الانقسام والفساد والاستيطان
كان الله في عون الرئيس الفلسطيني، وهو يتجشم أعباء ملفات ثلاثة أصبح الخوض في كل واحد منها كأنما هو الخوض في مستنقع موحل لا شاطئ له ويصعب الخروج منه.
الانقسام والفساد والاستيطان، عناوين لواقع يكاد يخنق القضية الفلسطينية ويزحزح أصحاب اليقين عن حقهم، وهي مصطلحات تقابلها في علم اللغة والحياة ثلاثة مصطلحات: الوحدة والنظافة والانسحاب.. وهذه عناوين ينظر إليها الشعب على اعتبار أنها أهداف مقدسة ينبغي عدم تجاوزها.
الانسحاب من أراضي الضفة الغربية لإقامة دولة فلسطينية على حدود 1967 يستدعي عوامل عديدة، منها ما هو ذاتي ومنها ما هو موضوعي وإقليمي ودولي، ولذا من الصعب القطع بهذا الخصوص على نتائج سريعة وحاسمة ولن يكون مطلوبا من الفلسطينيين اختراق المعجزات في هذا الباب، وإن كان واضحا أنهم ينبغي أن لا يتنازلوا عن أي من عناوين قضيتهم وعلى رأسها العودة.. وما تشهده العملية السياسية المرهقة تكاد توصل الفلسطينيين إلى اليأس من امكانية توليد السلام مع الكيان الإسرائيلي، الذي يرى أن الوقت ليس وقت الحل السياسي مع الفلسطينيين فهناك بالنسبة للإسرائيليين أهداف إقليمية يرون ضرورة إنجازها قبل التفاهم مع الفلسطينيين على حل سياسي.
أما إنهاء الانقسام ومحاربة الفساد فهذه عملية مهما كانت صعبة فصاحب القرار المباشر فيها هم الفلسطينيون، والذين بإمكانهم إلغاء حالة الانقسام السياسي بينهم فورا وبشكل حاسم، كما أنهم قادرون على تصفية الفساد المالي والإداري في صفوفهم والذي يكاد يشنّع على قضيتهم المقدسة.
إلا أن الانقسام للأسف، أصبح حالة عيش واسترزاق وانتفاخ لنفر ليس بقليل على ضفتي الخيط الفاصل بين الحالتين الفلسطينيتين المتنازعتين.. هناك من استولى على مناصب ومواقع ورتب بفضل الانقسام الأسود.. وهناك من أسس لحالة على أسس من المناطقية والشللية لن يكون سهلا تقويضها.. ورغم أن الانقسام لايستند إلى أية مرجعية محترمة إلا أنه أصبح واقعا شرسا.. ومع حقائقه على الأرض يصبح من الصعب تخيل أنه يمكن أن نتحرك نحو الوحدة غدا، أو على الأقل لن تجدنا بأجهزة فلسطينية وإدارة فلسطينية فقط، إنما ستظل الأحزاب تلون المشهد وتفجره.. والتجربة أكدت أنه ليس هناك ضمانة لتحقيق ما يتم الاتفاق عليه بين الحزبين المتصارعين.. الأمر الذي يجعل الإعلان عن اتفاقيات للمصالحة يمر دونما بالغ اهتمام لدى المواطن الفلسطيني.
أما محاربة الفساد والتي نتابع أخبارها وهي تلاحق الوزير الفلاني، والمسؤول العلاني وتعقد المحاكمات ويجرد اللصوص مما سرقوا وتعلن أحكامها بقوة.. إن محاربة الفساد والتي تأخرت كثيرا جانب مهما اعتراه قصور، فإنه بلا شك يعبر عن إرادة الحياة لدى الفلسطينيين.. ومن الواضح أنه بمزيد من ملاحقة الفاسدين في الوزارات والإدارات والسفارات تعود ثقة الشعب بسلطته وبهياكلها، وهذا أمر مطلوب كثيرا في هذه المرحلة الصعبة.. ومن الأكيد أن الفساد ليس هو فقط السرقة بمعناها الواضح فهناك سرقات كثيرة تتم بطرق قانونية لكن النظافة تأباها وروح المسؤولية ترفضها.. ليس فقط من ينفق بلا فواتير هو لص، إنما أيضا من يتحايل على الفواتير ويستغل منصبه فيهدر مال الشعب والسلطة على نفقات خاصة له، لا يتقي الله في المال العام ولا في شعبه.. اللصوص كثيرون في الداخل الفلسطيني وفي الخارج ولئن استطاعت هيئة مكافحة الفساد إحالت وزراء ومسؤولين كبار على التحقيق فإن المأمول فيها أن تمتد يدها قريبا إلى ساحات الخارج تفتش على الموظفين الصغار والكبار في مؤسسات المنظمة والسلطة، لتعيد لنا ثقة أمتنا بنا بعد أن أصبحت جوانب من مواقعنا مشهورة بالرشوة والتبذير.
كان الله في عون أبو مازن.. فما أبشع الفاسدين والانقساميين.. لكنه سيجد كل الشرفاء الغيارى معه في حربه ضد الفاسدين والانقساميين.. وإن هذا هو طريق استعادة فلسطين.