-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

البنوك الجزائرية بدائية تسيّرها ذهنية البعير

عمر أزراج
  • 6886
  • 0
البنوك الجزائرية بدائية تسيّرها ذهنية البعير

منذ أسابيع قليلة ماضية، قام تقرير المنتدى الاقتصادي العالمي بتصنيف الدولة الجزائرية في طليعة الدول التي تتحكم فيها أنماط الفساد متعدد الذيول الذي يوجه ضربات قاضية متتالية للتنمية الوطنية، وفقاً لهذا التقرير، فإن هذا الفساد البنيوي المستشري في مفاصل مختلف المجالات يشمل المعاملات البنكية، والبيروقراطية الإدارية، وعدم احترام الملكية الفكرية على نحو خاص، وغياب الفاعلية في المؤسّسات التابعة للقطاع العام وللقطاع الخاص معاً، أما ترتيب الجزائر عالميا في سلمّ المنظومة التعليمية بكل أنواعها، فإن تقرير المنتدى العالمي يعتبرها في ذيل القائمة.

في صدارة العراقيل الأساسية التي تعرقل ازدهار السياحة الأجنبية وعقلنة الاستثمار الأجنبي في الجزائر غيابُ فن وثقافة السياحة، والأساليب العصرية لإدارة المصاريف البنكية إدارة متطورة على أسس الكفاءة العالية ووفقاً للمعايير الدولية، فيما يخص سرعة وسلاسة فتح الحسابات، وتحويل  المبالغ المالية من طرف السياح، والمستثمرين الأجانب، والعمال الجزائريين المقيمين في المهاجر الأجنبية وبشكل خاص في المهاجر الأوروبية الغربية، حيث يعمل مئات الآلاف من أفراد الجالية الجزائرية.

وبخصوص هذه النقطة المهمّة فعلا، فإنه ينبغي التوضيح أن عملية تحويل العملة الصعبة من الدول الأجنبية إلى بلادنا تخضع لبيروقراطية فولاذية ومرعبة فعلا من جهة المسؤولين عندنا طبعا. مثلا، في الوقت الذي يستغرق وصول المبالغ التي تحول عن طريق البنوك، (وليس عن طريقويسترن يونيونالمكلِّف جدا والمستغِلّ والجشع)، من فرنسا أو ألمانيا إلى أي دولة  أوروبية أو غربية، أو إلى الصين أو اليابان أو سنغافورة يوما واحدا أو أقل، فإن التحويل إلى الجزائر يستغرق مدة تتراوح نظريا بين أسبوع إلى13 يوماً، ولكن في الواقع العملي، فإن الأمر هو غير ذلك، حيث يتم التلاعب في البنوك الجزائرية بطرق غريبة مما يؤجل تسلم المستفيد من التحويل وقتا أطول، يصل أحيانا إلى أكثر من  ثلاثة أشهر، وأكثر من ذلك فإن البنوك الجزائرية، بما في ذلك البنك الخارجي الجزائري، لا تسلّم في بعض الأحيان المبلغ المحوّل لصاحبه كاملا، حيث تلجأ إلى تسليمه له بالأقساط، ويُفسَّر هذا السلوك المماطل والمنافي للأخلاق تفسيرات عدّة، منها قيام بعض المسؤولين في هذه البنوك بتوظيف مبالغ بالعملة الصعبة في السوق السوداء لمدة من الزمان لجني فائدة غير لصالحهم، ولا أحد يحاسبهم على ذلك.

وفي الواقع، فإن المصاريف البنكية التابعة للدولة الجزائرية، أو البنوك الأجنبية المرخّص لها بالعمل في الجزائر التي تصاب فورا بعدوى  التخلف في مهجرها الجديد هنا عندنا، تتميز بأنها بدائية من حيث التعامل مع الزمان، ومتخلفة جدا من حيث تسهيل التواصل مع الزبائن، كما أنها مصفحة بالعراقيل البيروقراطية الرهيبة فعلا، إضافة إلى ما تقدم من  عناصر التخلف في عقر البنوك الجزائرية أو العملة في الجزائر، فإن هذه المصارف لا تملك مساحة حرية الحركة في إطار قانون يحمي الاقتصاد الوطني وأخلاقيات إدارة المال، ويستجيب في آن واحد لحقوق الناس المتعاملين معها، سواء في داخل الوطن أو من الخارج.

هناك ظاهرة أخرى شديدة السلبية ينبغي الاشارة إليها وتتمثل في كون المصارف العاملة في الجزائر، سواء كانت تابعة للدولة أو للقطاع الخاص الأجنبي، تفرض حصارا مرعبا على حركة الأموال بالعملة الصعبة من الداخل إلى الخارج ومن الخارج إلى الداخل؛ فالسائح الجزائري الذي يزور بلدا من البلدان يُسمَح له بمبلغ مجهري هو عنوان الفقر والاهانة ويقدر بـ 120 أورو الذي لا يكفي ليوم واحد، وإذا تعرّض هذا السائح المواطن، مثلا للمرض أو للسرقة في البلد الأجنبي فممنوعٌ على أهله، أو على أصدقائه، تحويل أي مبلغ إليه بالعملة الصعبة بطريقة شرعية وعلى جناح السرعة من أجل توفير الأمن المالي له وإنقاذه من التسوّل والضياع.

إن نفس الشيء يقال للأسف عن الجزائريات والجزائريين المصابين بالأمراض الخطيرة التي لا يتوفر علاجها في الوطن، حيث نجد هذا النوع من المواطنين يستنجد ببعض الذين يملكون المال بالسوق السوداء، أما الفقراء وهم الأغلبية طبعا فيستسلمون للمرض الذي يفتك بهم

في إطار تشخيص عجز الجزائر عن العمل بالثقافة البنكية العصرية والمتطورة، فإنها لا تملك سياسات بنكية خارجية كأن تؤسّس بنوكا للاستثمار بكل أنواعه في الدول التي تُعتبر مراكز اقتصادية ومالية عالمية، أو في الدول حيث توجد جاليات جزائرية وعربية بالملايين أسوة ببعض دول من العالم الثالث مثل جنوب إفريقيا، ومصر ودول الخليج مثلا.

بخصوص الاستثمار الأجنبي في الجزائر، فإنه يلاحظ أن المسؤولين عن  الاقتصاد الوطني لا يملكون برنامجا واضحا، وشفافا، ومحدِّد المعالم، وجراء هذا النقص الفادح أصبح الاستثمار الأجنبي في الجزائر خاضعاً للمزاج في الغالب، ومحصوراً فقط في ميدان النفط والغاز، وعلى نحو أقل في مجال البناء وفتح الطرق.

وفي الواقع، فإن الاستثمار في الجزائر محكومٌ بعلاقات أشخاصٍ متنفذين  بالمستثمرين الأجانب أفرادا ودولا؛ أي بمدى خضوع هؤلاء الأفراد لشروط تقاسم الأرباح سريا وبطرق ملتوية بينهم وبين شخصياتٍ نافذةٍ ومتحكمةٍ في القرار.

 أما على مستوى الدول الأجنبية، فإن منح مشاريع الاستثمار لها مشروطٌ أساسا بالمصالح الخاصة لبعض المسؤولين عندنا، أو بسكوت هذه الدول الأجنبية مثل الصين، وروسيا، وأمريكا الرسمية، وفرنسا وعدد من دول الاتحاد الأوروبي الأخرى على التجاوزات التعسفية الحاصلة في مجالات حرية التعبير، والتجمع والمظاهرات السلمية، وعلى عدم احترام التعددية الحزبية ومعايير الديمقراطية.

تفيد الوقائع الملموسة أن الكثير من الشركات الأجنبية المستثمِرة في الجزائري غير مقيدة بقوانين فاعلة حقا تحمي حقوق الأيدي العاملة الجزائرية الرخيصة مثل تحديد سقف المرتبات، والترقية، والتقاعد، وعدم الطرد التعسفي.. فضلاً عن غياب ضبط معايير نوعية الانتاج وفقا للمعايير الدولية، وفي هذا الإطار فإن الكثير من الشركات الأجنبية المستثمِرة حاليا في الجزائر تتصرف باستقلالية وكأنها دولٌ صغرى داخل فضاء دولة الجزائر. وأكثر من ذلك، فإن معظم الصفقات المتوسطة والكبرى والمقدّرة بمئات ملايين الدولارات تخضع مسبقا لمقاييس غير شفافة، حيث أن إبرامها رسميا يكون مشروطا بالرشوة وضمان نسبة مالية تذهب بسرية تامة إلى حسابات بعض المسؤولين الجزائريين، ولقد حدث ولا يزال يحدث هذا النمط من الفساد أمام مرأى معظم الأحزاب التي تكتفي بالعتاب حينا، وبإعطاء الدروس الفضفاضة في أخلاق إدارة شؤون الدولة حيناً آخر.

هوامش:

* معظم الصفقات المتوسطة والكبرى والمقدّرة بمئات ملايين الدولارات تخضع مسبقا لمقاييس غير شفافة، حيث أن إبرامها رسميا يكون مشروطا بالرشوة وضمان نسبة مالية تذهب بسرية تامة إلى حسابات بعض المسؤولين الجزائريين

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
  • NOUREDDINE

    والله أصبت بالدهشة والحيرة عندما قرأت هذا الموضوع ،تحويل المال من الخارج إلى الداخل يتطلب أكثر من شهر والأداء أحيانا بالتقسيط ،في حين عندنا لا يتجاوز ذلك 15 دقيقة ،كان الله في عونكم .وشكرا للشروق على هذا الموضوع .

  • جمال

    ثقافتنا الغالبة بدائية تسيرها ذهنية البعير فلماذا نستغرب هذا الأمر في البنوك الجزائرية . أليس الطابع الغالب في الجزائر هو البدائية وذهنية البعير . ألم تلاحظ ذلك عندما تقود سيارتك والفوضى العارمة والأوساخ وأنحطاط الأخلاق في كل مكان. الجزائر بحاجة إلى شخصية مثل مهاتير محمد اللذي أخرج ماليزيا من وضعية بدائية بعيرية إلى ماهي عليه اليوم .

  • lekbir amokrane

    كل الشعب الجزائرى ىعلم علم الىقىن ان كل مؤسسات الدولة تسىر كما تقول لان لا نتعامل بالرجل المناسب فى المكان المناسب ...لكن اىها المثقفون لمادا انتم صامتون عن كل هادا كلكم تقةلون لو نتكلم لا هدمت صوامع ادا تكلمو كما ىجب ومعى من ىجب وافرضو ارائكم على المخطىء بالادلة واعطو لهم الحلول

  • الجزائرية

    تشكر أستاذنا على تحليلك لمرض خبيث يأكل الإقتصاد و البلاد و العباد و ها قد شخّصت مواطنه و آثاره السلبية جدا على التطور و التنمية التي تعرقل الإقلاع الحقيقي للجزائر...و ذكرت المظاهر و أكدت على الفساد ..لكنك لم تؤكد على ضعف المورد البشري أقصد الجهل نعم أتعرف أن معضلتنا هي في إسناد المهمات الكبرى و تارة المصيرية إلى "مسؤولين"لا يفقهون شيئا فيما أسند لهم من مهام إذن أين يكمن النقص أقول لك بتشخيص من اجتهادي : أولا النقص الفضيع معرفيا..ثانيا:النقص المنهجي في حسن التسيير.ثالثا.النقص في الإنتماء للوطن.

  • عبد القادر الجزائري

    من يقول العكس ؟لأنه بنامج فخامتهم وهوصالح في الزمان والمكان حتى في المقابر و الآخرة يامحترم

  • عبد الرحمن

    أيها الكاتب المحترم تقول في مقالك: بنوك عامة وخاصة. لا أظن ذلك إطلاقا، بل في الجزائر توجد بنوك أشخاص لا غير ، ولو حملت تسميات مختلفة كالبنك الوطني الجزائري و البنك الخارجي ، و بنك التنمية الريفية وغيرها من المسميات .فالبنوك في الجزائر بنوك أشخاص يتصرفون حسب مصالحهم الشخصية. فلماذا تغطية الشمس بالغربال، فكل شيء واضح وضوح الشمس في رابعة النهار، وكل إناء بما فيه ينضح. و السلام على الجميع.

  • نجيب

    الكل يعلم ما تقول ولكن يا استاذ اين الحل .