البطالة ليست هدفا ولا ميزة
لا يمكن سوى أن نثمّن التفاتة الدولة إلى فئة البطالين الشباب من جامعيين ومنتظرين في طابور سوق الشغل، ولا يمكن سوى انتظار وعود الدولة في أن يكون الوقوف في الطابور مؤقتا، إلى غاية إهداء منصب عمل قارّ للبطال. لكن هناك من حوَّل البطالة إلى هدف، ومن يمتلك شروط الحصول على منحتها، كان متميِّزا، واعتبرها مبتغى حققه من خلال الحصول على منحة تحفظ الكرامة وبطاقة شفاء تقيه فاتورة الدواء، وما عليه سوى أن يناور في الظل والأضواء، في المهن غير القانونية التي نبتت في الجزائر، على مدار عقود وصارت أمرا واقعا تسيّر بعض القطاعات الهامة مثل التجارة وحتى قطاع صرف العملة الصعبة الذي يسيّره أشخاص هم على الورق من البطالين.
لقد ورثت الجزائر على مدار عقود من فشل بعض السياسات والإرهاب والفساد، اقتصادا منهارا، تجارته وأعماله ومنظومته المالية مبنية على الارتجال، الذي ولّد قاموسا من الوظائف مثل “بزانسي وطرابنديست وحيطيست والسكوار والشكارة والفرود”، فما كان بإمكان الدولة معرفة البطال من الملياردير، وظهر للوجود أثرياء لا أحد يعرف كيف جمعوا القناطير المقنطرة من الذهب والمال والعقار، وظهر للوجود طبقات تتعذب تحت الأرض وفوقها، من التهميش، قبل أن تظهر بوادر من الأمل في الأشهر الأخيرة، زادتها نسائم سوق النفط انتعاشا، ومنحت للمسحوقين الكثير من الأمل، لأن تكون لهم فرصة لإبراز الذات، ليس من أجل أن يكونوا برتبة بطال ينتظر منحة 13 ألف دينار مع نهاية كل شهر، وإنما من أجل أن يجعل بطالته محطة قصيرة، لأن يبني ذاته ويساهم في ثورة مأمولة للاقتصاد الجزائري، وقَبر نهائيا الفوضى التي عرفتها البلاد وعاشت منها الطحالب في أيام بئر النفط الذهبي ومن دونه.
الذي يتابع المشهد التنموي في الجزائر في الفترة الأخيرة، يرى شساعة ونعومة البساط الأحمر المفروش للشباب ولعامة الناس، من الذين اعتادوا الانتقاد وتحميل أي فشل يتعرضون له للسلطة، مع خليط بسوء الحظ والطالع والظلم والتهميش وعدم القدرة حتى على تسديد تذكرة التنقل عبر الحافلة، لطلب العمل أو تصوير الوثائق الكثيرة المطلوبة، فقد زالت الكثير من العوائق وعدمت التبريرات الجاهزة والمتكرّرة مع كل الناس وفي كل الأوقات والأماكن.
يُعرّف علماء الاقتصاد، العمل بأنه أداء مهمّات مقابل الربح المادي، ويركزون على جملة “أداء مهمّات”، ويُعرِّف القانونُ العملَ على أنه الجهد المبذول، ويعرّفه علم الاجتماع، على أنه إنجاز مهمات عبر جهود بدنية وعقلية، ويُعرَّف في علم الفيزياء بأنه مقدار الطاقة المنقولة عند حركة الجسم عند التأثير عليه بقوة ما، وواضحٌ من هذه التعريفات بأن ما شاهدناه على مدار عقود في بلادنا من طرف العمال أنفسهم لم يكن عملا، لأجل ذلك فشل البطالون في إيجاد عمل، لأنهم لم يفهموا معناه أصلا.