الرأي

البلدية.. طريق إلى الرئاسة

عدم اهتمام غالبية المواطنين، كما ظهر نهار أمس، بالانتخابات المحلية، هو من عدم اهتمام السلطة بهذه الهيئة التي كان من المفروض أن تكون تنفيذية، فوجدت نفسها محصورة بين جمع القمامة وتوزيع قفة رمضان، فانهار مستوى الأداء ومعه الاهتمام بانتخابات محلية، منها تنطلق السياسة والثقافة وحتى الاقتصاد في كثير من بلاد العالم.

وعندما نقول إن الكثير من رؤساء فرنسا كانوا رؤساء بلديات ورئيس أذربيجان الحالي والكثير من رؤساء بلاد تسير ببطء ولكن بكل تأكيد، مثل أحمدي نجاد الذي قاد بلدية طهران قبل بلاد إيران، ورجب أردوغان الذي قاد بلدية اسطنبول قبل بلاد تركيا، ندرك أن البناء العالي، يبدأ بالضرورة بطوبة البلدية، التي تعتبر أول خطوة نحو القمة، لكن الأرقام التي تتفضل بها وزارة الداخلية عن التجاوزات والمتابعات القضائية والفضائح الكبرى، التي يتورط فيها المنتخبون المحليون، هي التي تجعل حلم صناعة قادة البلاد من مكاتب رؤساء البلديات أمرا مستحيلا على الأقل على المدى القريب.

حتى الشغف الذي عرفه الموعد الانتخابي المحلي، في بعض البلديات في الجلفة وبلاد القبائل والأوراس وتبسة مثلا، ارتبط بالعروشية، فردّنا إلى عهود مضت، ولم يرتق إلى القمة والمبتغى الحضاري الذي بلغه هذا الموعد في بعض البلاد النامية ولن نتحدث هنا عن البلاد المتطورة، التي نقلت الموعد البلدي، إلى حدث مرتبط بسيرورة البلاد ككل، وليس تحصيل حاصل أو ملء خانات رزنامة، كما هو حاصل عندنا.

هناك من يظن أن إصلاح الخلل يبدأ من القمة، ولكن البلاد المتطورة، باشرت العمل القاعدي، فنجحت في تمتين بنيانها فهبت عليها العواصف، ولكن البنيان بقي صامدا، وعندما سئل الرئيس البولوني الحالي عن سبب تطور بلاده وصمودها أمام الزوابع السياسية والاقتصادية التي هبت على أوروبا الشرقية منذ فترة انهيار المعسكر الشرقي، ذكّر سائله بنجاح الجماعات المحلية منذ زمن الاشتراكية، وكيف كانت للبلديات سلطتها على المشهد المحلي، فسقط النظام الحاكم، ولكن بلاد بولونيا صمدت، وبنت اقتصادها، وصارت تقارع البلاد الغربية، وتتفوق عليها في بعض الأحيان.

لن تحلم السلطة برفع نسبة المشاركة في مواعيد انتخابية كهذه، ما لم تفكر في رفع مستوى المترشحين، والأداء السياسي لمختلف الأحزاب، وبعدها التفكير في منح سلطات أوسع للذين اختارهم الشعب، مع جعل مقعد البلدية أو المجلس الشعبي الولائي أو المجلس الشعبي الوطني أو مجلس الأمة تكليفا، يجعل الطامح في بلوغ السلطة كالقابض على الجمر، وحينها فقط لن تنفق الدولة كما تفعل حاليا أكثر من أربعة آلاف مليار سنتيم وهو ما يمثل ميزانية دول إفريقية، ليس للرقي بالبلاد وإنما لإقناع المواطنين بالمشاركة القوية في مثل هذه المواعيد، التي صارت تتوالى ولكنها للأسف تتشابه، بين محاولة السلطة، ونفور المواطن، ما دام دور رئيس البلدية محصورا بين القمامة وقفة رمضان. 

مقالات ذات صلة