-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
بعد أن صار التراث الجزائري عرضة لقراصنة من لا تاريخ لهم

البرنوس والملاية الشاوية يعودان بقوة

مامن. ط
  • 299
  • 0
البرنوس والملاية الشاوية يعودان بقوة
ح.م

في كل مرة يحلّ فيها عيد أو مناسبة عائلية، أو احتفال تقليدي بمنطقة خنشلة خاصة، والأوراس عامة، يلاحظ الكثير من المواطنين تراجع حضور اللباس التقليدي، الذي لطالما ميّز المجتمع الشاوي وحافظ على خصوصيته الثقافية عبر الأجيال، فالبرنوس الذي كان رمزاً للرجولة والوقار، والملاية الشاوية التي كانت عنواناً للحشمة والأصالة، أصبحا يظهران بشكل أقل، مقارنة بما كان عليه الحال في الماضي، ما فتح باب النقاش حول مصير هذا الإرث الثقافي العريق في ظل التحولات الاجتماعية والثقافية المتسارعة.
لكن ما صار يقترفه من لا تاريخ لهم، بنقل ما ليس لهم وتبنيه، جعل صحوة تراثية تندلع في مختلف مناطق الوطن، وفي بلاد الأوراس على وجه الخصوص، فلا تتفاجأ وأنت تجوب حارات خنشلة إذا شاهدت سيدة بملاءتها السوداء أو سيد ببرنوسه الأبيض الأنيق.
لقد كان البرنوس البوني أو الأبيض، جزءاً لا يتجزأ من شخصية الرجل الشاوي، حيث يرافقه في الأعراس والمناسبات الدينية والاجتماعية، وحتى في اللقاءات الرسمية، ولم يكن مجرد لباس يقي من برد الشتاء القارس في جبال الأوراس، بل كان رمزاً للمكانة الاجتماعية والكرامة والهيبة، وكان كبار السن يحرصون على ارتدائه باعتباره امتداداً لهوية المنطقة وتاريخها العريق.
أما المرأة الشاوية، فقد كانت تتزين بالملاية التقليدية التي تعكس جمال الموروث المحلي وتحمل في طياتها دلالات الحياء والخصوصية الثقافية، وكانت الملاية حاضرة بقوة في الأعراس والمواسم والأعياد، فتتحول المناسبة إلى لوحة تراثية تجمع الألوان والزخارف والعادات المتوارثة جيلا بعد جيل.

من الأعراس التقليدية إلى القاعات العصرية
يرى الأستاذ حسان روبة، مختص في المجال الثقافي، أن التحولات التي عرفها المجتمع خلال العقود الأخيرة، ساهمت في تراجع ارتداء البرنوس والملاية، فالأعراس التقليدية التي كانت مناسبة لإبراز الموروث المحلي، أصبحت تتجه أكثر نحو الأنماط العصرية المستوردة، سواء في اللباس أو الديكور أو حتى في العادات المصاحبة للاحتفال، مؤكدا أن الأجيال الجديدة لم تعد ترتبط بالزي التقليدي، كما كان الحال لدى الآباء والأجداد، حيث أصبح الاهتمام منصّباً على الأزياء الحديثة التي تفرضها مواقع التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام المختلفة.
أما الحاج عمار، أحد أعيان خنشلة، فيقول: “في السابق، كان من المستحيل أن يحضر رجل عرساً أو مناسبة كبيرة من دون برنوسه، وكان ذلك مدعاة للفخر والاحترام، أما اليوم، فأصبح البرنوس نادراً إلا عند كبار السن”. وتقول السيدة فاطمة، أن الملاية الشاوية لم تعد تحظى بالمكانة نفسها، مؤكدة: “كنا ننتظر الأعياد والأعراس لنرتدي الملاية ونظهر جمال تراثنا، أما اليوم، فالكثير من الفتيات يفضلن الأزياء الحديثة، وبعضهن لا يعرفن حتى طريقة ارتدائها”.
في المقابل، يرى شباب آخرون أن الأمر لا يتعلق بالتخلي عن التراث بقدر ما هو تغير طبيعي في أنماط الحياة، مؤكدين أن المحافظة على الموروث لا تعني رفض الحداثة، بل يمكن الجمع بينهما من خلال إعادة تقديم الأزياء التقليدية بأساليب عصرية تجذب الأجيال الجديدة.

البرنوس والملاية… أكثر من مجرد لباس

ويرى مختصون في التراث الشعبي، على لسان جمعي نور اليامين، أن فقدان هذه الرموز من المشهد اليومي لا يعني اختفاء قطعة قماش فحسب، بل يشكل تراجعاً لجزء من الذاكرة الجماعية للمنطقة، فالبرنوس والملاية يحملان قصصاً وتقاليد وقيم مجتمع كامل، ويجسدان تاريخ الأوراس الذي ظلّ محافظاً على خصوصيته رغم مختلف التحولات، كما أن العديد من الجمعيات الثقافية، تنادي بضرورة تنظيم تظاهرات ومهرجانات محلية تهدف إلى التعريف باللباس الشاوي التقليدي، وتشجيع الشباب على ارتدائه في المناسبات الوطنية والدينية، حفاظاً على هذا الموروث من الاندثار، خاصة أننا صرنا نصطدم بوقاحة بعض الجيران الذين أخذوا التراث جاهزا ويتفاخرون به أمام الأمم.
ويبقى السؤال مطروحاً اليوم، هل يستطيع البرنوس والملاية الشاوية، استعادة مكانتهما داخل المجتمع بالتحول من كبار السن إلى الشباب، أم أن موجة التغيرات الاجتماعية ستجعل حضورهما مقتصراً على المتاحف والصور القديمة؟ والأكيد أن الحفاظ على الهوية الثقافية، لا يتحقق بالشعارات فقط، بل بإحياء العادات والتقاليد، في الواقع اليومي، وتشجيع الأجيال الصاعدة، على التمسك بما ورثته عن الأجداد، فالبرنوس والملاية ليسا مجرد لباسين تقليديين، بل عنوانان لذاكرة الأوراس، ورمزان لأصالة مجتمع، ما زالا يسعيان إلى تحقيق التوازن بين جذوره العريقة ومتطلبات العصر الحديث، فهل يعود البرنوس إلى أكتاف الرجال، وتعود الملاية إلى مناسبات النساء كما كانت بالأمس، حتى لا يظن البعض بأن الزمن يسير بهما نحو صفحات التاريخ فقط؟ سؤال وجدنا بعضا من إجاباته في أزقة وقاعات حفلات مدينة خنشلة.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!