الامتحان العسير
لا تمتحن أمة لقلة مواردها ولا لصعوبة التحديات الخارجية مهما بلغت قسوتها. فلقد سبق لليابانيين أن ضربتهم الامبريالية الأمريكية بقنابل ذرية كأول حدث جنوني في تاريخ البشرية، الا ان اليابانيين لم يسقطوا في الامتحان.. ولا تمتحن الأمة الا اذا حدث الخلل في داخل بنيانها وأصاب الشلل اعضاءها وانجرفت إلى غير واقعها.
المسلمون اليوم، وهم الكتلة الكبيرة في العالم، والتي تتحكم في الممرات المائية ومصادر الطاقة والإرث الحضاري غير المسبوق او الملحوق.. المسلمون اليوم في تحد عسير.. ولولا اننا مؤمنون بالله وبوعده الحق وبآياته في الصيرورة التاريخية، لكنا أجزمنا ان هذه الأمة تعيش أرذل عمرها، وانها إلى فناء لا محالة.
ما يجري اليوم في الشأن الفلسطيني يكشف عن خطورة الامتحان وعسره.. فالفلسطينيون اصبحوا في كيان سياسي هش بعد ان انشقت قوى الفعل الفلسطيني، مكرسة واقعا انقساميا، ترك للقطريين والاسرائيليين والأمريكان فرصة تعميق إفساد ذات البين.. وداخل كل حزء من مكونات الكيانية السياسية الفلسطينية تناحر ومؤامرت وفساد ادراي ومالي وسياسي رهيب.. بمعنى من المعاني ان الفلسطينيين اليوم في أسوأ مراحل كفاحهم، حيث يتعرضون لمحاولة انتزاعهم من المشروع الوطني، ومن ثوابت قضيتهم، والقائهم على طاولة اصحاب المصالح الإقليمية والدولية.. ووصل الأمر بأن اصبح التمزق في الكيان السياسي الفلسطيني مادة تسلية ولعب من قبل بعض الأطراف في المنطقة.
اليوم، الأقصى يتعرض إلى أشرس عملية تهويد، وكذلك الحرم الإبراهيمي، كما المقابر الاسلامية والرموز الاسلامية في القدس وسواها. والتهويد اقتحم بيت المقدس، وحوالي بيت المقدس، من عناوين لصيقة بالقداسة والرمزية والتي كانت حكرا على المسلمين والعرب طيلة قرون بعيدة.. ونسمع عن صيغ عديدة يعلنها اليهود ليلحقوا المسجد الأقصى ببرنامجهم الاستيطاني.
ماذا يفعل المسلمون اليوم في هذا الامتحان العسير.. انهم بلا شك يملكوا ان يفعلوا اشياء كثيرة، والغريب انه حتى اللحظة لم يهتد المسلمون إلى خريطة طريق تحقق لهم خروجا آمنا وسليما من هذا الامتحان.
لماذا لم تلتق اتحادات الطلبة في البلاد الاسلامية واتحادات العمال والنقابيين والأحزاب والقوى الشعبية والإعلام الشعبي في واحدة من الاستنهاض الواسع لجماهير الأمة للدفاع عن مقدسها العزيز المسجد الأقصى.. وإن كان صعبا على الحكومات العربية والاسلامية الدخول في معركة مواجهة ضد عسكر الصهاينة الذين يعيثون فسادا في الأرض المباركة، فلا أقل من تسليح الفلسطينيين بكل عناصر الصمود والمقاومة لاستنزاف العدو الصهيوني وإرباك مخططاته.
صحيح ان المؤامرة الغربية تحاول الآن محاصرة عناصر المقاومة في الأمة في سوريا وايران ولبنان وفلسطين، لكن الذي لا شك فيه ان عناصر الانهيار في الأمة والتي تحاول جر الأمة كلها إلى القاع تمر بمرحلة احتضار لوجودها المعنوي، ولم يتبق سوى فصل أخير عنيف وعسير وقاس، وستخرج الأمة منه منتصرة بطلائع المقاومة، وستفرض نفسها أمة خيرة عزيزة كريمة ولو كره الكارهون.