البوليزاريو يلاحق المغرب بأدغال إفريقيا.. والمخزن يعلق فشله بإتهام الجزائر
تشهد العلاقات الجزائرية المغربية هذه الأيام حالة من التوتّر المتجدد، فرغم البروتوكولات والمجاملات عبر رسائل التهنئة المتبادلة، إلا أن الخلافات المستحكمة لم تلبث أن تخرج إلى العلن من حين إلى آخر، في صورة اتهامات عادة ما يكون فيها الطرف المغربي هو المبادر.. وقد شكلت القضية الصحراوية وعلى مدار عقود من الزمن، محطة الخلاف الرئيسية، غير أنه في هذه الأيام توسع الخلاف ليشمل مؤسسات عربية وإفريقية، جسدها انسحاب المغرب ودول عربية داعمة لها، من قمة البرلمان الأفروـ عربي بالقاهرة، ومؤخرا بعاصمة غينيا الاستوائية، مالابو، خلال قمة الرؤساء العرب والأفارقة. فلمَ يصرّ المغرب على توتير العلاقات الثنائية في كل مرة؟ وما الهدف من توسيع “معاركه” لتشمل قضايا أخرى بعيدا عن الصحراء الغربية؟ وهل يمكن اعتبار هذا التوجه دليل فشل أو نجاح للدبلوماسية المغربية؟ هذه الأسئلة وأخرى سيحاول “الملف السياسي” لهذا العدد الإجابة عنها.
من الصحراء الغربية إلى مؤسسات الاتحاد الإفريقي
الجزائر المغرب.. تعويم الصراع
تأبى العلاقات الجزائرية المغربية الجنوح إلى الاستقرار.. فبمجرد بروز إشارات تنزع نحو تهدئة التوتر الذي أصبح مزمنا، تنفجر بؤر جديدة تعيد الأمور إلى سابق عهدها، في مسلسل باتت حلقاته محفوظة عن ظهر قلب لدى المتابعين.
وباتت العلاقات بين الجزائر والرباط مثالا للتوتر، فرغم رسائل التهنئة والمجاملات الدبلوماسية التي عادة ما تتكرر عند مناسبات بعينها، إلا أن عمليات الضرب تحت الحزام تتم معها بالتوازي، ويؤكد هذا ما حدث خلال القمة العربية الإفريقية التي احتضنتها عاصمة غينيا الاستوائية، مالابو.
الخلاف الجزائري المغربي لم يتوقف عند تأزيم العلاقات الثنائية فحسب، بل امتد إلى شلّ مؤسسات إقليمية مثل اتحاد المغرب العربي، الذي لم يحقق أي إنجاز منذ تأسيسه في عام 1989، بل امتد حتى إلى الصف العربي، الذي شهد انقساما في قمة مالابو وقبلها ما حدث في قمة البرلمان العربي الإفريقي بالقاهرة، بسبب واحدة من القضايا التي تعتبر من بين أعراض الأزمة، ألا وهي القضية الصحراوية.
وعلى الرغم من مساعي الجزائر المتكررة الرامية إلى إبقاء المسائل التي تنغص العلاقات الثنائية بعيدا، مثل القضية الصحراوية، إلا أن المغرب تصر على إقحام هذه المسألة عند حصول أي تقارب، وهو ما كان وراء عودة الأمور إلى مربع البداية في كل مرة.
فخلال الأسابيع القليلة الماضية، بعثت السلطات الجزائرية بثلاث إشارات إلى نظام المخزن، الأولى جاءت عبر الوزير الأول، عبد المالك سلال، الذي أكد أن “الجزائر مستعدة لحل خلافاتها مع المغرب وفق مقاربة شاملة، تطرح فيها القضايا في حوار مباشر كي يتمكن البلدان من التفرغ لبناء اتحاد المغرب العربي”.
الإشارة الثانية جسدتها رسالة التهنئة التي وجهها الرئيس بوتفليقة إلى العاهل المغربي بمناسبة عيد الاستقلال، التي أكد فيها حرصه على “توطيد العلاقات الثنائية وعلى تمتين علاقات الأخوة والتضامن، بما يستجيب لطموحات الشعبين الشقيقين”.
فيما تمثلت الإشارة الثالثة في اختيار الرئيس بوتفليقة، رئيس مجلس الأمة، عبد القادر بن صالح، الذي يعتبر الرجل الثاني في الدولة، لتمثيل بلاده في مؤتمر قمة المناخ الذي احتضنته مدينة مراكش المغربية، وهي رسالة فيها الكثير من الدلالات.
وبينما كانت الجزائر تنتظر إشارات إيجابية من جارتها الغربية تثمن توجهّها نحو التهدئة، تلقت رسالة صادمة من الوزير المنتدب بوزارة الخارجية المغربية، ناصر بوريطة، الذي لم يدخر جهدا في اتهام السلطات الجزائرية بالقيام بمساع لعرقلة انضمام بلاده إلى الاتحاد الإفريقي، الذي غادرت المغرب مؤسساته في عام 1984 عندما كان يسمى منظمة الوحدة الإفريقية، بسبب قبول انضمام جبهة البوليزاريو.
وبعدما ظل الموقف المغربي متجمدا عند اتهام الجزائر بدعم القضية الصحراوية على مدار سنين طويلة، وجد أخيرا منفذا آخر لتبرير استمرار توتير علاقاته مع الجزائر، ألا وهو عرقلة انضمامه إلى مؤسسات الاتحاد الإفريقي، ما يعني أن تأكيد المخزن في كل مرة أن سبب خلافه مع الجزائر هو دعم الأخيرة لجبهة البوليزاريو، ما هو إلا مبرر واه، لأنه ومن هذا المنطلق، حتى ولو حُلت القضية الصحراوية وانضمت المغرب إلى الاتحاد الإفريقي، فإن الرباط ستجد مشاكل أخرى تدفع بها إلى الواجهة لتبرير اختلاقها المشاكل مع الجزائر.
ما يخفيه المغرب تجاه الجزائر يبدو أنه أبعد مما يثار على لسان مسؤوليه الرسميين، وقد يصل الأمر إلى ما تردد على لسان بعض الوجوه السياسية غير الرسمية، التي سبق لها أن طالبت بأجزاء ترابية حررها الجزائريون بدمائهم أثناء الثورة التحريرية، وهو مطلب برز غداة الاستقلال فيما عرف بـ “حرب الرمال”، عندما حاول الجيش المغربي احتلال مناطق في الحدود الجنوبية الغربية، زعم أنها أرض مغربية.
العميل السابق للاستخبارات المغربية بريد بوكاس
هذه هي الأسلحة التي يوظفها المخزن ضد الجزائر
يكشف العميل السابق في الاستخبارات المغربية، الآليات التي يتبعها نظام المخزن لتوتير العلاقات مع الجزائر، وغيرها من الدول، ترتكز بشكل أساسي على “ملفات الأمن كالإرهاب، وكذلك المخدرات التي تعتبر سلاحا أخطر فتكا. ويذكر بوكاس في هذا الحوار أن الزيارات التي قام بها محمد السادس إلى عدة دول إفريقية، إنما هي زيارات استثمارية لحساب شركات محمد السادس، ولا علاقة لها بالعلاقات السياسية.
لمَ يصر المغرب كل مرة، على توتير العلاقة مع الجزائر؟
إن إصرار المغرب في كل مرة على توتير العلاقة مع الجزائر، مرتبط بقضايا الحدود والمطالب الإقليمية، وكان يتوقع البعض أنه بعد حصول الجزائر على استقلالها، ستبدأ عملية التسوية بشأن الحدود بينها وبين المغرب، غير أنها كانت بداية لاستفحال الأزمة بين البلدين، حيث تدافع الجزائر عن حدودها كما تركها الاستعمار الفرنسي، في حين، يطالب المغرب بحدوده كما كانت قبل مجيء الاستعمار. فأدت هذه المشكلة الحدودية إلى مواجهة عسكرية عرفت بحرب الرمال سنة 1963، التي شكلت محور الأزمة التي عانت منها المنطقة كثيرا، بل هي تلك العقدة المتراكمة. وفي سنة 1969 عادت العلاقة بين البلدين مرة أخرى بعد اعتراف المغرب دبلوماسيا بموريتانيا، وتنازله عن استرجاع تندوف.
إلى متى تبقى القضية الصحراوية عائقا أمام تطور العلاقات بين البلدين؟
إن سياسات القوى الدولية تجاه المنطقة المغاربية، ارتكزت على التحكم في العلاقات المغربية- الجزائرية، والموازنة بين طرفي هذه العلاقة، سواء أثناء الحرب الباردة أم ما بعدها، وذلك بحسب الأولوية المحددة من طرف القوى الأجنبية التي ترى في المنطقة خزانا نفطيا (الجزائر) وموقعا استراتيجيا (المغرب) فضلا عن كونها سوقا للسلاح بامتياز، وهي اعتبارات عززها الماضي الاستعماري لفرنسا، وتعتبر المنطقة مجال نفوذ تقليدي لها. الخلاصة هي أن قضية الصحراء توجد في قلب صراع دولي، ليس باعتبار مساحتها الجغرافية أو ثرواتها الطبيعية فقط، بل باعتبار دورها في تعميق تبعية دول المنطقة أيضا، وستستمر هذه الوضعية إلى أجل غير مسمى، وبالطبع النتيجة هنا المزيد من المشاحنات بين البلدين الشقيقين المغرب والجزائر ومعاناة الشعب الصحراوي.
هل من ملفات أخرى تعتقد أنها تسمم العلاقات بين البلدين؟
إن الملفات التي يستخدمها المغرب، وليس فقط ضد الجزائر فحسب وإنما ضد بعض دول الجوار وحتى ضد الشعب المغربي، هي ملفات الأمن كالإرهاب، وكذلك المخدرات التي تعتبر سلاحا أخطر فتكا. لكني لا أعتقد أن الشعب المغربي يؤيد مثل هذه السياسات ضد دول الجوار، لأن الشعب المغربي شعب مسالم.
ما الوسائل المتاحة أمام المغرب لتحدي الجزائر، باستثناء لغة التهديد التي تصدر عن المسؤولين هناك؟
من وسائل الضغط المغربي على الجزائر الخطابات المزدوجة التي تتراوح بين المداهنة والدعوة إلى تطبيع العلاقات، وبين الاتهامات بوقوف الجزائر وراء رفض البوليساريو الانسياق لمخططها الهادف إلى رفض “الحكم الذاتي” في الصحراء. ويبدو أن تحركات القوات المغربية على الحدود مع الجزائر، والحديث عن محاولات من عناصر إرهابية التسلل إلى التراب المغربي، يخضع لحسابات معينة لا تنفصل عن الإطار العام الذي تعتمده الرباط بشأن كل القضايا الخلافية مع الجزائر. واللافت للانتباه أن “استفاقة” الجيش المغربي، ومحاولة تغيير حتى هوية الجماعة الإرهابية المتسللة حسب زعمه، غير بريء إذا ما قِيسَ بالتساهل الذي يتعامل به الجيش المغربي بخصوص تعامل الأمن أو حرس الحدود المغاربة مع النشاطات المشبوهة على الحدود، سواء تعلق الأمر بالتهريب أم بتسلل الإرهابيين.
أما الزيارات التي قام بها محمد السادس إلى عدة دول إفريقية، إنما هي زيارات استثمارية لحساب شركات محمد السادس، ولا علاقة لها بالعلاقات السياسية، رغم بعض التصريحات المحسوبة على النظام.
الرئيس السابق للجنة التضامن مع الشعب الصحراوي محرز العماري
استفزازات المغرب المستمرة للجزائر تحركها أطماع توسعية
يؤكد الرئيس السابق للجنة الجزائرية للتضامن مع الشعب الصحراوي، محرز العماري، أن المواقف المغربية المعادية للجزائر، تحركها أغراض توسعية. كما يتحدث عن وجود ملفات أخرى تسمم العلاقات الثنائية، يأتي في مقدمتها إغراق الجزائر بالمخدرات المغربية.
رغم الزيارات ورسائل التهنئة المتبادلة بين الجزائر والمغرب، إلا أن الحرب الدبلوماسية لا تزال مستمرة، ما تعليقكم؟
أعتقد أن الحرية والاستقلال وحق الشعوب في تقرير مصيرها من قناعات الجزائريين، فالجزائر متمسكة بالشرعية الدولية، ومؤمنة بها، على خلاف المغرب التي تسعى دائما لتكريس سياسة الاستعمار في الصحراء الغربية، وهي نقطة الاختلاف بين الدولتين، فعندما تلتقي القيم النبيلة وممارسات الاستعمار، يحدث الصراع، وهو ما يلغم العلاقات الجزائرية المغربية. وعلى العموم، فموقف الجزائر واضح تجاه من لا يحترم حقوق الإنسان، ونضالات الجزائريين لأجل التحرر والاستقلال معترف بها من طرف جميع الشعوب والدول والمنظمات.
إلى متى ستبقى القضية الصحراوية عائقا أمام تطور العلاقات الثنائية؟
هنا، اسمحوا لي بأن أشرح لكم أن أصل المشكل ليس الجزائر والمغرب، أو الموقف الشعبي، فمختصر القضية أن المغرب تحاول في كل مرة إقحام الجزائر، في تجاوزاتها ضد الشعب الصحراوي، وهو ما يجعلها تتورط في خلافات مع الجزائريين، بالرغم من أن الملف اليوم موجود على طاولة هيئة الأمم المتحدة، وستكون هي المخول الأول للفصل فيه، وهنا لا يخفى عليكم أن سر الخلاف بين الطرفين ليس مختصرا فقط في قضية الصحراء الغربية، وإنما أيضا قضية المخدرات التي تمرر بكميات ضخمة إلى الجزائر من الحدود الغربية، دون أن نغفل الحديث عن الجانب الأخلاقي، فالمخزن يسعى دوما لإقحام الجزائر في كافة المشاكل التي تحدث له، وهو ما يجعلنا نتساءل عن سبب ذلك، رغم أن الطرف الجزائري كان دائما يبتعد عن سياسة الاستفزاز، ويعمل على تكريس سياسة حسن الجوار والتعاون والتضامن بين الشعوب.
هل يمكن وضع القضية الصحراوية جانبا، ويعمل الطرفان على تحقيق التوافق والتفاهم في جوانب أخرى؟
الجزائر لم تشترط يوما استقلال البوليزاريو لتفعيل علاقاتها مع المغرب، وإنما عملت بكل شفافية على دعم قضية عادلة مثلما تفعل دول أخرى، على غرار جنوب إفريقيا على سبيل المثال، فهي مؤمنة بالقضية الصحراوية وبحق الشعوب في تقرير مصيرها مثلما تؤمن بالقضية الفلسطينية، ومن هذا المنطلق كانت تحركاتها منذ عقود من الزمن، وينبثق ذلك عن المعاناة التي واجهها الجزائريون سنوات الاستعمار، إلا أن المغرب يتصرف دائما بالعكس، فيقاطع التظاهرات والمؤتمرات الدولية التي تحضرها الجزائر، أو يثير خلافات منبثقة عن القضية الصحراوية، ويشترط لحضور المؤتمرات والأحداث المنظمة في الجزائر، عدم حضور الطرف الصحراوي.. لذلك كونوا واثقين من أن المغرب هو من يقحم هذه القضية في كل مرة.
هل هناك ملفات أخرى تسمم العلاقات الثنائية بين الجزائر والمغرب غير القضية الصحراوية؟
نعم هنالك العديد من الملفات الأخرى التي تلغم العلاقات الجزائرية المغربية، وهي بعيدة كل البعد عن القضية الصحراوية، فعندما يتم إنزال العلم الجزائري بأرض المغرب، دون اعتذار إلى الجزائريين، فهذا تجاوز وتطاول على بلد المليون والنصف المليون شهيد لا يمكن أن نقبله، وعندما تتحول المغرب إلى بوابة لضخ السموم والمخدرات إلى الجزائريين، فهذا أيضا أمر غير مقبول ولا يمكننا تجاوزه، وعندما تخفض الرايات الجزائرية بالقنصليات المغربية ويتم التعرض للشهداء ورموز الدولة الجزائرية، فهو تطاول على الشعب الجزائري ككل، كما أنه لا أحد ينكر أن الجزائر كانت ولا تزال تحترم سياسة حسن الجوار، على خلاف المغرب التي تنام على أطماع توسعية، في كل مرة تظهر للجميع، من خلالها عودتها إلى الحديث عن أحقيتها في أراضي بشار وتندوف ومناطق حدودية أخرى، دون أن تستحي من ذلك، أما الجزائر فتشيد دائما بالحرية والاستقلال وتعلن احترامها لكافة الشعوب المؤيدة لهذا المبدإ، وهو أمر معروف ومشهود عن الجزائريين.