الرأي

البحث العلمي: المظهر المخادع

محمد سليم قلالة
  • 4042
  • 0

رغم كل المؤهلات التي نملك في مجال البحث العلمي، رغم آلاف الأساتذة وعشرات الآلاف من الطلبة الباحثين، رغم الهياكل المتوفرة، والمؤسسات الكثيرة، رغم تفوق عدد من باحثينا في مختلف المجالات ونيلهم الاعتراف الدولي وهم داخل الوطن، رغم ما يتم إنجازه في كثير من المراكز والوحدات والمخابر والوكالات والفرق البحثية.

رغم كوننا نملك 48  جامعة و10 مراكز جامعية و4 ملاحق، و18 مدرسة عليا في جميع التخصصات ناهيك عن مدارس تكوين الأساتذة… لماذا لا نتقدم علميا ولا نرتقي في سُلم الترتيب العالمي في مجال الإنتاج العلمي؟ ولماذا تبقى كل هذه الجهود حبيسة الأدراج بلا تأثير على الاقتصاد الوطني وبدون انعكاس مباشر أو غير مباشر على المواطن؟ تبدو بالفعل أسئلة محيرة.

ونحتار أكثر عندما نبحث عن أجوبة لها، ذلك أننا من ناحية المظهر نملك أكثر مما يؤهلنا إلى أن نرقى بمستوى البحث العلمي على الأقل إلى درجة البلدان الصاعدة كجنوب إفريقيا، البرازيل، وغيرها، ومن ناحية المنظور والرؤية لا ينقصنا الحديث عن استراتيجيات البحث العلمي في الجزائر على المستوى البعيد، بل لدينا هيئات على أعلى مستوى مُكلفة بتقديم تصور للبحث العلمي على المدى القريب والمتوسط والبعيد، سواء على مستوى وزارة التعليم العالي والبحث العلمي أو على مستوى الوزارة الأولى… فضلا عن حديث السلطات العليا في البلاد، في كل مرة، عن أهمية البحث العلمي والتطوير التكنولوجي في تنمية البلاد…

كل هذا متوفر، ولكننا لا نرى بحثا علميا في الميدان. هل هو نفاق سياسي على أعلى مستوى، أم هو اهتمام بالشكل دون المضمون، أم هو انعدام إخلاص في العمل؟ أم هو جزء من الحالة العامة التي تعرفها البلاد، حيث يطغى فيها الشكل على الجوهر والحديث عن الهيئات والهياكل والكم والعدد… على النوع والعنصر البشري المسؤول عن هذه الهياكل وعن المهام الموكلة إليه والصلاحيات المعطاة له والغاية من وجوده؟

عند متابعة واقع هياكل البحث العلمي في الجزائر نجد أنها في غالبيتها تابعة لوزارة التعليم العالي والبحث العلمي، نادرا ما ارتبطت بالمؤسسات الصناعية والإنتاجية ـ الغائبة أصلا لعدم وجود أية شبكة وطنية للصناعات المتوسطة والصغيرة ولطغيان الاعتماد على المنتج الأجنبي في كافة القطاعات ـ والقلة القليلة من المراكز غير التابعة لوزارة التعليم العالي لا يمكن أن يكون لها تأثير في هذا القطاع.

المسألة الأولى التي ينبغي أن ندركها أن ميزانية وزارة التعليم العالي والبحث العلمي التي يُفترض أن يُصب نصفها أو ثلثها في مجال البحث العلمي بطريقة مباشرة أو غير مباشرة نجدها تُنفِق قرابة نصفها في قطاع الخدمات الجامعية (المطاعم الجامعية، النقل، الإيواء… الخ)، وقرابة النصف الآخر ضمن ميزانية التسيير (أجور، نفقات، إدارة…)، ولا يبقى للبحث العلمي مباشرة إلا النزر القليل، فضلا عن هذا فإن الميزانية التي تُخصص للمراكز والمخابر والوحدات والفرق البحثية والوكالات تذهب في معظمها إلى التجهيز (أثاث مكتبي، كمبيوترات، أجهزة مختلفة، ملتقيات، طباعة… الخ)، مكافأة الباحث الحقيقي القادر على الإنتاج تعد ثانوية بالنسبة لهذه النفقات. وإذا علمنا أن نسبتها لا تزيد عن 2٪ من ميزانية وزارة التعليم العالي في زمن الرخاء، وأن النسبة المخصصة للبحث العلمي في الجزائر لم تزد عن 0.63٪ من الناتج الوطني الخام مقارنة بأكثر من 1.5٪ لدى الكثير من الدول المتقدمة والصاعدة وأكثر من 3.5٪ لدى الكيان الإسرائيلي، فإننا ندرك حقيقة الاهتمام بالشكل أكثر من المضمون، ونميل إلى تأكيد فرضية أننا نمتلك هياكل وهيئات للبحث العلمي كمظهر ولكننا لا نملكها كحقيقة فاعلة في الميدان، نزعم أن لدينا رؤية في هذا المجال ولكنها في الواقع ليست أكثر من محاولة لإرضاء النفس بأننا نقوم بعمل معين نسميه بحثا علميا.

لا ننكر أن لدينا داخل الوطن باحثين أكفاء، ولا ننكر أن هناك إرادة لدى الكثير منهم في القيام بأبحاث في المستوى العالمي، ومنهم من لديهم حقيقة شغف بالبحث العلمي، ويطمحون لأن يكون لديهم دورهم في هذا المجال، وهناك من وصلوا إلى براءات اختراع اعترفت بها البلدان المتقدمة واستفادت منها للأسف وهم في الجزائر (مخبر Ipsil  أنتج لوحا تفاعليا اتصاليا وحصل على 4 جوائز ابتكار في فرنسا)، ومن أنتجوا أبحاثا في مخابرهم نُشرت في أكبر المجلات العالمية، ولكنهم قلة تعد على الأصابع مقارنة بذلك العدد الكبير من الباحثين الذين تضمهم هياكل بلا روح ويفتقدون للهدف من وجودهم في مثل هذه الهيآت المختلفة، يكتفون بالنزر القليل من المكافأة المالية التي يتقاضونها ويغضون الطرف ـ غير راضين ـ في واقع الأمر عن هذا الواقع المخادع للبحث العلمي.

ويبدو وكأن الأمر في الأخير يتعلق بسياسة عامة للدولة لا يهمها الجوهر بقدر ما يهمها الشكل، لا يهمها النوع بقدر ما يهمها الكم، وهذا في كل المجالات. ويتأكد لنا هذا الاتجاه في أكثر من مستوى.

لدينا في الجزائر 1386 مخبر بحث معتمد من قبل وزارة التعليم العالي في كافة المجالات والتخصصات من العلوم الإنسانية إلى أرقى التخصصات في العلوم والتكنولوجيات والدقيقة، ولدينا وكالات بحث في العلوم والتكنولوجيا، والصحة، والعلوم الاجتماعية، وعلوم الطبيعة والحياة، والبيوتكنولوجية، والعلوم الفلاحية والغذائية، موزعة على أكثر من ولاية من ولايات الوطن، ولدينا مراكز بحث أيضا في جميع التخصصات من وزن (Cerist) مركز الإعلام العلمي والتكنولوجي، ووزن مركز الاقتصاد التطبيقي  (cread)، وأقل منهما من حيث الهياكل والتجهيزات والعنصر البشري في مجالات الطاقات المتجددة والتكنولوجيات المتقدمة، والتلحيم والمراقبة، وتطوير اللغة العربية، والأنتروبولوجيا الاجتماعية والثقافية (مديرته السابقة وزيرة التربية الحالية بن غبريت كنموذج)، والبحث في المناطق الجافة، والبيوتكنولوجيا، والفيزياء والكيمياء، وحتى العلوم الإسلامية… ولدينا وحدات بحث في البصريات، والبيئة والأقاليم الصاعدة والواقع اللغوي في الجزائر والترجمة والمصطلحات… وفي كل المجالات التي يمكن أن يستوعبها البحث العلمي… ويكفي لأي مواطن أن يتصفح قائمة البحوث المعتمدة من قبل وزارة التعليم العالي ليعرف أنه لا يوجد مجال إلا واهتمت به.

لِمَ لا نرى نتائج كل هذه الهياكل على أرض الواقع؟ لماذا لا ترتقي جامعاتنا إلى مصاف الجامعات العالمية؟ لماذا لدينا شكل بلا مضمون وكَمٍ بلا نوع؟

لعله السؤال الأول الذي انطلقنا منه اليوم، وعلينا أن نعود إليه بحثا عن جواب يبدو لي كامن في أمر له علاقة بالخيارات السياسية للبلاد، وبإخلاص حقيقي لهذا الوطن، وبتفان في خدمته.. ونحن في حاجة إلى تغيير كل هذا إذا أردنا للبحث العلمي في بلادنا أن يتقدم. السياسة العامة للتعليم العالي، والرجال ذوو الكفاءة المخلصون والمتفانون حقيقة في خدمته، من مسؤولين سياسيين أولا، ثم باحثين وكفاءات وطنية. الكل يعلم هذا ونحن في حاجة لمن يقرر ويختار الطريق الصحيح على أعلى مستوى.

مقالات ذات صلة