الرأي

البديل

في الوقت الذي يبحث الكثير من الناس، عن البديل، الذي يُنسيهم سنوات التراجع العجاف، أو ما يسمى بالجزائر الجديدة، التي تقبِر ما كان قديما باليا ومؤلما، هناك البعض منهم يرى بأنّ من يغادر، قد لا يعود أبدا، ويوجد رجالٌ يرحلون عنا لم نجد من يخلفهم في مناصبهم، بعلمهم والتزامهم ووطنيتهم، حتى اقتنع آخرون بعقم مُزمن للبطن الجزائرية.

لا أدري ماذا كان يقصد الزميل الراحل سليمان بخليلي، وهو يطلق اسم “البديل” على قناته التلفزيونية الفتية؟ ربما أراد بديلا جادا لما عاشه في سنواته الإعلامية والثقافية، قبل أن يرحل عنا بعد معاناته مع وباء كورونا، لنكتشف بأن أصعب شيء حاليا في الجزائر، هو إيجاد بديل أو خليفة لسليمان بخليلي ولغيره من الراحلين في شتى المجالات.

لا أظن بأن الجزائريين قد بالغوا في وصف ما كان يكتنزه سليمان بخليلي من ثقافة واجتهاد وكدّ وأخلاق، ضمن المعادلة التي نحفظها ونطبقها من زمان: “كي مات علقولو عرجون”، فقد كان الإجماع في حياته قبل رحيله، بأنه كنزٌ للوطن يستحق أكثر من المناصب التي مُنحت له في ميادين الثقافة والصحافة والتعليم، وسيشعر كل الذين قادوا البلاد بأنهم ظلموا الوطن والعباد عندما لعبوا بمصير أبناء الجزائر، فمنحوا حقائب التعليم الوزارية والمديريات العليا لمن لا يمتلكون من العلم ذرة ممّا امتلكه الراحل، ولم يلتفتوا إليه وكان على مشارف سن التقاعد، والأمر سيَّان في بقية المجالات العلمية على وجه الخصوص، عندما نرى الكثير من المغادرين الذين ما استفادت منهم البلاد ولم يتركوا لا خليفة ولا بديلا على وزن قناة الراحل سليمان بخليلي الذي لا بديل له.

لم تستفد الجزائر منذ الاستقلال من الكثير من الكفاءات وفي شتى المجالات، والطامة الكبرى أنها منحت مناصب عليا وحساسة لشخصيات دون المستوى المطلوب، فغادر البشير الإبراهيمي ومالك بن نبي ومحمد أركون ومالك حداد ومالك شبل وسليمان بخليلي… وغيرُهم كثيرون من دون أن تجني الجزائر من ثمار ما غرست فيهم من قيم ومبادئ وعلم ومعارف، وسيكون من العبث أن نترك ما بقي من نزهاء وأكفاء على الهامش من دون أن ننهل منهم ونمنحهم قيادة جيل يشدّه العالمُ الافتراضي بقوة إلى الهاوية، وصدِّقوني فإنَّ من بقي منهم قليلٌ جدا.. إن لم يكن نبعُهم قد جفّ.

لم يكن سليمان بخليلي رحمة الله عليه سوى نموذج في عالم الثقافة، كان يحمل مرة خاتما من ذهب ويجوب به البلاد ليمنحه لمن يعرف معلومة ما في مختلف الثقافات، ويدعو أخرى بـ”زدني علما”، في حصص ثقافية لا تتوقف عن إطلاق بالونات المعارف المبهِجة التي كسرت الضحك السائد على ذقون الناس، في زمن “الواي واي” و”الطاي طاي” و”الداي داي”، أو زمن اللاعلم واللا ثقافة، ولو عرّجنا نحو بقية المجالات لندبنا حظنا وتأكدنا بأننا رضينا بالغرق وزوارقُ النجاة من حولنا.

مقالات ذات صلة