البنغال.. شعب في الجحيم وعملة أقوى من الدّينار الجزائري!
كانت فكرة السّفر إلى بنغلادش تراودني منذ أن ظهرت مأساة الروهينغا، ذلك أنها مرتبطة ارتباطا وثيقا ببنغلادش، وكان الهدف الكبير هو التحقيق في المجازر التي طالت هذا الشعب المسكين على يد الحكومة البوذية في بورما، وهو ما أنجزناه بالتفصيل عبر تحقيقات وروبورتاجات في جريدة الشروق وقناة الشروق نيوز، لكننا وقفنا على مأساة أخرى لا تقل خطورة عن مأساة شعب الروهينغا…إنها مأساة 160 مليون إنسان يعيشون في أسوأ منطقة في العالم.
انطلقنا من مطار هواري بومدين في رحلة طويلة باتجاه العاصمة البنغالية “دكا” على متن الخطوط الجوية التركية، ولم يكن الوقت المخصّص لتغيير الطّائرة في مطار “اسطنبول” كافيا للقيام بإجراءات التفتيش، حيث لم يكن الفارق بين وصول الطّائرة القادمة من الجزائر وإقلاع الطّائرة المتوجهة إلى “دكا” إلا نصف ساعة، وكان علينا تجاوز الطّابور الطّويل أمام نقطة التفتيش الأمني، فأظهرنا جوازاتنا الخضراء، ومعها تذاكر السفر حتى يتفهم الواقفون في الطابور سبب تجاوزنا لهم، وقد كان أغلبهم يهودا متدينين بشعورهم المتدلية وبدلاتهم السّوداء، وقبعاتهم العالية، ورغم علامات التّعجب التي بدت على وجوههم، إلا أنهم لم يحتجوا غير أن أحد الواقفين ولم يكن يهوديا قال بصوت مرتفع ” my plane also will fly now !” ومع ذلك تجاوزنا الجميع، وخضعنا للتفتيش خلال 5 دقائق وتوجهنا فورا إلى قاعة الركوب، حيث أقلعت الطائرة في الوقت المحدّد، ولو لم نتجاوز الطابور لانتظرنا في “مطار اسطنبول” يوما كاملا.
انس الوثائق…أنت في بنغلادش!
حطت بنا الطّائرة في مطار “دكا” بعد ثماني ساعات كاملة من الطّيران، ولم تكن إجراءات التّفتيش والدّخول سهلة خصوصا أننا لم نقم بالحجز المسبق في الفندق، وكل ما كان بحوزتنا دعوات من جمعية فضل الله النّدوي البنغالية، ووجدنا صعوبات بالغة في التعامل مع أفراد الأمن والجمارك، بسبب نطقهم غير الواضح للّغة الإنجليزية، وبعد ما يفوق 20 دقيقة أنهينا كل الإجراءات وخرجنا من المطار.
كان هناك من ينتظرنا في المطار ويتعلق الأمر بالشاب سليم، وهو “روهينغي” ينشط ضمن جمعيات الإغاثة.. كنا على اتصال بهم قبل سفرنا، وكان سليم يجيد الحديث بالعربية، كما يتقن البنغالية، بالإضافة إلى لغته الأصلية “الروهينغية”، فكانت سعادتنا كبيرة، لأنه سيكون مترجمنا خلال رحلتنا إلى مخيّمات “الروهينغا”، وبظهور سليم زالت كل العقبات، في التعامل مع البنغاليين.
الحرارة والرطوبة والأمطار… ثلاثي لا يجتمع إلا في بنغلادش!
خرجنا من المطار في حدود السادسة صباحا، حيث بدأت خيوط الضوء تتسلل من خلال الظلام الدامس الذي يميّز العاصمة دكا بسبب السحب والأمطار وقلة الإنارة العمومية، وكان الجو في الخارج ممطرا فأخرجنا ألبسة الشّتاء. وصادف خروجنا من المطار هطولا غزيرا للأمطار التي يبدو أنها لا تتوقف أبدا، وكم كانت المفاجأة كبيرة عند خروجنا من القاعة شبه المكيّفة إلى الشارع، حيث كانت الحرارة شديدة والرطوبة عالية جدا والجو خانقا للغاية، لدرجة أني اعتقدت أننا أمام مصنع يطلق كل هذه الحرارة، لكن مرافقنا قال: هذا هو المناخ العادي في بنغلادش، حيث الحرارة والرطوبة ومعهما الأمطار الغزيرة.
سيارات خمسينيات القرن الماضي لا زالت في الطرقات
بلغت بي الدّهشة ذروتها، وأنا أخرج من المطار، لدرجة اعتقدت أني سافرت عبر الزمن إلى خمسينيات أو ستينيات القرن الماضي، سيارات فولاذية قديمة ومهترئة، وعربات نارية صغيرة لنقل البنغاليين، أعدادها بالمئات إن لم نقل بالآلاف في شارع واحد، أمّا النّاس، فيمكن وصفهم بعنوان واحد، هو “الفقر المدقع” ويظهر ذلك من أجسادهم الهزيلة جراء نقص التّغذية، فيما يكتفون باللّباس التّقليدي، وهو قميص في الأعلى، وإزار يتم شدّه عند الحزام، عندما تتأمل في النّاس تدرك كيف يبدو الإنسان الذي يعيش بدولار واحد في اليوم.
أما المدينة فهي أشد تخلفا وفقرا، حيث الشّوارع ضيّقة تملؤها القذارة، والمحلات الصّغيرة تنتشر في كلّ الزوايا، خصوصا محلّات الأكل السريع التي تبيع الأرز والسّمك واللّحم، وبعض المأكولات التقليدية وتغيب عنها النّظافة كليا، زادها الباعة الفوضويون للأسماك ومختلف المنتجات الفلاحية على قارعة الطريق قذارة، ولا يمكن أن تجد مكانا نظيفا وواسعا، إلا في محيط الفنادق المخصّصة أصلا للأجانب وليس للبنغاليين.
كان علينا أن نرتاح لساعات في فندق متواضع جدا قرب المطار، وبعدها واصلنا رحلتنا الطويلة إلى البلدة الحدودية “كوكس بازار” الواقعة قرب الحدود مع بورما، على متن طائرة تابعة للخطوط الجوية البنغالية، والملاحظ أن الكثير من البنغاليين يستخدمون الخطوط البنغالية للسفر إلى المدن البنغالية، حيث كانت الفوضى عارمة داخل المطار، وكادت الطّائرة أن تقلع من دون أن نصل إليها بسبب تعطل جهاز “السكانير” حيث انتظرنا في طابور طويل لمدة ربع ساعة، ثم شرعوا في التفتيش اليدوي.. فوضى عارمة لدرجة يمكن المرور والركوب في الطائرة دون أن تكون بحاجة إلى تذكرة سفر ولا أي وثيقة أخرى….استظهرنا جوازاتنا ونحن نمر باتجاه صالة الركوب فقال لنا مرافقنا: أعيدوا وثائقكم إلى جيوبكم.. أنتم في بنغلادش !!
أنهار من الطين تأتي على قوت البنغاليين
عندما ركبنا الطائرة تغيّرت الأوضاع، إلى مستوى أعلى من النظام والرقي، حيث المضيّفون والمضيّفات بمظهر لائق، ولهم قدرة كبيرة على التّواصل باللّغة الإنجليزية، وخدمات غاية في الإتقان، ما عدا الأكل الذي لم يكن في المستوى، وما أثار انتباهي هو الشّعور الدّيني القوي الذي تجده عند البنغاليين جميعا، فما إن يدرك أنك مسلم مثله حتى تظهر ملامح الفرح والسّرور عليه ويجتهد في الكلام معك بما يعرفه من كلمات عربية مثل: “السلام عليكم” و”أنا مسلم” و”نحن إخوة”.
أقلعت بنا الطائرة في حدود منتصف النّهار من “دكا” إلى “كوكس بازار”، فكانت لي الفرصة لأشاهد بنغلادش من الأعلى، حيث الأنهار والمجاري المائية تزاحم اليابسة، وتغمرها بالطين، مشكّلة ما يشبه بحيرات صغيرة من الطمي هنا وهناك، وهنا استحضرت تلك الصور التي كانت تصلنا خلال السنوات الماضية عن كوارث الفيضانات في هذا البلد…كان المشهد نفسه طيلة سفرنا لمسافة تقارب 600 كلم، وهناك فهمت أن هذا الشعب المسكين يعيش في أسوأ مكان على وجه الكرة الأرضية.
جولة في “كوكس بازار” العجيبة!
لم يكن الوضع في مدينة “كوكس بازار” يختلف عن الوضع في دكا، حيث الفقر المدقع يمشي في الشارع، غير أنّ الفرق في هذه المدينة التي قيل إنها مدينة سياحية هو في الخدمات الفندقية الراقية، وبأسعار زهيدة جدا، ومع ذلك يستحيل أن تجد بنغاليا واحدا يقصد هذه الفنادق، إذا استثنينا المرشدين السياحيين، وهنا كان عليّ أن أستكشف المدينة وأتجوّل فيها وأرى الناس وأحدثهم عن قرب.
لقد اكتشفت فجأة أن شاحن جهاز الكمبيوتر المحمول الذي كنت أحمله ضاع مني في أحد المطارات التي مرّرت بها، وقد يكون سرق من الحقيبة، فخرجت من الفندق لأقوم بجولة في المدينة، وفكرت في تجريب وسيلة النقل الخاصة بهم، والمتمثلة في درّاجة نارية مصمّمة على شكل عربة تحمل مابين 5 إلى 8 أشخاص من البنغال طبعا، فأجسامهم الصغيرة تسمح بأن يركب ثمانية منهم في دراجة، ففكرت في ركوب واحدة، لكن اخترت وسيلة نقل أخرى وهي الدراجة الهوائية من ثلاث عجلات، وعادة ما يركب فيها شخصان بالإضافة إلى السّائق، وهنا لم أستسغ فكرة ركوب درّاجة فيما يقوم شخص ببذل جهد عضلي لحملي، وكدت أتراجع عن الفكرة لولا أن صاحب الدّراجة توقف عندي ورفض ركوب شخص بنغالي، وحاول استمالتي وقال لي بإمكاني أخذك إلى أي مكان، فقلت في نفسي لماذا أحرم هذا الإنسان الكادح من الحصول على مال محترم مقابل جهد يقوم به، وكان سعيدا جدا عندما ركبت معه، بعدها طلبت منه أن يأخذني إلى محل أجد فيه شاحن الكمبيوتر، وكان يعرف بعض جمل التواصل بالإنجليزية، فانطلقنا نحو مجمّع من محلات الكمبيوتر الواقع على بعد أزيد من 3 كلم عن الفندق، كان سائق الدراجة سعيدا جدا، وهو يقدّم لي المعلومات عن المدينة، تجوّلنا في المدينة شارعا شارعا، وتوقفنا في الطريق أمام شخص كان يبيع جوز الهند، حيث تحوي الثمرة الواحدة قرابة نصف لتر من “الماء الثمري الطبيعي” فجربته لأول مرة في حياتي ولم أكن أراه إلا في الأفلام…لم يكن حلو المذاق، لكنه بارد ومنعش… عدنا إلى الفندق بعد أن وجدت ضالتي، أما سائق الدرّاجة فقد أخذ أضعاف ما طلبه من مال ثمنا للجهد الخارق الذي قام به.
مأساة الروهينغا أحيت “كوكس بازار”
كانت الشّوارع ضيقة والعربات بالمئات، مع بعض السّيارات والشاحنات، حيث ازدهرت التجارة في هذه المدينة بسبب وجود ما يزيد عن مليون لاجئ روهينغي قربها وكل هؤلاء يعتمدون على المساعدات التي تقتنيها المنظمات الإنسانية من “كوكس بازار” وتأخذها إلى اللاّجئين في الحدود.
واللاّفت لمن يتجوّل في المدن البنغالية هو الفوضى في الطّرق والشّوارع يضاف إلى ذلك نظام السياقة المشابه للنظام البريطاني، حيث يكون المقود إلى الجهة اليمنى من السّيارة، وبالتالي يكون كل شيء معكوسا في الطّريق، وهنا أذكر حادثة طريفة حدثت عندما سافرنا برا من مدينة “كوكس بازار” إلى مدينة “شتاغونغ” حيث كنا على متن سيارة جماعية، وكان هناك شخص بنغالي يجلس في المقعد الأمامي بجانب السائق، فكنت أعتقد أن هذا الشخص هو السائق، لأنه كان على الجهة اليسرى، وفجأة توقفت السّيارة ونزل، وأقلعت السّيارة بسرعة من دونه فبدأت أصيح معتقدا أن السّيارة أقلعت من دون سائق…وكانت هذه الحادثة الطّريفة مادّة للتندّر والضّحك بين أعضاء الوفد الجزائري طيلة الرحلة.
مدن وقرى من صفيح والشوارع يغمرها الطين
لا توجد طبقية واضحة في بنغلادش فإذا استثنينا قلة من ذوي النفوذ فإن الشعب كله فقير، ويظهر ذلك من خلال المدن والقرى المنتشرة في الأرياف، حيث يعمّ الصفيح كل مكان، والقليل من الطرق معبّدة بينما لا توجد إطلاقا خدمات النظافة وإزالة القمامة التي تبقى مكدسة أمام الأحياء السكنية والمحلات والأسواق، كما أن الخدمات الصحية تكاد تكون منعدمة، ورغم هذه الحالة الكارثية إلا أنه يبدو أنّ البنغاليين تعايشوا مع الفاقة.
حقول الأرز تتحدى السيول الجارفة
جهد أسطوري يبذله البنغاليون لزراعة وجني الأرز، بسبب المياه التي تغمر الأراضي الزراعية، ومع أن الأرز يزرع في المياه، غير أن السيول غالبا ما تجرف كل شيء، ومعها حقول الأرز، لذلك يقوم البنغاليون بأعمال حفر ضخمة في الحقول حتى تسحب المياه إلى الأسفل وتجفّف، ويعتمد البنغاليون على قطاعين أساسيين هما زراعة الأرز وصيد الأسماك، ومن الواضح أن هذين الموردين لا يكفيان لسد حاجات 160 مليون إنسان يعّيشون تحت خط الفقر، حيث لا خدمات ولا مصانع إذا استثنينا مصانع النسيج الأجنبية التي أقامها الأجانب في بنغلادش لتقليل تكاليف الإنتاج بسبب العمالة الرخيصة جدا.
استغلال وعبودية في مصانع النسيج !
في سنة 2013 انهار مصنع ضخم للنسيج وتوفي في الكارثة ما يزيد عن 1100 عامل، كانوا يزاولون مهنتهم في ظروف قاسية تصل إلى مستوى العبودية، وبعد ذلك شنّ الملايين من العاملين في مصانع النسيج إضرابا عن العمل، مطالبين بتعويض أهالي الضّحايا وتحسين ظروف العمل، وزيادة الأجور، حيث يعمل هؤلاء في مصانع تمثل أرقى العلامات العالمية.
وعلى الرغم من أن بنغلادش تعد ثاني مصدر للملابس بعد الصين، إلا أن ذلك لا أثر له في واقع البنغاليين، وتعود كل هذه الثروة إلى شركات النسيج الأجنبية التي تشغّل ما يزيد عن أربعة ملايين عاملا وتجني أرباحا خيالية، حيث أن ما نسبته 60 من المائة من إنتاج بنغلادش يتم تصديره إلى السوق الأوروبية، فيما توجه ما نسبته 25 من المائة إلى الولايات المتحدة الأمريكية.
استغلال وعبودية لهذا الشعب المسكين، بتورط واضح من الرأسمالية الغربية المتوحشة، التي تستنزف الملايين من البنغال في مصانع تفتقر إلى أدنى شروط السلامة وبأجور زهيدة، وفي المحصلة فإنّ البنغاليين يعملون بشكل مشابه لـ”السخرة” في هذه المصانع، فيما لا يزال العالم يغض الطرف على هذه المأساة والعبودية المقنّنة، حيث كان العامل البنغالي يشتغل بمقابل لا يتجاوز دولارا واحدا في اليوم قبل حادثة انهيار مصنع “رانا بلازا” سنة 2013.
“ماركات عالمية” تجمع الملايير من عرق البنغاليين
العالم كله متورط في مأساة البنغاليين الذي يخيطون أرقى الألبسة التي تعرضها المحلات في العواصم الغربية، فسلسلة محلات «زارا» للأزياء النسائية تتعامل مع 350 مصنع في بنغلاديش، وشركة “إتش أند إم” تتعامل مع 260 مصنع بنغالي وهي كلها مصانع تتنكر لحقوق العمال من أجور محترمة وإجازات فضلا عن العمل لساعات طويلة.
هذا الوضع ليس وليد اليوم ولكنه يعود إلى ما قبل تأسيس دولة بنغلادش التي كانت تسمى قبل سنة 1971 باكستان الشرقية، حيث كانت تابعة إلى باكستان، وقبل الانفصال كانت العائلات الإقطاعية تسيطر على قطاع النسيج وكلها منحدرة من باكستان “الغربية”، لكن عقب الانفصال تمكّن بعض البنغاليين من إقامة مصانع للنسيج والملابس الجاهزة، وبعد كارثة الفيضانات سنة 1974 والتي أدت إلى مقتل ما يزيد عن مليون بنغالي وما أعقب ذلك من مجاعة، دخل الأجانب وبدؤوا يستثمرون في قطاع النسيج، وبحلول عام 1981 كان هناك 300 مصنع وشركة نسيج وألبسة جاهزة خاصة، ومع الوقت أصبحت بنغلادش التي لا تزيد مساحتها عن 150 ألف كلم مربع أهم مصنع للملابس الجاهزة في العالم بعد الصين.
ورغم هذا الوضع المأساوي للشعب البنغالي، وحالة الفقر والاستغلال التي يتعرّض لها من قبل مُصنّعي الملابس في العالم، ورغم أن البلد تُمزّقه الأوبئة والفيضانات، فإن حال العملة في هذا البلد أحسن بكثير من حال الدينار الجزائري، حيث يعادل الأورو الواحد ما يقارب 95 “تاكا” العملة البنغالية.
شيتاغونغ…قلب بنغلادش النابض
حالة البؤس المسجلة في العاصمة البنغالية “دكا” ليست حالة عامة على كل مدن بنغلادش، حيث هناك في أقصى الجنوب مدينة تنبض بالحياة هي مدينة “شتاغونغ”، التي تعد ثاني أكبر مدينة بعد “دكا” غير أنها تعد عاصمة اقتصادية للبلاد بفضل مينائها الذي يعد أكبر ميناء في “بنغلادش”، وتعتبر المدينة قبلة سياحية بامتياز، بما تحويه من مطاعم وفنادق ومناطق سياحية، وهي تقع على ضفاف نهر “كارنافولي” بين أراضي تل “شيتاغونغ” وخليج “البنغال”.
ما يميز هذه المدينة هي الحركية الدائمة في اللّيل والنّهار، حيث يقبل عليها الكثير من طالبي “السّياحة الرخيصة”، وما يلاحظ في بنغلادش عامة هو الخدمات الرّاقية في الفنادق حيث العمالة متوفرة ومؤهلة، وهو ما وقفنا عليه خلال تواجدنا في “كوكس بازار” حيث الخدمات راقية جدا، والمعاملة مثالية من طرف العاملين في الفندق، وأذكر أني اتصلت بإدارة الفندق أحتج على على بطء الأنترنت وانقطاعها أحيانا، فأرسلت موظفا لإصلاح الخلل، لكنه فشل فقرّر مدير الفندق اقتلاع الهوائي من مكانه وأحضره إلى الغرفة سعيا لإرضائنا.
في ضيافة أبو الرضا الندوي
بعد نهاية عملنا في مخيّمات الروهينغا، وجّه لنا عضو البرلمان البنغالي أبو الرضا الندوي، دعوة لزيارته في بيته الواقع في قرية تبعد عن مدينة “شيتاغونغ” بقرابة 100 كلم، فقرّرنا السّفر إليها من مدينة “كوكس بازار” بالسّيارة، فكانت الفرصة لرؤية البوادي والأرياف في بنغلادش، وعلى مدار 7 ساعات كاملة تمتعنا بمناظر غاية في الجمال، وسط حقول الأرز الخضراء التي تمتد على مرمى البصر، ولا يفصلها عن بعضها بعضٍ سوى أشجار جوز الهند العالية وأشجار الموز.. مناظر غاية في الجمال والروعة، لولا الجو الخانق بسبب الرّطوبة العالية والحرارة المرتفعة.
مررنا بعشرات القرى والمدن الصّغيرة، التي لا تتوفر فيها أدنى شروط الحياة، ومع ذلك يمكن أن ترى مظاهر التديّن في كل مكان، حيث تنتشر المساجد بشكل كبير، وغالبا ما يتم بناؤها بأعواد القصب قرب المستنقعات، ولا يفصل بين المسجد والمستنقع سوى سلالم إسمنتية تتصل بالماء، ومن أراد الوضوء للصلاة ما عليه سوى النزول عبر السلالم إلى المستنقع للوضوء هناك ثم العودة إلى المسجد.
تنتشر المستنقعات في كل مكان داخل الأحياء السكنية، بمياهها الرّاكدة المغطاة بالطحالب الخضراء، ويكون هذا الوسط ملائما للجراثيم بمختلف أنواعها، وهو ما يفسّر انتشار الأوبئة والأمراض بشكل كبير في بنغلادش.
مأدبة غداء من نوع خاص
وصلنا إلى بيت البرلماني أبو الرضا الندوي، ولم يكن بيتا فاخرا، لكنه يختلف في بنيانه عن باقي البيوت، ومن الواضح أنّ الرجل يتمتع بشعبية كبيرة، فهو عالم دين، وزعيم روحي، يجيد الحديث باللغة العربية، اكتشفنا عند وصولنا أن الأمر أشبه بمهرجان حضره الكثير من الناس في ظل تواجد مكثّف لقوات الجيش البنغالي، فالرجل يحظى بدعم حكومي واضح، كما أن رئيسة وزراء بنغلادش كلفته شخصيا بمتابعة عمليات التضامن مع اللاجئين الروهينغا.
كانت هناك مأدبة كبيرة بأطباق الأرز وأنواع من السمك واللحم، وتوزّع الجميع على الطاولات، وبدؤوا في تناول الأرز بالأيدي بعد خلطه “يدويا” بمرق اللحم، فاكتفينا في البداية بالملاحظة، وتفطّن المضيفون إلى أننا قد لا نجيد الأكل بالأيدي فأعطونا ملاعق صغيرة لكننا رفضناها، وفضلنا الانغماس في المأدبة بأيدينا كما يفعل الجميع.
كان اللقاء احتفاليا بالوفد الجزائري ووفد آخر تركي، وكانت مناسبة مواتية ليتقدّم أبو الرضا الندوي بعرض حال الجهود التضامنية المبذولة للتكفل باللاجئين الروهينغا، واستغل الموقف لتوجيه نداء إلى الشعب الجزائري بتقديم المساعدات الإنسانية إلى الروهينغا، كما توجه بالشكر إلى الرئيس التركي طيب رجب أردوغان الذي تميّز عن كل زعماء العالم بالدفاع عن الروهينغا.
ومن مدينة “شيتاغونغ” توجهنا من جديد إلى العاصمة البنغالية دكا عبر رحلة طيران داخلية، ومن هناك غادرنا بنغلادش، هذا البلد الذي يشدك إليه رغم كل ما فيه من مظاهر بؤس وفقر ومناخ خانق، تركنا شعبا مكافحا لا يتوقف عن العمل ليلا ونهارا، ومع ذلك يعيش جحيما دنيويا لا يوصف.








