-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

البُعد الديمقراطي للدولة

ناصر حمدادوش
  • 508
  • 0
البُعد الديمقراطي للدولة

يُعدُّ بيان أول نوفمبر الوثيقة التأسيسية للدولة الجزائرية المستقلة، وهو ذروة المسار التاريخي والنِّضال السياسي والنُّضج الفكري لمفجِّري الثورة التحريرية المباركة، انطلاقًا من المقاومة المسلحة للثورات الشعبية منذ الاحتلال الفرنسي للجزائر سنة 1830م، إلى المقاومة السياسية للحركة الوطنية وصياغته الإبداعية وتوزيعه في 01 نوفمبر 1954م، والذي ركَّز -بكلِّ ذكاءٍ- على المرجعيات الإيديولوجية الأساسية للماضي، والأبعاد الثورية والجهادية في الحاضر، وهوية الدولة وطبيعتها في المستقبل.
وبالتالي فقد مثّل بيان أول نوفمبر المنظومة الفكرية والقيمية للشعب الجزائري، وهو الدستور الأسمى للدولة الجزائرية غير القابل للتغيير أو التعديل، فهو الحوصلة الذكية لكلِّ مكوِّنات الشعب الجزائري العِرقية والثقافية والإيديولوجية، بما يحوز عليه من المرونة والاستيعاب والتكيُّف، وبما يتميَّز به من البساطة في اللغة، والاختصار في الأسلوب، والدقة في المعنى.

القيم السياسية الإسلامية والقيم الديمقراطية المعاصرة تنتظر وقتها في شكل الإمْكانِ التاريخيّ الكامن، ولا يمكن الوصول إليه إلاّ عبر حتمية التدافع، وواجب “المقاومة السياسية”، و”تراكمية التجربة الحزبية”، ومواصلة الكفاح عبر المسار الانتخابي، والاحتكام الدائم إلى الإرادة الشّعبية، لأنَّ الإدمان على قرع الباب يوشِك صاحبُه أن يُفتح له.

المتمعِّنُ في هذا البيان التاريخي والوثيقة الإطار للدولة الجزائرية يدرك الأبعاد الإستراتيجية التي صاغت طبيعة الدولة وهويتها، فهو يجمع بين البُعد الديمقراطي والبُعد الوطني والبُعد الاجتماعي للدولة، كلَّ ذلك في إطار المبادئ الإسلامية، فقد نصَّ على الهدف من الثورة التحريرية، وهو الاستقلال الوطني، بواسطة: “إقامة الدولة الجزائرية الديمقراطية الاجتماعية، ذات السيادة، ضمن إطار المبادئ الإسلامية”، و”احترام جميع الحريات الأساسية، من دون تمييزٍ عِرقي أو ديني”، ومن الأهداف الخارجية لها: “تحقيق وَحدة شمال إفريقيا، في داخل إطارها الطبيعي العربي الإسلامي”..
ومع أنَّ بيان أول نوفمبر لم ينص صراحةً على طبيعة نظام الحكم في الجزائر المستقلة، إلا أنه نصَّ بكلِّ وضوحٍ على البُعد الديمقراطي لها، كآليةٍ من أجل الوصول إلى الحكم أو من أجل البقاء فيه، ومن أبسط أبجديات الديمقراطية، أنَّ: الشَّعب هو صاحب السلطة، والإقرار بالتعددية، وضمان الحقوق والحريات، والفصل بين السلطات، والتداول السلمي على السلطة، واستقلالية القضاء، وسيادة القانون، وهناك علاقةٌ تلازميةٌ بين دولة القانون وبين الديمقراطية، إذْ يُعدُّ القانون الأداة التي تنقل الديمقراطية من الفكرة الفلسفية النظرية إلى الواقع القانوني الإجرائي. وقد أصبح مؤشِّر الديمقراطية على مستوى الأنظمة السياسية مقياسًا لمدى تقدُّم الدول، إذ لا يُتصوُّر تحقيق الديمقراطية الاقتصادية والاجتماعية (تحقيق التنمية ورفاهية الشعب) في غياب الديمقراطية السياسية، والتي تقتضي المشاركة السياسية الواسعة للشعب، وممارسة دور الرقابة على السلطة، ومنها: الرقابة عبر الانتخابات. إلا أن الجزائر عاشت مفارقة كبيرة بين المبدأ السّياسي الذي بُنيت عليه الدولة وفق بيان أول نوفمبر، وبين الواقع السياسي الصعب بعد الاستقلال، تجسَّد في التناقض الصارخ بين المبدأ السياسي التاريخي المقدّس (الدولة الديمقراطية ضمن إطار المبادئ الإسلامية) وبين أعباء الواقع المرير، الذي شكَّل ألمًا غائرًا في جسد الدولة الحديثة، وتشاؤمًا مفزعًا لدى الضَّمير الجمعي الجزائري، نتيجة المعاناة من أزمة الشرعية، ابتداءً من الانقلاب على الحكومة الجزائرية المؤقَّتة، وحسم الصِّراع على السُّلطة بالقوّة في صائفة 1962م، وهو ما أنهك الاستقلال وأفسد طعم الحرِّية، إلى قيام الشعب الجزائري بالحراك الشعبي المبارك يوم 22 فيفري 2019م، والمطالِب بالتغيير.
إنَّ أيَّ مسارٍ في عدم احترام إرادة الشَّعب يؤكِّد مظاهر المساس بالشَّرعية السِّياسية للسُّلطة داخل الدولة، وهي لوثةٌ أخلاقية صادرت الرصيد التاريخي والصبغة الأخلاقية للثورة التحريرية، وأغلقت أفق الخيال السياسي والديمقراطي للجزائر بعدها، وفرضت منطق القوَّة لا قوَّة المنطق في السُّلطة، تأسيسًا وحكمًا، وهو ما يفرض علينا جميعًا الاستدراك وجوبًا بعد الحراك الشعبي، وفي الاستحقاقات الانتخابية، وعلى رأسها: الانتخابات الرئاسية؛ فالعبرة ليست في مجرد القيام بالثورة الشعبية أو بمجرد إجراء الانتخابات في مواعيدها الدستورية، بقدر ما هي في نتائجها ومآلاتها، وبين الشرعية الثورية والشرعية الانتخابية استحقاقاتٌ وطنية وجماعية لا يمكن الهروب منها، مثل حقيقة الحرِّيات فهمًا وسلوكًا من الجميع، ومكسب الديمقراطية الفعلية المترجِمة لإرادة الشعب، وتحقيق التنمية وأثرها على الحياة اليومية للمواطن، وأيُّ فشلٍ في هذه الاستحقاقات الثلاثة (الحرِّية والديمقراطية والتنمية) لن يشفع لأصحاب الشرعية الثورية أو لأصحاب الشرعية الانتخابية إن لم تُترجم كأثرٍ للإنجاز الملموس. لا توجد فتنةٌ أكبر، ولا أزمةٌ أعظم من اغتيال الحرّية ومصادرة الشّرعية وقمع التعدّدية وفرض الوصاية على الإرادة الشعبية، وإنَّ أمَّ الأزمات ورأسَ الفساد هو تزوير هذه الإرادة، إمَّا باسم الشرعية التاريخية أو باسم شرعية مكافحة الإرهاب أو باسم شرعية الإنجازات أو باسم شرعية الأمر الواقع، من دون الاحتكام الفعلي إلى الإرادة الشعبية الحقيقية، عبر الانتخابات النزيهة والشفافة.
إنَّ الفقه الدَّقيق بالقيم السياسية الإسلامية المستمدَّة من النصوص الشرعية، والإدراك الواعي بحقيقة الديمقراطية يجعلنا لا نتردَّد في الإقرار بأنَّ “الديمقراطية هي أفضل صيغةٍ إجرائيةٍ لتطبيق القيم السياسية للإسلام، ذات الصِّلة ببناء الدَّولة والتداول على السُّلطة، وأنَّها التطبيق الواقعي للشقِّ الدستوري من الشريعة الإسلامية في العصر الحديث.” وعندما نتحدَّث عن الإسلام والشرعية السياسية، فلقد حرص الإسلام على تنظيم الحياة العامّة للنَّاس، فقال صلى الله عليه وسلّم: “إذا كنتم ثلاثةً فأمِّروا عليكم أحدَكم”، وحذَّر من خطورة غياب واجب الولاء والانتماء والبيعة، فقال: “مَن مات وليس في عنقه بيعةٌ مات ميتةً جاهلية”، وأنَّ شرعية القيادة لا تقوم إلاَّ على الحرية والاختيار والرِّضا، فقال: “ثلاثة لا ترتفع صلاتُهم فوق رؤوسهم شبرًا، ومنهم: رجلٌ أمَّ قومًا وهم له كارهون.”، وهي في الإمامة الصغرى في الصلاة فكيف بالإمامة الكبرى في الدولة، والشرعية السياسية لا تكون إلا عبر إرادة الأمة بالشورى والبيعة، فقال تعالى: “لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشَّجرة..” (الفتح:18)، وقال: “وشاورهم في الأمر، فإذا عزمت فتوكّل على الله” (آل عمران: 159).
ولطالما بقي سؤال شرعية السُّلطة من أصعب وأهمّ الأسئلة السياسية في حياة أيّ اجتماعٍ بشري، إذ لا شرعية لأيِّ سلطةٍ من دون الإرادة الحقيقيةٍ للأمَّة، عن طريق الرِّضا في التعاقد بين الحاكم والمحكوم، والحرِّية في اختيار وليّ الأمر، والقدرة على محاسبته، وإمْكان عزله، لأنَّ “الشورى” هي مصدر الشَّرعية السياسية، أي مصدر شرعية الحاكم في ممارسة السلطة، ومشروعية أدائه في الحكم.
والقيم السياسية الإسلامية والقيم الديمقراطية المعاصرة تنتظر وقتها في شكل الإمْكانِ التاريخيّ الكامن، ولا يمكن الوصول إليه إلاّ عبر حتمية التدافع، وواجب “المقاومة السياسية”، و”تراكمية التجربة الحزبية”، ومواصلة الكفاح عبر المسار الانتخابي، والاحتكام الدائم إلى الإرادة الشّعبية، لأنَّ الإدمان على قرع الباب يوشِك صاحبُه أن يُفتح له. لا زلنا نعيش مفارقةً مدوِّيةً بين المبدأ الدستوري والنَّص القانوني لإقامة الدَّولة، وبين الواقع المتأزِّم لبناء السُّلطة، ما يفرض علينا نضالاً مريرًا وطويلاً من أجل التحوُّل الديمقراطي، والإصرار على المسار الانتخابي، رغم ما يعتريه من شوائب الممارسات.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!