الجزائر
بين ضغط العائلة وهوس الاحتفال المُبكّر

البكالوريا تتحوّل إلى عبء نفسي يهدد بعض الأبناء الرّاسبين

نادية سليماني
  • 104
  • 0

لم تعد شهادة البكالوريا في الجزائر مجرد امتحان دراسي يحدد مسارا أكاديميا، بل تحولت لدى كثير من العائلات إلى قضية مصيرية ترتبط بالأحلام والتوقعات والرهانات الاجتماعية. وفي كل سنة، تتكرر مشاهد الفرح الجماعي والاحتفالات الصاخبة بالناجحين، لكن في المقابل، تخفي بعض البيوت قصصا مؤلمة لتلاميذ لم يتمكنوا من تجاوز صدمة الرسوب أو النتائج التي جاءت مخالفة لما كان ينتظره الأولياء. وزادتهم عائلاتهم أوجاعا.

وقد أعادت الفاجعة التي اهتزت لها ولاية خنشلة بعد اعلان نتائج البكالوريا، حيث يتم تداول أخبار عن وفاة تلميذة لم يحالفها الحظ في امتحان البكالوريا بفارق ضئيل، وهذه الحادثة المؤلمة، تطرح أسئلة عميقة حول حجم الضغوط النفسية التي يتعرض لها المترشحون، ودور الأسرة في تحويل هذا الامتحان إلى اختبار للحياة بأكملها، وأنه- النجاح في “الباك”- مسألة حياة أو موت، بدل اعتباره محطة تعليمية عادية يمكن تجاوزها وإعادة خوضها.

حفلات تسبق النتائج… وضغوط على الأبناء

والغريب في الأمر أنه، في السّنوات الأخيرة، طفت إلى السّطح ظاهرة الاحتفال قبل إعلان النتائج، فقد أصبح بعض الأولياء يستبقون إعلان النتائج بالتحضير لحفلات النجاح، وحجز قاعات الاحتفالات، واقتناء الهدايا، بل ودعوة الأقارب والجيران، بناء على توقعات شخصية أو ثقة مفرطة في نجاح أبنائهم، أو مجاراة لتأكيدات أبنائهم المترشحين بأنهم اجتهدوا في الإجابة عن أسئلة البكالوريا.

مختصة في علم النفس العيادي: المجتمع بات يكرس صورة خاطئة عن النجاح

وفي الوقت الذي يرى البعض في هذه التصرفات نوعا من التشجيع والتحفيز، يعتبر مختصون أنها قد تتحول إلى مصدر ضغط نفسي خطير.

فالتلميذ الذي يسمع منذ أشهر أنه “سينجح حتما”، ويُشاهد أفراد أسرته يُخطّطون للاحتفال ويعدون المدعوّين، يجد نفسه أمام مسؤولية ثقيلة تفوق قدرته النفسيّة. وعندما تكون النتيجة مخالفة للتوقعات، يشعر بأنه خيب آمال الجميع، وأنه أصبح مسؤولا عن خيبة الأسرة أمام محيطها الاجتماعي.

ولا يتوقف الأمر عند الشعور بالحزن فقط، إذ قد يلجأ بعض الأولياء، تحت وطأة الصدمة والغضب، إلى توبيخ الأبناء أو تحميلهم مسؤولية الرسوب، ما يضاعف من معاناتهم النفسية ويدفع بعضهم إلى الانعزال أو الإصابة بالاكتئاب والقلق الحاد.

الرّسوب ليس نهاية العالم

وفي هذا السياق، يتكد المختصة في علم النفس العيادي، الدكتورة نجاة بوقفة، أن المبالغة في تقديس شهادة البكالوريا وتحويلها إلى معيار وحيد للنجاح الاجتماعي يشكل “خطرا حقيقيا على الصحة النفسية للمراهقين”.

وأوضحت المتحدثة، أن مرحلة المراهقة تتميز بحساسية نفسية كبيرة، إذ يكون التلميذ في حاجة إلى الدعم والتفهم أكثر من حاجته إلى الضغوط والتوقعات المسبقة. وأضافت أن بعض الأسر تربط مستقبل أبنائها بالكامل بنتيجة امتحان واحد، وهو ما يخلق لدى التلميذ شعورا بالخوف من الفشل وفقدان قيمة الذات.

وشدّدت المختصة على ضرورة تجنب العبارات التي تحمل التلميذ مسؤولية سمعة العائلة أو مكانتها الاجتماعية، مؤكدا أن الرّسوب تجربة طبيعية يمكن أن تتحول إلى فرصة للتعلم وإعادة ترتيب الأولويات، خاصة أن الكثير من الشخصيات الناجحة لم تحقق أهدافها من المحاولة الأولى.

البكالوريا هي “بوابة الحياة الوحيدة”…؟ 

وتأسفت نجاة بوقفة، لكون المجتمع الجزائري “ساهم ومن دون قصد، في ترسيخ فكرة أن البكالوريا هي “بوابة الحياة الوحيدة”، من خلال الاحتفاء المبالغ فيه بالناجحين وربط النجاح المهني والحياتي بهذه الشهادة فقط.”

وأشار إلى أن شبكات التواصل الاجتماعي زادت من حدة هذه الضغوط، بعدما تحولت نتائج البكالوريا إلى سباق للمقارنات ونشر صور الاحتفالات والهدايا والتهاني، ما يجعل التلاميذ الراسبين يشعرون بالإقصاء والفشل.

وأضافت أن الأسرة مطالبة بتغيير نظرتها إلى المسار الدراسي، وإقناع الأبناء بأن النجاح لا يقتصر على الجامعة أو على شهادة البكالوريا، بل يمكن تحقيق الذات عبر التكوين المهني، وريادة الأعمال، والمواهب الشخصية، وغيرها من المسارات التي أثبتت نجاحها في الواقع.

راقبوا أي تغيّرات نفسية على الراسبين

وقدمت محدثتنا جملة من الخطوات التي تساعد الأسر على تجاوز صدمة الرسوب، من بينها تجنب توبيخ التلميذ أو مقارنته بزملائه الناجحين، منحه الوقت الكافي للتعبير عن مشاعره وحزنه. التأكيد له أن الرسوب لا يلغي قدراته ولا يحدد قيمته. مناقشة أسباب الإخفاق بهدوء بعيدا عن الانفعال.

وأيضا وضع خطة جديدة للمستقبل، سواء بإعادة اجتياز الامتحان أم اختيار مسار آخر. كما شددت المختصة النفسانية،على ضرورة مراقبة أي مؤشرات تدل على وجود اضطرابات نفسية لدى الطفل الراسب، مثل الانعزال أو فقدان الشهية أو اليأس.

وختمت الدكتورة نجاة بوقفة حديثها، مؤكدة بأن البكالوريا، ومهما علت قيمتها “تبقى امتحانا دراسيا، وليست حكما نهائيا على مستقبل الإنسان”.

فالأبناء بحسب قولها، يحتاجون، في لحظات التعثر، إلى عائلة تمنحهم الأمان والدعم، لا إلى مزيد من الضغوط والعتاب، مشددة على أن بين النجاح والرسوب، تبقى الصحة النفسية والجسدية للتلميذ هي “المكسب الحقيقي الذي ينبغي الحفاظ عليه قبل أي شهادة أو معدل.”

مقالات ذات صلة