-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

البطاطا.. والثقافة!

البطاطا.. والثقافة!

في سنوات الحزب الواحد، الذي كان لا يريد للبلاد أن ترى إلا ما يرى، وبعد أن انهار سعر النفط، وتحوّلت أسواق الفلاح والأروقة التابعة للدولة إلى حمامات بشرية، يختلط فيها الناس، بحثا عن علبة طماطم أو زبدة، أو كيس قهوة أو سكر، اشترط أحد أسواق الفلاح في مدينة قالمة، على الزبون، شراء رواية للراحل الطاهر وطار أو رشيد بوجدرة نظير حصوله على كيلوغرام من “اللوبيا”، ليس لتثقيف الزبون، وإنما لأن الكتاب فقد مكانه نهائيا، بعد أن تمكنت السلطة من نسف الثقافة، وحتى العلم، بسياسة احتكار الاقتصاد والأذواق التي مارستها على المواطنين، فامتزج الاقتصاد بالذوق العام، واختلطت روايات الطاهر وطار بالفاصوليا، في مشهد، لو سمع به آلبير كامي أو نجيب محفوظ أو غابريال غارسيا ماركيز أو طاغور، لرموا بجائزة نوبل، التي حصلوا عليها، بعد أن فاحت من الرواية والشعر، رائحة “اللوبيا”.

الآن وبعد أن ظننا أن عهد الحزب الواحد قد ولى إلى الأبد، واحتكار السلطة للأذواق قد ذهب إلى غير رجعة، عادت مادة البطاطا، التي من المفروض أن تكون الجزائر مثل جيرانها من أكبر مصدريها إلى القارات الخمس، بسبب امتلاكها للأرض الشاسعة والمناخ المناسب، عادت لتعيدنا إلى زمن دهس الثقافة بالجرارات الفلاحية، عندما حوّلت بهو قاعة ثقافية بمدينة سكيكدة تحمل اسم المثقف عيسات إيدير، إلى محل لطوابير طالبي كيس بطاطا، من دون أن يحتج وزير الثقافة، تماما كما لم يحتج روائيو الزمن “البومديني” وزمن الشاذلي بن جديد، عندما كانت كتبهم توضع في أكياس الزبدة والحبوب الجافة، فيأخذها الزبون على مضض، ويرميها في أول سلة قمامة تصادفه، ويحتفظ بكيس الفاصوليا، طبعا.

لا جدال في أن أهل الثقافة عندنا يتحملون جزءا من هذه الإهانات، بل إنهم عجزوا عن تحويل السنوات الثقافية، التي صرفت فيها الدولة أموالا طائلة مثل عواصم الثقافة العربية والإسلامية وحتى الجزائرية، في فرنسا وقسنطينة وتلمسان والجزائر العاصمة، إلى مواسم للثقافة، فارتبط المشهد الثقافي دائما بالارتجالية، بل وصار سجلا تجاريا لا يختلف عن سجلات الاستيراد، التي جعلت البلاد سجينة ما يأتينا من الخارج.

لقد مرّت بلاد كثيرة، بعواصف اقتصادية، لم تُبق من قدرة الناس على شراء الضروريات، ولم تذر، ومع ذلك صمدت الثقافة فيها، والمتصفح لجدول البلدان التي حصلت على جائزة نوبل في الآداب، مثلا، سيقرأ أسماء كولومبيا والهند ومصر ونيجيريا، والذي يقرأ السير الذاتية لكبار المثقفين، سيجد منهم الأصم “بيتهوفن”، والمعدم الفقير “الروائي البولوني سينكيفيتش”، والمريض “الشاعر الإيطالي “خوزي كاردوتشي”، والسجين “الأديبة النرويجية سيغريد أوندست”، والمنطوي على نفسه “نجيب محفوظ” الذي لم يغادر القاهرة في حياته، والفاقد لشهية الحياة “طاغور” الذي هلكت كل عائلته في ظروف مأساوية، ولم يكن الفنان أو الممثل أو الموسيقي، أبدا من الذي تزلزله أزمات اقتصادية أو ندرة في مادة البطاطا، ومع ذلك يرفع عندنا رايته البيضاء، ويترك كتبه تباع مع الفاصوليا، ومقر نشاطه تباع فيه البطاطا!

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!