البرلمان الفرنسي يحضر لمنع الخمار داخل بيوت الحضانة !
ألان جيرار أو يوسف جيرار، فرنسي تربى في عائلة يسارية قبل أن يهتدي إلى الإسلام منذ اثنتي عشرة سنة ويصبح يوسف جيرار وينطلق في رحلة البحث عن الطريق ويكتشف حجم الأكاذيب في السياسة الفرنسية والعنصرية الغربية التي تسعى إلى اختصار العالم في تاريخها.يوسف جيرار حاصل على شهادة الدكتوراه في تاريخ الحركة الوطنية الجزائرية، خريج جامعة باريس ثلاثة، يكشف في هذا الحوار رحلته مع الإسلام ويبيّن الأكاذيب التي يتحصّن خلفها الغرب وخاصة في فرنسا لنفي حق الشعوب الأخرى بل وحتى الفرنسيين أنفسهم في حرية اختيار عقيدتهم، حيث يؤكد أن فرنسا لم تكن يوما تعترف بحرية المعتقد ولا بالتعدد الثقافي والديني الذي ترفعه كشعار ويفصل في تبيان أساليب إقصاء المسلمين من الحياة الاجتماعية والسياسية والضغوطات الممارسة عليهم يوميا لأنهم فقط يختلفون عن الآخرين في الدين.
- فوبيا الإسلام مرض يسود فرنسا من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار
بداية كيف يمكن لـ”آلان جيرار” أن يخبرنا كيف صار يوسف جيرار؟
كبرت في حي شعبي ومتواضع جدا كان يضم الكثير من العرقيات والأجناس ليس فقط من الفرنسيين ولكن أيضا من الأفارقة والمغاربة والعرب الذين كانوا يقطنون أحياء باريس الفقيرة. كانت لي علاقات متداخلة مع هؤلاء، بعضم لم يكن مسلما ملتزما بصفة كاملا فمثلا كانوا يصومون ولا يصلون وفيهم من يصلي طبعا كنا مجموعة من الشباب في نهاية المراهقة بدأنا البحث عن صوت مثل كل الشباب في طور التكوين، هكذا اكتشفت الإسلام واقتنعت به وكان هناك أصدقاء ورفقاء آخرون اعتنقوا الإسلام والتزم فيما بعد من لم يكن ملتزما بصفة كلية ثم فرقتنا دروب الحياة، هناك مثلا من ذهب إلى مصر لمواصلة الدراسة والبحث وحفظ القرآن أو التاريخ وأنا توجهت لدراسة تاريخ الحركة الوطنية الجزائرية، لأنني أعتقد أن جزءا كبيرا من النقاش الذي يدور في فرنسا حول الإسلام له علاقة بتاريخ فرنسا الاستعماري في الجزائر.
كيف عشت إسلامك وكيف تعامل معك المحيط الفرنسي بعدها؟
نشأت في أسرة منفصلة الأبوين، فأمي المطلقة هي التي تكفلت بتربيتي وكانت يسارية، أي أن النقاش عن الدين لم يكن جزءاً من يومياتها، رغم أنها لم تكن ضد الدين، لكن لم تكن لنا تربية دينية وبالتالي لم أجد مشكلا في البيت، كما أسلمت أختي أيضا لاحقا. أما خارج البيت فالمجتمع الفرنسي حتما ليست مرحبا بالمسلمين حتى الفرنسيين منهم، فمنذ أن اعتنقت الإسلام منذ اثنتي عشرة سنة وأنا أتعرّض لمضايقات غير معلنة؛ الجامعة الفرنسية وهي منغلقة كثيرا وصارمة تجاه الفرنسيين المسلمين وصار إسلامي يستعمل كحجة ضدي، فالمجتمع الفرنسي غير مرحب بالمسلمين، سواء كانوا مهاجرين أو فرنسيين، وحتى زوجتي وهي بالمناسبة مغربية ومسلمة، رفضت الجامعة منحها منحة دراسة، لأنها ترتدي الحجاب. قالوا لها إذا لم تتخلي عن الحجاب لن تحصلي على المنحة، رغم أنهم اعترفوا لها بالتفوق العلمي وأهمية مشروع البحث الذي قدمته، فالمجتمع الفرنسي مغلق كثيرا تجاه المسلمين.
دارت في الشارع الفرنسي الكثير من النقاشات حول الحجاب والصلاة في الأماكن العامة ودور المسلمين في الحياة العامة، هل تعود هذه الضجة لأسباب سياسية أم للخوف من الإسلام؟
لا ليس سياسيا بل يمتد في جذور المجتمع الفرنسي، فالعنصرية متجذرة في التاريخ الفرنسي المسيحي والكنيسة الكاثوليكية مازالت تطبق مبادئ تعود إلى عام ستمائة وثمانين التي جعلت من أقوال الكنيسة غير قابلة للمراجعة ولا للنقاش، لأن في عرفهم الله هو الذي يتحدث على لسان الرهبان والكهنة وهذا التصور عميق في المجتمع الفرنسي، نجده في الجامعة والحياة العامة وتصورات المثقفين والمؤرخين وهناك العديد من الكتب التي تدّعي أن الحضارة الإسلامية لم تقدم شيئا للإنسانية وهذه التصورات والاعتقادات تتعدى ما هو سياسي، فلو كانت لحسابات سياسية كانت ستكون أرحم لأنها ستكون حينها متعلقة بمرحلة فقط.
لكن الدولة الفرنسية ترفع عادة شعار اللائيكية، أليس هذا تناقضا؟
هذا قانون أقرّته فرنسا عام ألف وتسعمائة وخمسة في الجزائر لما كانت الجزائر مقسمة إداريا إلى ثلاث مناطق كبرى، وكانت فرنسا تدعي تطبيق قانون اللائيكية الذي يتيح للمسلمين تسيير شؤونهم وفق عقيدتهم. غير أن هذا القانون لم تطبقه فرنسا يوما، لأن الإدارة الاستعمارية هي التي كانت تراقب المساجد التي لم تكن فقط أماكن لنشر العلم ولكنها أيضا كانت أماكن للمقاومة ضد السياسة الاستعمارية. لم يتغير كثيرا الأمر اليوم في فرنسا تجاه المسلمين، ومازال اليوم السياسيون الفرنسيون يتدخلون حتى في حياة المسلمين الشخصية وطريقة لباسهم. وأعتقد أن هذا ليس من صلاحيات السياسي الفرنسي، أن يقول للرجل المسلم كيف يصلي أو للمرأة المسلمة كيف تلبس.
إديولوجية الإسلام فوبيا اليوم في فرنسا، هل هي مدعومة أكثر من اليمين أو من اليسار؟
مرض الإسلام فوبيا في فرنسا إديولوجيا يتقاسمها الكل من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار. في ألفين وأربعة مثلا، كان أساتذة من أقصى اليسار واليسار التقدمي هم الذي قادوا حملة ضد الفتيات المحجبات اللواتي طردن من المدرسة بسبب الخمار. ورغم أن العديد من أنصار اليسار يرفعون شعارات ضد العنصرية والإسلام فوبيا، لكنهم يتبنّون نفس السياسة تجاه المسلمين الفرنسيين والفرق بين اليمين واليسار أن مواقف اليمين كانت أكثر وضوحا. فالبرلمان الفرنسي، اليوم، يدرس مقترح قانون قدمه أحد نواب اليسار يقر بمنع النساء المسلمات من ممارسة مهنة حضانة الأطفال إن كنّ يضعن الخمار؛ يعني منع الخمار حتى داخل البيوت وليس في دور الحضانة العامة. مع العلم، أن هذا النشاط هو من النشاطات القليلة جدا التي يمكن أن تمارسها النساء المسلمات نتيجة التضييق عليهن حتى وإن كنا حاملات للشهادات العليا. فأختي، مثلا، لديها صديقة تحمل ماستر في القانون الدولي والقانون العمومي، لكنها مقصاة من العمل وتمتهن حضانة الأطفال وإذا أقر هذا القانون ستمنع نهائيا من هذه المهنة.
هل تعتقدون أن المشكل هنا في فهم فرنسا للإسلام، أم في طريقة تسويق المسلمين لأنفسهم؟
لا أعتقد أن المشكل في الإسلام، لكن فرنسا لديها مشكل مع كل ما ليس غربيا، مثل ما حدث في الجزائر مثلا، حيث عمل المستعمر على انتزاع الناس حتى من ديانتهم ولغاتهم وثقافتهم. اليوم هناك إعادة إنتاج هذه السياسة،، لكن في ظروف مختلفة وبطريقة مختلفة بواسطة الهجرة والأقليات المسلمة التي تعمل السياسة المنتهجة على طمس هويتها الثقافية. فالتعددية الدينية لم تكن يوما موجودة في فرنسا وقد تم اضطهاد البروتستانتيين الذين كانوا أقلية ولم تكن فرنسا يوما، وبخلاف الشعارات التي ترفعها، متعودة ولا مفتوحة على التعددية الثقافية ولا الدينية.
كفرنسي، برأيك لماذا تتهرب فرنسا من الاعتراف بماضيها الاستعماري في الجزائر؟
أنت تسألينني كفرنسي، وفرنسا لا تعتبرني فرنسيا منذ أسلامي، لذا أجيبك كمؤرخ وأقول إن فرنسا مجبرة أن تعترف بما ارتكبته في الجزائر وتعتذر من ماضيها الاستعماري منذ الحرب وهذا مثبت في أرشيف التاريخ. وإن كانت فرنسا تعيش في الميثولوجيا، لأنها تدعي أنها لم ترتكب شيئا في الجزائر، وهذا جنون ساركوزي الذي يقر بإيجابية الاستعمار، عليه أن يذهب لاستجواب المحاربين والذين عذبوا خلال الحرب وقانون ثلاثة وعشرين فيفري إلفين وخمسة الذي انتخب في فرنسا وصوت عليه نواب اليمين واليسار وأقر بإيجابية الاستعمار في شمال إفريقيا كله قانون إشكالي وليس فقط المادة واحدة والنقاش الدائر اليوم حول إيجابية الاستعمار في فرنسا يعود إلى كون الدولة الفرنسية غير قادرة على الاعتراف بجرائمها الاستعمارية ليس في الجزائر فقط، بل في كل إفريقيا ومستعمراتها القديمة.
كمؤرخ ما هي قراءتك لما يعرف اليوم بالربيع العربي؟
لا أحب تسمية “الربيع العربي”، لأنها تحيل على ثورة الربيع الأروبي في ألف وثمانمائة وخمسين وهذا يعني أن العرب صاروا أروبيين وهم اليوم يعيشون متأخرين الثورة الأروبية بعد قرن ونصف من الزمن وأنا ضد هذه التسمية، أيضا لأن العالم العربي له تاريخه الخاص وديناميكيته الخاصة ويعيش حدثا تاريخيا ودينامكيا في ألفين وأحد عشر، عدا هذا ليس لي رأي خاص، لأنه لا يمكن تعميم ما يحدث في بلد عربي على كل البلدان، لأن لكل بلد وضع خاص وديناميكية خاصة وسوريا ليست تونس وفرنسا التي تريد التدخل في تونس وساندت بن علي تريد إسقاط النظام السوري.