الرأي

الباحثون عن الشّعرة السّوداء في جنْب الثّور الأبيض

أبو جرة سلطاني
  • 1169
  • 7

من يخالفك الرأي لا يرى فيك إلا السّواد حتى لو كنت رسولا كريما. ودليل ذلك أنه لما بُعث رسول الله (ص)، فتّش خصومه عن عيوبه ونقائصه ونقُبوا في سيرته (على مدار 40 عاما) فلم يجدوا ما يشينه. فعيّروه بأكل الطعام والسّير في الأسواق!! وكأن الأكل والتسوّق تهمتان: ” وقالوا ما لهذا الرّسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق” الفرقان: ٧.

– فمن يبغضك لا يرى فيك إلا العيوب. فأنت في عينية ” كتلة مساوئ”.
– ومن يحبّك لا يرى فيك إلا المحاسن. فأنت في قلبه ” كتلة جمال”.
وكلاهما مخطئ؛ فلا يوجد في الكون إنسان كامل بغير عيب ولا إنسان لا حسنة له: ففي الثور الأسود شعرات بيضاء. وفي الثور الأبيض شعرات سوداء. ولكن عين الرّضا عن كل عيب كليلة وعين السّخط تبدي المساوئ. كما قالها المتنبي. فالخمر “أم الخبائث” ولكن الله ( جل جلاله) لم يجرّدها من منافع مادّية كانت تدرّها تجارتها على أصحاب الحوانيت..!!

كان المسيح (ع) يمشي مع بعض حواريّيه فشموا ريحا غير زكيّة تنبعث من كلب أسود
ميت. فقال بعضهم: ما أشدّ سواده. وقال آخرون: ما أنتن ريحه.. وخاضوا في عيوبه وهو ميّت..!!  فلما سكتوا قال عيسى (ع):” فهلاّ قلتم: ما أشد بياض أسنانه”.

لا تتعب نفسك بمحاولة إقناع الذباب بأنه من “عائلة النحل”. ولا تطمع في “ترويضه” على امتصاص رحيق الأزهار بدل الوقوع على دمامل الجراح المتعفّنة. فقد خلقه الله ذبابا ليؤدي هذه الوظيفة . وخلق النحل نحلا ليؤدي وظيفة أخرى. مع أنهما من أسرة واحدة. ولكن الله ( جل جلاله) شرّف النحل بالوحي. وضرب بالذباب مثلا لتقرير ضعف “الطالب والمطلوب”. وبيان أن الطّبع يغلب التطبّع.

ومن غريب ما يلاحظ أن الذّباب إذا حط على العسل غاصت أرجله فيه وتخبط حتى الموت. فمن أرد التخلص من شغبه فلينآى بنفسه عن مطاردتة  ويتحوّل إلى فعل حضاري راق: فلا يعانده ولا يهشّه بل يصبر عليه فعمر الذباب في الحياة قصير..!!  وسوف يحط يوما على جرح يلقى فيه مصرعه ولن يطير بعدها أبدا..!!

هذه فكرة تبدو مستفزّة لأصحاب “ثقافة المؤامرة”، ولكنها ذات مغزى عميق يصلح مدخلا لفقه “طبيعة البشر” لمن يريد أن يريح نفسه من محاولة إرضاء الناس بكلامه، أو بما يتخذه من مواقف تبدو لهم غريبة..!! وقد قيل: ” إرضاء الناس غاية لا تدرك. ومرضاة الله غاية لا تُترك. فلا تشغل نفسك بما لا يُدرك عما لا يّترك”.

للرّسل خصوم وأعداء يحاربونهم بلا هوادة ويقولون فيهم ما لا يليق. والإجماع لم ينعقد حول ذات الله (جل جلاله) وصفاته وأفعاله!! وهو القويّ العزيز.  فكيف ينعقد حول مخلوق ناقص ضعيف مهما علا شأنه؟؟

بعث الله رسله للناس فوقفوا منهم مواقف شتّى: فمنهم مكذّب بهم. ومنهم جاحد لوجود الله..!! ومنهم من عرف الحق ورده واستهزأ بكلام الله. ومنهم من قال عن الله ( جل جلاله) إنه فقير..!! ويده مغلولة..!! وهو ثالث ثلاثة..!! وله صاحبه وولد..!! تعالى الله عما يقولون علوّا كبيرا.
أما عن الإنسان فلا يوجد في الكون إنسان كامل، حتى الرّسل أعطاهم الله عصمة في الدّين ولم يصادر بشريّتهم ولا حقّهم في الاجتهاد: ” قل إنما انا بشر مثلكم يوحي إليّ” الكهف:  ١١٠. ليتفرّد المولى (جل جلاله) وحده بالكمال ذاتا وصفات وأفعالا. ومن كماله أنه جعل دينه كاملا وكلامه هو الكلام الوحيد – في الكون كله –  الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. وما عداه فيؤخذ منه ويُرد إلاّ ما صح من سنّة المصطفى (ص) كما قال إمام دار الهجرة (رضي الله عنه).

أبهرني ما قرّره القرآن المجيد بأن طبيعة البشر  مطمورة في أعماق كل نفس  ولكنّ صاحبها لا يراها: ” وفي أنفسكم أفلا تبصرون” الذاريات: ٢١. فكم من عالم يعرف كل شيء عن الكون ولا يعرف نفسه ويجهل حقيقتها. فإذا فقهها أراح واستراح.

فأصل الإنسان قبضة طين ونفخة روح. وطبيعة الطين الثّقل والانحدار والتّعفن.. بينما طبيعة الرّوح اللطافة والتّسامي.. والإنسان في صراع بين إرادة طينيّة تنحدر به إلى سافل. وإرادة روحيّة تشتاق إلى معانقة علويّتها ولكن تحبسها ثقلة الطين فتتأثر بقانون الجاذبية. وتتخبط بين الطّيع والتّطبع وبين الفجور والتقوى:” قد أفلح من زكّاها وقد خاب من دسّاها” الشّمس: ٩/١٠. وهو قادر على تغيير سلوكه ( تزكيّة وتدسيّة) بالمجاهدة فيها لخفض منسوب حقدها على من لا يماشيها في هواها؛ فالحقد مرض نفسي يهلك صاحبه ويشقيه ويزري به فيضيق صدره ويزرع فيه السُواد،  فلا يقرأ في الناس سوى النّقص والهزال والسّلبية.. ويحسب كلّ صيحة عليه.. ويفسر كل ما يقرأ وكل ما يكتب بهواه دون سند ولا حجة ولا كتاب منير.

من كان هذا حاله فلا تمد له يدك بمعروف ولا تبسط له لسانك بنصح . وإذا مددتهما فجهل عليك وترك يدك ممدودة ظنا أنك ضعيف . فلا تلمه ولُم نفسك واعذره حتى لو كنت تحاول إنقاذه من غرق. فكم من طبيب بيطري تعرض للأذى من طرف ” قط أليف” كان يحاول إنقاذه. فتجاوز عن طباعه ومسح على فروته واستمر في تقديم الخدمة له ، ليقينه أن من كان طبعه إنسانيّا لا يتأثر بردود أفعال ” القطط الأليفة”. فالطبع يغلب التّطبّع. والدنيا ليست سوادا وبياضا إلا في عيني مصاب بعمى الألوان.

فالله بصّر  قومي بالحقّ فإن أكثرهم طيّبون.

مقالات ذات صلة