منوعات
أنواع وأشكال استقطبت زوار معرض الإنتاج الجزائري

البرنوس والقشابية… إرث متجدد يحمل هوية الجزائر عبر الأجيال

روبورتاج: مريم زكري
  • 1486
  • 0
ح.م

تمثل صناعة البرنوس والقشابية ببعض مناطق الوطن، قصة نجاح متجددة تظهر كيف يمكن للتقاليد أن تواكب العصر، وتتحول إلى صناعة تساهم في التنمية الاقتصادية، وتحقيق استثمارات بالملايير من خلال ورشات إنتاج صغيرة، حيث تتواصل هذه الحرفة كرمز للأصالة والإبداع، ورسالة هوية يحملها كل خيط من وبر الجمل، وكل تفصيل في البرنوس الجزائري، الذي يعتبر أغلى هدية تقدمها الهيئات العليا في البلاد لضيوف الجزائر من الشخصيات ورؤساء دول العالم.
مدينة مسعد بولاية الجلفة ليست مجرد بقعة جغرافية، بل هي شاهد حي على إرث ثقافي يمتد لقرون، يتمثل في صناعة البرنوس والقشابية، هذا الفن التقليدي الذي يجسد تراث الجزائر الأصيل يأخذ اليوم بعدا حديثا بالمنطقة، أضيفت له لمسات عصرية جعلته أكثر قربا من الأجيال الشابة، وأكثر جاذبية للأسواق الوطنية والدولية.
وعلى هامش معرض الإنتاج الوطني بقصر المعارض، بالجناح الخاص بالمنتجات التقليدية، شد انتباه الزوار نوع من الألبسة التقليدية الخاصة بمنطقة الجلفة، مستفسرين عن ثمنها ونوعية النسيج، ورغم الأسعار التي صدمت الجميع بها والتي تتراوح بين 5 إلى 15 مليون سنتيم، إلا أنهم ابدوا إعجابهم بنوعيتها والبحث عن سبل لاقتنائها، خاصة بعد عرض البيع بالتقسيط… تقربنا من العارض ويتعلق الأمر بالدكتور محمدي أحمد، أحد الحرفيين الذين ارتدى عدة شخصيات بارزة في العالم وسفراء ووزراء منتجاته وهي عبارة عن البرنوس الرجالي المصنوع من الوبر الحر، كشف محمدي في حدثيه لـ”الشروق”، عن بداية نشاطه في هذه الحرفة التي تحولت مع مرور الوقت إلى استثمار ضخم، وشرع في خلافة والده بعد تقاعده كإطار في المحاسبة، قائلا أنها ليست مجرد مهنة، بل مسؤولية لحفظ تراث العائلة والمنطقة، يحرص على الحفاظ على أصولها التقليدية، مع تطويرها لتواكب احتياجات السوق الحديثة.

أزياء تعكس الهوية الوطنية في المحافل الرسمية
ويعتبر البرنوس والقشابية رمزان وطنيان يمثلان الجزائر في مختلف المحافل الرسمية، حيث تنتج ورشة الدكتور محمدي قطعا فاخرة تقدم كهدايا رسمية من قبل الدولة، خاصة خلال زيارات الرؤساء والشخصيات الأجنبية، كما يقوم بارتدائها سفراء الجزائر خلال تقديم أوراق اعتمادهم، بالإضافة إلى ضيوف الجزائر الرسميين ورجال الأعمال والمغتربين وغيرهم، وهو ما اعتبره المتحدث شرف كبير أن تقدم ورشته منتجات كهدايا رسمية من الدولة الجزائرية، وهو ما يعكس حسبه، “قيمة التراث ومدى اعتزاز الدولة بهوية أزيائها التقليدية”، يقول محمدي بفخر.

مشروع يدعم المرأة والمجتمع المحلي
توفر ورشة محمدي نموذجا يحتذى به في دعم المرأة بمنطقة مسعد ولاية الجلفة، لأنها توفر مناصب عمل مستقرة للعديد من النساء والفتيات، حيث يمثل أكثر من 70 بالمائة من العمال في الورشة نساء، جعلهن يعملن على مراحل مختلفة من الإنتاج، من تنقية الوبر إلى الغزل والنسيج، حيث يعتمد على النساء الماكثات في البيوت في إعداد الوبر وتحويله إلى قماش جاهز.
يقول محدثنا أن المجتمع في مسعد يعتبر هذه الحرفة مصدر دخل أساسي للعائلات، حيث لا تكاد تجد بيتا في المنطقة لا يتقن هذه الحرفة، قائلا إنها ليست مجرد عمل، بل ثقافة متجذرة في حياتهم اليومية.

أسعار وخيارات للدفع بالتقسيط لاقتناء “القشابية المسعدية”
ورغم ارتفاع تكلفة إنتاج البرنوس والقشابية التي تصل في بعض الحالات إلى 20 مليون سنتيم، إلا أن صاحب هذه الورشة يسعى لجعل منتجاته متاحة لجميع الشرائح، ولمساعدة أصحاب الدخل المتوسط، يقدم المتحدث خيارات دفع ميسرة تعتمد على الثقة المتبادلة مع زبائنه، والبيع عن طريق التقسيط من دون طلب أي وثائق، كما تقدم إعفاءات خاصة خلال المناسبات مثل رمضان والعيد، حيث تكون المصاريف مرتفعة.
لم تقتصر هذه المنتجات على السوق المحلي، بل وصلت إلى الأسواق الدولية، وأصبحت القشابيات والبرانس مطلوبة بشكل خاص من المغتربين الجزائريين، والأجانب في الدول ذات المناخ البارد، ويؤكد المتحدث أن الحرفة تعتمد بشكل كامل على وبر الجمال، الذي يعتبر المادة الخام الأساسية، أين يتم جلبه من ليبيا وبعض الولايات الجنوبية، وتظهر أهمية الألوان في العمل، إذ يفضل سكان الشاوية اللون الأسود، فيما يعتبر اللون البني خيارا مميزا لسكان الجلفة، حسب ما استرسل محدثنا في شرحه وتفصيله.

شهران لإنتاج قطعة واحدة من اللباس التقليدي
تمر عملية صناعة البرنوس والقشابية بمراحل عديدة لأيام طويلة، حسب محدثنا تتطلب عناية وصبرا كبيرين، حيث تبدأ بغسل الوبر وتعقيمه، ثم تجرى عملية تنقية دقيقة للوبر، حيث تنقي العاملات الوبر يدويا، وهي مرحلة تستغرق وقتا وجهدا لضمان أعلى درجات الجودة، يدخل الوبر في مرحلة الغزل والنسيج، وهي مرحلة محورية تعتمد على كفاءة العاملات وسرعتهن، حيث يستغرق إنتاج قطعة واحدة من القشابية أو البرنوس ما بين شهر إلى شهرين، حسب حجمها ونوعها، ويشدد المتحدث على أن هذه المراحل اليدوية هي ما يجعل كل قطعة فريدة من نوعها، وتحمل بصمة خاصة تميزها عن غيرها، حيث تسند كل مهمة منها إلى نوع خاص من العاملات، فمنها ما تتطلب الجهد البدني وأخرى تعتمد على الخبرة الطويلة مثل النسج والغزل..
مع التغيرات التي طرأت على الأذواق والأسواق، أصبحت الورشات الخاصة تضفي لمسات عصرية على تصميم البرنوس والقشابية، يوضح محدثنا قائلا أن رغبة الشباب في ارتداء هذه الألبسة التقليدية زادت، لذلك نضطر لجعل التصاميم أكثر توافقا مع أذواقهم، وحياكة “برانيس” و”قشابيات” على حد تعبيره تتلاءم مع المناسبات العائلية، والأعراس، وحتى الحياة اليومية، إضافة إلى ذلك، أدخلت الورشة تصميمات جديدة مثل المعاطف الشتوية الخاصة بالنساء، التي تجمع بين التراث والتصميم العصري.

مقالات ذات صلة