البرازيل تمتع وتقنع وتفوز وظهور الأسطورة بيليه
أسند تنظيم نهائيات 1958 إلى السويد خلال الجمعية العمومية للاتحاد الدولي الفيفا التي عقدت في لندن إبان إقامة الألعاب الأوليمبية 1948 في العاصمة الإنجليزية.. وانتهز السويديون الأذكياء فرصة إقامة النهائيات التالية عام 1950 في البرازيل واختيار سويسرا لإقامة البطولة عام 1954 للتقدم بطلب غريب ومبكر جدا إلى الفيفا لاستضافة نهائيات 1958 ودعم السويديون موقفهم أيضا بالإشارة إلى عدم تقدم أي دولة من أمريكا الجنوبية للتنظيم لعام 1958 لأن الوقت لا يزال مبكرا وكذلك الظروف الاقتصادية والاجتماعية والمالية الصعبة التي تعيشها أغلب دول أوروبا بعد الدمار الشامل الذي زلزل القارة من الحرب العالمية الثانية.. ولكن القرار كان مبدئيا ويحتاج إلى تأكيد وتحصين، خصوصا أن موقف دول أميركا الجنوبية لم يتضح في ظل قرار الفيفا بدوران مكان البطولة بالتبادل بين قارتي أوروبا وأمريكا الجنوبية.
دعم السويديون مجددا القرار بحملة دعائية عملاقة دارت حول الحفاوة وكرم الضيافة الذي ينتظر كل المنتخبات في السويد.. وبالفعل أكد الفيفا قراره في جمعيته العمومية عام 1950 فى ريو دي جانيرو وبالإجماع وأعلنه نهائيا في عام 1954.. ورغم أن عالم كرة القدم والفيفا فقد رائده الفرنسي جول ريميه الذي رحل في أكتوبر 1955 إلا أن كأس العالم استعادت فى نهائيات السويد الكثير من بريقها وشفافيتها.
الاتحاد السوفييتي أزال الستار الحديدي الذي أحاط نفسه به اختياريا منذ الحرب العالمية وشارك أوليمبيا وفاز بذهبية كرة القدم في دورة ملبورن الأوليمبية 1956.. واعتمد المنتخب السوفييتي على لاعبين من كل الأقطار المنضمة تحت لوائه: إستونيا وأرمينيا وأوكرانيا وبيلاروسيا ولاتفيا.. وشارك في النهائيات متخطيا بولندا في التصفيات بعد مباراة فاصلة فى ليبزيج.. ولكن المنتخب السوفييتي كان المكروه الأول من كل الجماهير فى النهائيات بعد الغزو السوفييتي لهنجاريا قبل عامين واحتلالها وقتل الآلاف خلالها.. وهو الأمر الذي حرم هنجاريا من فريقها الذهبي بعد هروب بوشكاش وكوتشيش وتسيبور إلى إسبانيا.. وتحول الأبطال إلى أشلاء ولم يشارك منهم فى النهائيات إلا هيديكوتي وبوجيك وجروشيتش.
ضمن الإنجليز مقعدهم بجدارة في النهائيات على حساب إيرلندا الشمالية والدنمارك وهزموا كلا منهما بخماسية.. ولكن الفريق تعرض لصدمة ولا أثقل بسقوط طائرة نادي مانشستر يونايتد في مايو 1957 ومصرع سبعة لاعبين بينهم ثلاثة من أعمدة المنتخب.. وتأهل الأسكتلنديون بغرابة بفارق نقطة عن إسبانيا التي رشحها الخبراء لإحراز كأس العالم بعد إنجازات نادييها ريال مدريد وبرشلونة في كأس الأندية الأوروبية.
16 منتخبا صعدت إلى النهائيات وتم تقسيمها إلى أربع مجموعات.. وأقيمت المباريات في كل منها بنظام الدوري الكامل من دور واحد ليواجه كل فريق الآخر.. ولأننا في عالم كرة القدم تجددت المفاجآت.

الألمان حاملو اللقب عجزوا عن الفوز على منتخب تشيكوسلوفاكيا أو على إيرلندا ولكنهم تصدروا المجموعة بفوز باهت على الأرجنتين.. وتأهلت فرنسا ويوغسلافيا عن المجموعة الثانية بعد مباراة مثيرة فاز فيها الفرنسيون على الباراغواي 7-3.. ولم يخسر منتخب ويلز ولكنه لم يفز أيضا في المجموعة الثالثة. وفي النهاية صعد على حساب هنجاريا بعد لقاء فاصل وتأهل منتخب السويد متصدرا لتلك المجموعة.. وفي مجموعة الموت انتزعت البرازيل بالزي الأصفر للمرة الأولى بدلا من الأبيض ومعها الاتحاد السوفييتي بطاقتي التأهل من إنجلترا والنمسا.. وخرج الإنجليز بعد السقوط في لقاء فاصل مع السوفييت رغم أنهم هزموهم في اللقاء الأول بالمجموعة.
إيرلندا الشمالية حملت آمال الجزر البريطانية إلى ربع النهائي ولكن سقوطها كان مروعا أمام فرنسا برباعية نظيفة.. وصمد منتخب ويلز أمام البرازيل في ربع النهائي أيضا حتى فض هدف النجم الصاعد بيليه الاشتباك وحسم اللقاء.. وصعدت منتخبات فرنسا والبرازيل وألمانيا حامل اللقب والبلد المضيف.. والأخيران تأهلا على حساب فريقي الكتلة الشرقية الاتحاد السوفييتي ويوغسلافيا وسط أجواء جماهيرية محمومة ضد الخاسرين.
مباراتا نصف النهائي كانتا تاريخيتين على كل الأصعدة وشهدت الأولى مواجهة لأشهر هدافين في تاريخ كرة القدم على مر العصور.. البرازيلي بيليه الذي تخطى حاجز ألف هدف في الملاعب والفرنسي جوست فونتين صاحب الرقم القياسي لأكبر عدد من الأهداف لأي لاعب في أي نهائيات للمونديال حتى الآن.
بيليه كسب معركته الفردية مع فونتين وسجل هدفين مقابل هدف والبرازيل فازت على فرنسا 5-2 وتأهلت بجدارة.. واستمتع الآلاف من الحضور في المدرجات بواحدة من أقوى مباريات كرة القدم على مر العصور.. وفي المباراة الثانية لنصف النهائي شرب الألمان من نفس كأس التحكيم الظالم الذي أذاقوه للمجريين في النهائي السابق.. وسجل البارع شافير أولا للألمان الفريق الأفضل.. ولكن الحكم الهنجاري زولت انتقم لبلاده وفريقه شر انتقام من الألمان بسبب النهائي السابق في 1954.. واحتسب زولت هدف التعادل للسويد من لمسة يد شاهدها الجميع بوضوح ثم طرد الألماني جوسكوفياك وترك السويدي هامرين بعد أن تبادلا اللكمات أمام الجميع.. ولم يعاقب المدافع السويدي الذي تعمد إيذاء كابتن ألمانيا فريتز فالتر الذي خرج محمولا على محفة لينزل عدد الألمان إلى تسعة مما مكن السويديين من إحراز هدفين آخرين قبل النهاية.
وفي لقاء تحديد المركز الثالث حفظ الفرنسيون ماء وجههم بالفوز الكبير على ألمانيا 6-3 والحصول على الميداليات البرونزية.. وسجل فونتين إنجازا تاريخيا بإحراز أربعة أهداف بمفرده ورفع رصيده إلى 13 هدفا.. وهو رقم يصعب تحطيمه.
وارتفع سؤال بين عشاق الكرة المتابعين للمونديال واتسعت ساحة المخاوف في بلاد السامبا.. هل يساند التحكيم السويد فى النهائي ضد البرازيل؟
وثار تساؤل آخر عن الزي الذي يرتديه الفريقان لأن البرازيل والسويد اعتادا دائما اللعب بالألوان الصفراء.
تمنى أنصار السويد أن تمطر السماء ليمتلئ الملعب بالمياه ويفقد البرازيليون إيقاعهم وهو ما حدث.. وطالب الخبراء فريقهم بالهجوم الباكر لإحراز هدف سريع وإرباك البرازيليين وهو ما حدث بهدف في الدقيقة الرابعة.. لكن لا المطر أفقد لاعبي البرازيل إيقاعهم ولا الهدف المبكر أربكهم وعادوا بقوة بهدفين في الشوط الأول وعززها الرائع بيليه بهاتريك فى الشوط الثاني.. وفازت البرازيل بجدارة 5–2 وتوجت بالكأس للمرة الأولى.. وبكى بيليه بين زملائه قبل استلام الميداليات.. وتحول بعدها الفتى الأسمر بيليه إلى الجوهرة السوداء وإلى أسطورة اللعبة الجميلة.
أرقام وأحداث من المونديال
**أصبح منتخب البرازيل ثاني فريق يحتفظ باللقب بعد ايطاليا في الثلاثينات وتساوى مع ايطاليا والأورغواى في رصيد الفوز بلقبين في المونديال.. شملت تشكيلته الأساسية تسعة من نجوم الدورة السابقة، محتفظا بهيكله في حدث لم يتكرر في التاريخ.
** للمرة الأولى في تاريخ المونديال يقل معدل الأهداف في المباراة الواحدة عن 3 أهداف، وشهدت البطولة 89 هدفا في 32 مباراة.. وبينما سجل كوتشيش 11 هدفا في 1954 وفونتين 13 هدفا في 1958 لم يتجاوز الهداف حاجز اربعة اهداف فقط، وهو اقل رصيد في التاريخ لهداف المونديال.. وتساوى اللاعبون الستة الهنغاري فلوريان البرت والسوفييتي فالنتين ايفانوف واليوغوسلافي درازان يوغوفيتش والشيلى ليونيل سانشيز والبرازيليان فافا وغارينشا.
** عجز الهداف الأسطورى بوشكاش الهنغاري الأصل والذي لعب مع المنتخب الإسباني عن هز الشباك في كل المباريات.. بينما منعت الإصابة النجم الإسباني الفريدو دي ستيفانو الارجنتيني الأصل من اللعب في آخر فرصة له للعب في نهائيات كأس العالم.. وكان دي ستيفانو مقيدا في القائمة الإسبانية للمونديال.
** فوجئ العالم في ماي 1960 بأقوى زلزال في التاريخ (9,5 درجات بمقياس ريختر) في الشيلي وأدى لدمار شامل.. ووعد رئيس الشيلي بإعادة بناء الملاعب في اسرع وقت ونفذ وعده بالفعل.. وهو ما أدى إلى نقص عدد المدن المستضيفة للمباريات إلى اربع مدن فقط وكانت السويد قد نظمتها في 12 مدينة.
** للمرة الأولى تجرى عملية القرعة وفقا للنظام الجغرافي بوضع منتخبات امريكا الجنوبية في كوب، وفرق اوروبا القوية في كوبين مختلفين، وبقية الفرق بلغاريا وسويسرا وكولومبيا والمكسيك في كوب.. واختيار منتخب من كل كوب لكل مجموعة.. وللمرة الأولى يستخدم فارق الأهداف بين المنتخبات لتحديد الترتيب والتأهل للدور التالي عبر المجموعات.
** للمرة الثانية على التوالي كان الأسطورة بيليه هو اصغر لاعبى البطل.. وتوج بيليه بالكأس مع البرازيل هذه المرة وعمره 21 عاما و231 يوما فقط.. لكنه لم يلعب سوى المباراتين الأولى والثانية بسبب الإصابة، وكان بيليه قد غاب عن المباراتين الأولى والثانية في النهائيات السابقة.
** ازداد توزيع الحكام بين الدول ليصل إلى 18 حكما من 17 دولة لاختيار حكمين من الدولة المنظمة الشيلي.. وكان اشهرهم السوفييتي لاتيشيف الذي أدار نهائي البطولة السابقة والانجليزي كين استون والإسباني غارديزابال والسويسري دينست الذي أدار نهائي البطولة التالية.
غارينشا.. أحسن جناح أيمن في التاريخ
شارك في النهائي رغم طرده في نصف النهائي
غارينشا هو لقب النجم البرازيلي الفذ مانويل فرانسيسكو دوس سانتوس. وهي كلمة تعنى بالبرتغالية الطائر الصغير.. وأطلق عليه أصدقاؤه المقربون لقب (ماني) وهو اختصار لاسمه الأول مانويل.. ولكن كلمة ماني في اللغة البرتغالية تعنى المجنون وهو جزء من الشخصية الطبيعية لغارينشا.. وظل اسمه الأكثر شيوعا بين جماهير الكرة البرازيلية ماني غارينشا.
أطلقت عليه الجماهير لقب (أليجريا دو بوفو) وهي جملة تعني بالبرتغالية سعادة الفقراء.. واكتملت ألقابه العديدة بين الجماهير بلقب (أنجو دي بيرناس تورتاس) وتعني بالبرتغالية الطائر ذا الساقين الملتويين.
يعتبره الخبراء الجناح الأيمن الأعلى مهارة في تاريخ كرة القدم.. والنجم الأبرع في المراوغة من الثبات في تاريخ اللعبة.. والضلع الأهم في شهرة الأسطورة البرازيلية بيليه في انطلاقته مع منتخب بلاده.. وفي الاستفتاء الذي أجراه الاتحاد الدولي لكرة القدم الفيفا عام 2000 لاختيار نجوم القرن العشرين احتل غارينشا المركز الثاني لأحسن لاعب برازيلي في التاريخ بعد بيليه.. ولكن الكثيرين من المخضرمين من خبراء اللعبة في البرازيل يعتبرونه متساويا مع بيليه إن لم يكن الأفضل، وهو الذي حقق ما لم يحققه بيليه عندما توج هدافا لكأس العالم 1962.
غارينشا أحرز كأس العالم مرتين في عامي 1958 في السويد و1962 في شيلي.. واختير النجم الأول للنهائيات الثانية في شيلي رغم الحادثة الفريدة التي تعرض لها في مباراة الدور نصف النهائي ضد أصحاب الملعب والجمهور.. وطرده الحكم البيروفي ياماساكى في الدقيقة 83 لاشتباكه مع لاعب من شيلي.. وهو الأمر الذي حرمه من اللعب في المباراة النهائية ضد منتخب تشيكوسلوفاكيا، ولكن اللجنة المنظمة لكأس العالم والتابعة للاتحاد الدولي منحته الحق في المشاركة في النهائي دون أدنى عقوبة بإيقافه.. وعقب تلك المباراة الشهيرة كان عنوان إحدى الصحف الشيلية ال ميركوريو (من أي كوكب جاء هذا اللاعب).
ولم يحالفه التوفيق في البطولة الثالثة التي خاضها وهو مصاب في ركبته في عامه الثالث والثلاثين في إنجلترا عام 1966 وخرج البرازيليون من الدور الأول على يدي هنغاريا والبرتغال.. ولعب غارينشا 12 مباراة وحقق الفوز في 10 منها وتعادل في واحدة ضد تشيكوسلوفاكيا وخسر مباراته الأخيرة في المونديال وكانت في إنجلترا.. وأحرز خمسة أهداف في النهائيات وأهدر ركلة جزاء في مباراة إنجلترا 1962 وأنقذها الحارس الإنجليزي سبرنجت.
لعب غارينشا 50 مباراة دولية مع منتخب البرازيل وكانت الأولى ضد شيلي في ريو دي جانيرو 1955 والأخيرة ضد هنغاريا في كأس العالم 1966.. وأقيمت مباراة تكريمه بين منتخب الفيفا من نجوم العالم ومنتخب البرازيل أمام 135 ألف متفرج في ملعب ماراكانا فى 19 ديسمبر 1973.
أطلقت الحكومة البرازيلية اسمه على أحد ملاعب مدينة برازيليا (إستاديو ماني غارينشا).. وقدمت السينما فيلمين عن حياته أولهما عام 1962 تحت اسم “غارينشا السعادة للفقراء” والثاني 2003 تحت اسم “غارينشا النجم الوحيد“.
غارينشا من مواليد 28 أكتوبر 1933 في ريو دي جانيرو البرازيلية.. وكان والده مدمنا على الكحول وهو الأمر الذي أدى إلى عيوب خلقية عند غارينشا ومنها تقوس الساق اليمنى إلى الخارج ونقص طول الساق اليسرى عن اليمنى بعدة سنتيمترات فضلا عن تقوسها إلى الخارج مما شكك الكثيرين في إمكانية قدرته على السير الطبيعي.. ولكن كل تلك التشوهات لم تقلل من مهاراته أو سرعته في كرة القدم.. وورث الابن عن أبيه العادة القبيحة، إدمان الكحوليات. ومات قبل أن يكمل عامه التاسع والأربعين في 19 جانفي 1983.
غرائب غارينشا كانت وراء استبعاده من المباراتين الأولى والثانية في كأس العالم 1958 عندما لعب الفريق مباراة ودية ضد فيورنتينا في فلورنسا قبل السفر إلى السويد.. وكان غارينشا أساسيا وسجل أشهر أهدافه في تاريخه ولكن الهدف تسبب في استبعاده.. وراوغ غارينشا أربعة من المدافعين وانفرد بالحارس وراوغه وأشار لمدافع آخر بالعودة وانتظره بالفعل ثم راوغه مجددا وسجل.. واتهمه مدربه فنسنت فيولا بالاستهتار.. وبعد أداء باهت للبرازيل في المباراتين الأولى والثانية في المونديال تراجع المدرب وأشركه مع بيليه ضد الاتحاد السوفييتي وفازت البرازيل 2- صفر.. وفي النهائي ضد السويد صنع هدفين متتاليين لفافا واختير بين أحسن 11 لاعبا في النهائيات.

