهيوني في وقت التزم فيه كثيرون الصمت ، بل حركت آلتها الدبلوماسية في الأمم المتحدة و مجلس الأمن الدولي، و لم تعبأ بالتهديدات الصريحة و المبطنة التي يطلقها ممثل الكيان الصهيوني ضد الجزائر و اتهامها برعاية الإٍرهاب على حد وصفه . كل هذا لم يثن الجزائر على لسان ممثلها في الأمم المتحدة السفير عمار بن جامع و على لسان وزير الخارجية “أحمد عطاف” عن الانتصار للقضية الفلسطينية و لمظلومية الشعب الفلسطيني المحاصر و المجوع في قطاع غزة و أجزاء من الضفة الغربية.
إن الجزائر التي صمدت أمام الاستعمار الفرنسي و الحلف الأطلسي و افتكت بدماء شهدائها و جهود أبنائها حقها في تقرير مصيرها و استعادة السادة على أرضها لا تخيفها تهديدات ممثل الكيان الصهيوني و لا حديثه عن أن إسرائيل سيكون لها شأن تجاه ما وصفها بالدول الداعمة للإرهاب الفلسطيني و لا شك أنه يعني بذلك الجزائر و أخواتها و إن لم يسمهم باسمهم ، فالداعمون للقضية الفلسطينية معروفون بسيماهم و بمواقفه العلنية في الجمعية العامة للأمم المتحدة و في مجلس الأمن الدولي و في المؤتمرات الدولية التي تخص القضية الفلسطينية.
للجزائر دور دبلوماسي كبير في حشد الدعم الدولي للقضية الفلسطينية و في زيادة حالات الاعتراف بالدولة الفلسطينية. إن حركية الدبلوماسية الجزائرية في كل الاتجاهات منذ بداية العدوان الصهيوني على غزة قد آتت أكلها و أصبحنا قاب قوسين أو أدنى من إجماع دولي حول حق الفلسطينيين في إقامة دولتهم المستقلة و عاصمتها القدس الشرقية في إطار –كما أسلفت- حل الدولتين الذي أصبح خيارا دوليا لإنهاء الصراع في الشرق الأوسط و وقف معاناة الفلسطينيين منذ نكبة 1948.
لست من المتحمسين لمشروع حل الدولتين لأسباب موضوعية وواقعية أهمها قناعتي من خلال قراءاتي لتاريخ الحركة الصهيونية و لكرونولوجيا قيام الكيان الصهيوني بأن هذا الأخير كيان مارق لا يؤمن بالشرعية الدولية و لا يستبعد مواصلته لمشاريع الضم و العدوان حتى و إن “وقع بالعشرة ” كما يقال و تعهد باحترام الاتفاق و وقف إطلاق النار و تقاسم الأراض مع الدولة الفلسطينية، لأنه ببساطة كيان ناقض للعهود و رافض لمبدأ العيش المشترك و لمبدأ الجوار و احترام مبادئ الشرعية الدولية . إن مشروع “حل الدولتين ” للأسباب التي ذكرتها ليس حلا مثاليا و لكنه الحل الأمثل في غياب الحلول فالقبول بمبدأ تقاسم الأرض خير من فقدانها برمتها ، هذا هو الحل المتاح حاليا الذي نأمل أن يرى النور و أن يصمد و لو لسنوات معدودات و عندها لكل حدث حديث.
يعد الاعتراف الدولي بالدولة الفلسطينية لا حدث بالنسبة لنتنياهو الذي صرح بأن أقوى رد على ذلك هو مزيد من القصف و الضم ، ليس بوسع نتنياهو قول ذلك لولا قناعته بأن المظلة الأمريكية ستظل حامية و راعية لإسرائيل في كل الظروف و في كل الأحوال . هذا ما يعتقده نتنياهو و لكن ما نعتقده نحن و يعتقده المحللون السياسيون هو أن هذه المظلة الأمريكية ستفتقد في مرحلة من المراحل حينما يزداد التأييد الدولي للدولة الفلسطينية مما يسبب حرجا كبيرا و منعرجا خطيرا لدولة الكيان و يوقعها في عزلة غير مسبوقة ، و عندها لا يمكن للولايات المتحدة الأمريكية الاستمرار في حماية البيت الإسرائيلي إذ البيت الشخصي و الأمن القومي الأمريكي أولى بالحماية.
لقد تجرع رئيس وزراء الكيان الصهيوني بنيامين نتنياهو آثار الصدمة الكبيرة من اعتراف بريطانيا بالدولة الفلسطينية ، فقد نسخ “ستارمر” وعد بلفور ، و رفع العلم الفلسطيني على مبنى السفارة الفلسطينية في لندن و هذا يشكل صفعة قوية لنتنياهو و خطوة بريطانية غير متوقعة فليس سهلا أن ينقلب حليف الأمس بل واهب الأرض إلى داعم للدولة الفلسطينية ، لقد آلم هذا الموقف نتنياهو و لكنه أسره في نفسه، و لكن إلى منى الإسرار و الاستمرار في تجاهل الحقيقة؟. أمام نتنياهو في الشهور القادمة القريبة خيار واحد لا ثاني له و هو رمي المنشفة و استبدال كرسي رئاسة الوزراء بسرير الزنزانة.