الشروق العربي
مقابرنا اليوم..

البيع والشراء على قبور موتانا!

الشروق أونلاين
  • 5082
  • 0
فاتح بارة

تحوّلت المقابر اليوم من أماكن للتذكر والعبرة إلى فسحة للكثير منا، منهم من يقف عند شاهد قبر ويتكلم في هاتفه، ومنهم من لم ينزع حتى موصل الموسيقى إلى أذنيه وهو يتجول بين القبور، العبث والضحك، بل البيع والشراء بين الناس، يتحدثون عن آخر الصيحات في كل السلع من لباس وبناء وسيارات، يذكرون مميزاتها وهم في غفلة، بل على شفا قبر الميت.

عندما نريد الحديث عما يجب أن نستشعره في مثل هذه الأماكن، فإنه يجب علينا السكينة والتدبر، كيف لا؟ ونحن نرى من كان بالأمس معنا هو اليوم يوضع في قبره، نقف وقفة تمعن وتدبر، لأن السعي في هذه الحياة هو مجرد سعي لطلب الآخرة فحسب وليس للجمع والعبث كحال الكثير منا، وللتفاخر بيننا بالأموال والأولاد، لكن ما نلاحظه اليوم وللأسف عند التواجد في هذه الأماكن المقدسة هو غير ذلك،  فقد ماتت قلوبنا، وأصبحت مثل هذه الديار لا تؤثر فينا ولو لبضع دقائق، نعجل الدفن من أجل الانصراف إلى ملذات الحياة، وكأننا نخاف أن لا نصيبها أو تفوتنا ملاحقتها.

أسواق السيارات ومواد البناء المستورة حديث الكثير منا

 في الوقت الذي يحفر القبر، ترى العديد من الناس مثنى وثلاث ورباع يتهامسون فيما بينهم، بل فيهم من يتحدث بصوت مرتفع يلفت له كل من حوله، عن آخر صيحات السيارات في أسواق اليوم، عن مميزاتها وأثمانها وغيرها من التفاصيل التي تتميز بها وألوانها المفضلة وعدد أحصنتها، وفيه من يتكلم عن الكثير من مواد البناء المستوردة سواء العامل فيها أم ممن يريدها لمنزله الخاص به، فترى الكثير منهم يعرض مختلف الألوان والأسعار على من حوله مع أصدقائه، وهل هي إسبانية المنشأ أو إيطالية الصنع، بل فيهم من يطلب كمية منها وهو في المقبرة وهذا حال الكثير منا، نستعجل البيع والشراء حتى ونحن بين أهل القبور.

هواتفنا تشغلنا فنتخذ القبور مكانا للجلوس والحديث

لا يكفي الوقت للكثير منا للحديث إلى هاتفه في كل الأماكن في أوقات العمل والشارع وحتى في المسجد والبيت، وحتى في المقابر لا نتوقف عن الكلام والقهقهات، والغريب في العديد من الأشخاص أنهم لا يحترمون المقبرة وقدسيتها، بل فيهم من ذهب إلى أبعد من هذا عندما اتخذ أحد القبور متكأ له وللجلوس من أجل الحديث في الهاتف.

إن الحديث عن إهانة المقابر وقدسيتها اليوم طويل ليس للبيع والشراء فحسب، ولا للعبث واللعب ونحن في حضرة ميت يسجى إلى قبره، بل في سائر الأيام كلها وأمام أعين الناس جميعا، فقد وصل الحال بالكثير من الأفراد أن اتخذوها مكانا لشرب الخمر والسهرات، والعبث بين القبور وخدش قدسية موتانا كل يوم، بل فيهم من يحتمي بأسوارها وهو مع عشيقته، فهل وصل حقا الجبن والضلال إلى هذا الحد مع الكثير منا. كانت بالأمس المقبرة رمزا للخوف والوجل والرعب بمجرد السير بمحاذاة أسوارها، أما اليوم فقد أصبحت مثلها مثل الكثير من الأماكن الأخرى العادية، بل تحولت مثل أماكن الفسحة، يدخلها الواحد منا ولا يعرف حتى حقها من كلام وفعل، ترانا نتسابق مع الزمن من أجل الخروج منها عندما نحضر جنازة أحد منا، نستبق ونتدافع على الخروج من أجل اللحاق بأمورنا الدنيوية، بل حتى من أجل لا شيء، لكن لهجرانها فقط. 

 كانت بالأمس للموعظة والتدبر، فحين سأل أحدهم الموعظة، قيل له بماذا أعظك؟ ها هي قصورهم وها هي قبورهم، فإن كانت هي موعظتهم فبماذا نتعظ  نحن اليوم وهي لا تحرك فينا ساكنا؟

مقالات ذات صلة