الانتصار يحرر معبر رفح لتبادل المقاومة بالمقاولة
اليوم خمر في العرس الدولي المحتفي بغزة على إيقاع “لقد انتصرنا” ولغد أمر، بعد أن نجح من نجح في بكلوريوس الخفارة على حدود الكيان الصهيوني، ومن انتصر في تبريد صراع أزلي بتسخين مؤقت، ومن يقول لقد نجحنا في رفع الحصار… عن بوابة رفح، إلى أن يكتشف أن السقف الزمني للتهدئة المفتوحة سوف تحدده معركة “المقاومة” من أجل “تحرير” العرب لسورية من النهر إلى البحر.
“انتصرنا” قالها خالد مشعل وشلح من بيت المقاومة، كما قالها نتنياهو من البيت الصهيوني، “انتصرنا” يقولها محمد مرسي من بيت الإخوان المصري، وكلينتن من البيت الأبيض، وكامرون من بيت صاحبة الجلالة، وكثير من قادة البيت الأوروبي التابع، وقالتها حتى نعجة دولي من الخيمة القطرية، وبعض النعاج العربية من زريبة الجامعة، ومعهم “الغباث” المستأسد من العش العصملي التوراني، وذهب فصيل “غار” أوسلو من الضفة إلى المشاركة في العرس، بعد أن التحقت فصائل غزة بركب “المهادنين للكيان” تقول الألسن الماكرة من رام الله.
.
تغريد حر خارج لحن “لقد انتصرنا”
فمن يجرؤ على خرق هذا التوافق العالمي، الذي هنأ فيه “الممانع” من العرب، المعتدل منهم، المعتل أوله وأوسطه وآخره، وبارك المعتدي (الأمريكي) للمعتدى عليه الفلسطيني، فرد عليه التحية بأحسن منها، وتنفس بن كيمون الصعداء، وتوحد أخيرا مجلس الأمن ليثني على المعتدي والمعتدى عليه والساعي بينهما بالتهدئة، وأخرجت الفصائل الموقعة على التهدئة منسوبا من أهلها لتنظيم احتفالية النصر بشوارع غزة، المكلومة بمائة وواحد وستين شهيدا من النساء والأطفال، وأكثر من ألف ومائتي جريح.
والحال يكون من الصعب أمام هذا الإجماع العالمي العربي الإسلامي الدولي، أن تغرد خارج السرب، ولا حتى تغريدة افتراضية على تويتر، لكني أجد في نفسي ما يشفع لي مرة أخرى التغريد خارج السرب، ليس حبا في مخالفة الإجماع، ولكن من باب أنصاف بعض العقول السوية، التي تنتفض حذرا ويقظة كلما ساومها مساوم بمثل هذا التسويق الجماعي لأسطورة من أساطير الأولين والآخرين.
.
“توقيع فصائل غزة على تهدئة مفتوحة، سوف ينتج “تبريدا” شاملا لآخر جبهة بقيت مفتوحة ضد الكيان الصهيوني، بعد تكبيل جبهة لبنان بالقرار 1701 الذي أخرج حزب اللهمن اللعبة بنفس الصيغة”.
لعبة شطار بشعرة معاوية
لقد نشأ حراك دولي سريع، عمل بتناغم وأداء الفرقة السنفونية، بدأ بتشجيع القيادة المصرية في وقت مبكر على اتخاذ جملة من الإجراءات والمواقف السريعة، ألبستها حلة الطرف المساند للمقاومة ولأهل غزة، وعمدت مرسي وسيطا مقبولا تطمئن إليه الفصائل والعدو، لتمرر الرسالة الأولى التي يراد للشعوب العربية وللفلسطينيين أن يبتلعوها حيال تغيير الربيع لأحوال حاذي البعير.
وفي الوقت الذي كانت فيه واشنطن وعواصم غربية كثيرة يؤكدون على حق الكيان في ما يصفونه بالدفاع عن النفس، كان البيت الأبيض يعمل على جبهات متعددة: جبهة غلق باب مجلس الأمن، وجبهة تحريك حلفائه الأوروبيين لملئ الفراغ، وممارسة ضغوط مباشرة على المغامر نتنياهو، وتحريك البيادق الإقليمية الحليفة: تركية وقطر لتأطير حراك عربي، أريد له أن يكون كالحاضر الغائب، اللابس العريان، حتى لا يعوق الإخراج النهائي للمسرحية، لأن المطلوب أمريكيا كان ببساطة شديدة: أن يمتنع الأفرقاء عن الذهاب باللعبة إلى حيث لا يريد البيت الأبيض:
ومنها أولا: منع قيام موقف عربي صارم مخالف لما كان عليه في السابق، ثانيا، أن يتدخل مجلس الأمن تحت أي عنوان، وثالثا أن يتدخل أي طرف عربي أو إقليمي لإفساد الاختبار الذي رتب له العدوان للقيادة المصرية تحديدا، وتحميلها ما كان يحمل به النظام المصري في عهد مبارك، كطرف “محايد” مكلف بإدارة التهدئة وخفارتها بل و”ضمانها” كما جاء لاحقا في الاتفاق.
.
“تبريد” صراع أزلي بتسخين مؤقت
وعلى عكس ما كان يسوّقه الإعلام المهيمن، فإن الإدارة الأمريكية، التي أعطت الضوء الأخضر للعدوان، لم تكن لتسمح بتدحرجه إلى تدخل بري لا يمكن إدارته، والذي كان سيفسد على الأطراف العربية والإقليمية كل ما أنفق في الملف السوري، الأهم في حسابات الغرب وحلفائه في الإقليم.
كانت هذه جملة من المحطات أذكر بها حتى يسهل فهم محتوى الاتفاق، الذي يدشن فترة “تهدئة مفتوحة”، يبدو أنها أراحت وسوف تريح الجميع، لأن المطلوب كما نوّهت إليه الأسبوع الماضي، هو التوصل إلى “تبريد” شامل للصراع الصهيوني الفلسطيني، وتبعا لما بقي من الصراع العربي الصهيوني، تمهيدا لتصفية القضية الفلسطينية، والانتقال بها من مطلب التحرير بالمقاومة، إلى مسارات التسوية بالتقسيط المريح للكيان الصهيوني ولحلفائه.
لأجل ذلك أتفهم الترحيب العربي الإسلامي والدولي باتفاق التهدئة، وما تبعه من تبريكات، وإرجاء التوقيع إلى حين وصول كلينتن، حتى يعلم من في الأرض من الإنس والجن، أن ما أنجز إنما هو برعاية أمريكية، ثم لا بأس بعد ذلك، أن يشرك الشريك المصري الجديد في اقتسام تاج الغار بعد أن اجتاز الاختبار بتقدير فوق الامتياز.
.
كلمة السر في لعبة غير مشفرة
ولمن يريد أن يدرك حقيقة ما حصل، عليه أن يرتقي ببصره وبصيرته إلى المستوى الذي يشاهد منه الصورة الكاملة لما بعد التهدئة، التي تكون قد أخرجت غزة من خيار المقاومة إلى خيار المساومة، سوف تلحق الفصائل بفتح وبسلطة رام الله، خلافا لكل ما ادعاه السيد خالد مشعل وتابعه شلح.
فقد جاء الاتفاق بجملة من الالتزامات والاستحقاقات على الكيان الصهيوني، وعلى فصائل المقاوم، وتحديدا على القيادة المصرية التي نحتاج إلى تحريرها من شرنقة خطب التسويق المضللة.
فالاتفاق هو أول”اتفاق مكتوب” توقع عليه قيادة الكيان الصهيوني مع قادة الفصيلين والقيادة المصرية، يترتب عنه ضمنيا اعتراف إسرائيلي بالفصيلين الموقعين كشريكين، وبمصر كضامن لهما، كما يضمر اعترافا صريحا من قبل الفصيلين بسيادة الكيان الصهيوني على فلسطين التاريخية، التي لن “تعتدي” عليها المقاومة منذ الآن، إلا إذا اعتدى الكيان على غزة بالتحديد.
فقد قبلت فصائل غزة بتهدئة مفتوحة يضمنها الشقيق المصري، سوف تنتج “تبريدا” شاملا لآخر جبهة بقيت مفتوحة ضد الكيان الصهيوني، بعد تكبيل جبهة لبنان بالقرار 1701 الذي أخرج حزب الله من اللعبة بنفس الصيغة، أي بثبات الهدنة، وبرودة الجبهة اللبنانية ما التزم الكيان بالهدنة، وقد التزم بها منذ 2006 .
.
تجربة المجرب الذي قيّد حزب الله
تقول الفصائل إنها حققت “نصرا مبينا”، وفرضت جميع شروطها على العدو، بما يبرر لأهل غزة الاحتفال والفخر، وللأمانة فإن المواجهة الصاروخية مع العدو قد سمحت للمقاومة بتحقيق توازن قوة جديد، تماما كما فعلت من قبل صواريخ حزب الله.
وللأمانة أيضا، فإن الفصائل أظهرت قدرا عاليا من الجهوزية في تأمين مخزونها من الصواريخ، استمر في العمل بضع ساعات بعد بداية التهدئة، ولن يكون من اللائق إحراجها بتذكيرها بالثمن الباهظ في الأرواح، كما فعلت أنظمة الاعتدال معها ومع حزب الله أثناء عدواني 2006 و 2008 .
غير أن ساعة الحساب قادمة لا محالة، لتدخل الفصائل الموقعة على التهدئة في استحقاقات لا قبل لها بها.
فالاتفاق يقول مشعل: جعل من مصر راعيا وضامنا للطرفين، ومن الفصائل طرفا ضامنا لمصر، ومن الولايات المتحدة ضامنا للكيان الصهيوني حيال محاربة ومنع تهريب الأسلحة إلى القطاع بعد فتح المعابر، وهذا يعني أن الفصيلين، سوف يضطران للعب دور الشرطي والخفير مثل سلطة أبو مازن وحزب الله، لتعقب كل من تسول له نفسه خرق الاتفاق، ولو بإطلاق رصاصة واحدة، أو زرع عبوة ناسفة، ناهيك عن الرشق بالصواريخ في اتجاه مستوطنات الكيان، وهذا الالتزام سوف ينتج، إن آجلا أم عاجلا، اقتتالا داخليا فلسطيني- فلسطيني مرغوب فيه.
.
“الاختبار تم، والتفوّق حصل، وقد اطمأن صاحب العزبة على يقظة الخفير، فلا حاجة للاختبار بالاجتياح المكلف، وحتى يتوجه الجهد العربي لنصرة “المقاومة” السورية حتى “تحرير” سورية من النهر إلى البحر”
الفرح بكسر الحصار عن بوابة رفح
ثم إن القرار لم يتحدث صراحة عن رفع الحصار، بل أعاد صياغة اتفاق 2005 بين السلطة والكيان، بـ”تنازل” الكيان عن مطلب المشاركة في رقابة بوابة رفح لا أقل ولا أكثر. فالاتفاق لم يذكر كلمة واحدة عن امتناع تحليق الطيران الإسرائيلي فوق غزة، ولا عن سيادة الحكومة المقالة عن المجال الجوي، ولا عن الحصار البحري الذي سوف يستمر، وفي ما يخص المعابر مع الكيان جاء الاتفاق بعبارة “تسهيل” الحركة، عبارة مطاطة، سوف يلعب عليها الكيان لتحديد ما يسمح بمروره وما لا يسمح به، وحده معبر رفح حُرر بالكامل، وسوف تلتزم السلطة المصرية بواجب غلق جميع الأنفاق تحت الضغوط الأمريكية، ليكون رفع الحصار قد تم عبر معبر رفح ليس إلا.
دعونا الآن نتوقف عند بيت القصيد من العدوان برمته، منذ البداية وحتى إعلان الهدنة، ونحاول أن نفهم سر هذا التوافق العجيب، وتهليل الجميع بالنصر، كنت قد استبقت الإجابة عنه الأسبوع الماضي بالقول: إن “الرضا الأمريكي على العدوان قد تكون له دوافع خفية، لها صلة بحاجة الإدارة الأمريكية إلى خلق أجواء ضاغطة على القيادة المصرية الجديدة واختبارها” ولأجل ذلك لا أجد حرجا في القول: إن الاختبار قد تم، والتفوّق قد حصل، وقد اطمأن صاحب العزبة على يقظة الغفير الخفير، فلا حاجة للاختبار بالاجتياح المكلف بشريا للكيان الصهيوني، وسياسيا للولايات المتحدة ولحلفائها في المنطقة، وحتى تعود المياه إلى مجاريها، وتعود الصدارة في الفضائيات لأخبار سورية، ويتوجه الجهد العربي لنصرة “المقاومة” السورية حتى “تحرير” سورية، كل سورية من النهر إلى البحر.
.
تهدئة حتى “تحرير” سورية من النهر إلى البحر
كنت آمل من الفصائل، وقد وقعت الفاجعة، واستنفذ العدو مكاسب الصدمة، واستشهد من استشهد، أن تصمد أياما قليلة إضافية، وهي قادرة على الصمود، لتخضع الجميع إلى اختبارها، فتختبر مقدار استعداد المغامر نتنياهو على تنفيذ الاجتياح البري الذي لم يكن مستعدا له، وليس له ترخيص به من الولي الوصي الأمريكي، ثم تختبر صدق الموقف المصري، ومعه ادعاءات من ادعى النصرة من كيانات الربيع العربي، وإتاحة الفرصة أمام عقلة الأصبع ونعجة دولي، قيادة خراف بانورج داخل الجامعة العربية لزيارة غزة وهي تحت الاجتياح البري.
وبعيدا عن هذا المستوى الساخر، أريد أن أهب للفصائل مجانا هذا الاستشراف لما يرونه بعيدا وأراه قريبا:”لقد قبلتم وقبل العدو بتهدئة مفتوحة، لا شك أنكم سوف تلتزمون بها ما دام الكيان ملتزما بها، وسوف يلتزم بها، إلى أن يحسم الصراع العربي- العربي الدائر في سورية لهذا الطرف أو ذلك، لأنه في اللحظة التي يحسم فيها، سوف يفاجئكم العدو بعدوان واسع بغطاء أمريكي وغربي، لا يحتاج فيه إلى ذريعة، وسوف تختبرون ونختبر معكم وقتها صدق أسطورة تغيير الربيع العربي لميزان القوة”.